0
19 1441 :
 * دعني انام فيك ولا اصحو   * مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {138}مُعَلَّقَةُ النَّصِيبْ    * محمد الأخضر السائحي رائد أدب الطفل في الجزائر   * صناعة التقدم وصناعة التخلف   * المتذمرون   * حديث صريح مع الشاعر الفلسطيني، ابن الناصرة، جمال قعوار عن الشعر وتجربته الشعرية   * أجرَاسُ الرَحِيلِ    * غطـاء   * خيانة القضية الفلسطينية   * طفولــة   * الشاعر الحداثي سيف الملوك سكتة يكتب نصه بعيدا عن المعاد والمكرر والصور الشعرية التي فقدت تأثيرها ودهشتها ...قصيدة " الرائي " أنموذجا"    * صابرحجازي يحاور القاص والروائي السوداني فتحي عبدالعزيز   * في سجال عمقي    * مناقشة دكتوراه عن شعر محمود رويش بقسم الأدب العربي -جامعة سكيكدة   * "لَيلٌ وحتى في النهار"   * قصة قصيرة جدا / تفكيك..   * دعاء   * . تلكم هي دمعتي ...   *  عودة الأستاذ محمد الشريف بغامي في كتاب    * رواية جديدة بنكهة الوطن   
 |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    | 

Warning: Use of undefined constant DOCUMENT_ROOT - assumed 'DOCUMENT_ROOT' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/aswatelchamal/public_html/ar/page98.php on line 47
رماد العمر
بقلم : الأستاذ كمال راجعي

[ : 310 ]
الباحث و الأكاديمي من جامعة باتنة كمال راجعي

يزخر الأدب الشعبي بحكايا غريبة، تروي قصص الأولين.. اسعيذ واحد من أولئك الذين قدت قلولبهم من حجر لم يتسلل النور إلى قلوبهم....


خلف أسوار القرية الغارقة في الذنب و الخطيئة.. كان اسعيذ حبيس كوخه لا يفارقه إلا لحاجة مستعصية، تجاعيد السنوات العجاف التي مضت حفرت أخاديدها في محياه.. و أنفه الطويل المعقوف الذي لطالما أقسم به أغلظ الأيمان شاهد على جبروت الرجل و قسوته... قد كان له مع القدر صولات و جولات،يكفي أنه رأى موته أكثر من مرة،و لكن قلبه قد من صخر( الكاف أملال) و عناد أشجار الكستناء و خشونتها...
كلما اضطجع إلى فراشه تنزلت عليه كوابيس الدنيا... فأقضت مضجعه.. صورة زينب لا تفارق خيالاته في نومه و صحوه، كان ذلك في الخمسينيات... عندما نشب حريق مهول في مشتة (أولاد مبارك) و كان هو على رأس عصبة الشر نهب و قتل دون هوادة.. ساقت الأقدار خطى زينب المفزوعة إلى قدميه نظر في وجهها الملائكي و حدثته نفسه- و هو الشاب اليافع المفتول العضلات- بنوازع الشر فأضمر شيئا ما،و لكن بحس الأنثى فهمت زينب مبتغاه فاستلت خنجرا و أودعته سفير شرف في صدرها دون أن تمنحه حتى وقتا للكلام..بقي جاثما على ركبته أمام جثتها مشدوها من هول ما رأى...
في تلك الليلة الليلاء حمل بندقيته و كمن غير بعيد عن المكان المسمى( عبو) و هو ينتظر الحاج أحمنة أحد أعيان المنطقة.. الذي كان يسرع الخطى و كأني به يرى شبح اسعيذ خلف كل تلة أو شجرة أو صخرة ، إذ لا أحد يجرؤ على إهانته دون أن يلقى حتفه، لقد أقسم يمينا أنه قاتله و لو تمسك بستائر الكعبة.. سدد فوهة البندقية إلى رأس الحاج ثم أحجم عن إطلاق النار ليسدد مرة أخرى على مستوى البطن هو يتلذذ برؤية ضحاياه يرزحون تحت رجليه يتوسلون الرحمة التي لن يجدوها ما هي إلا لحظات حتى ارتد صدى صوت الرصاص الذي اخترق جسد الحاج، نزل اسعيذ عن التلة التي كان يعتليها و هو يقهقه بأعلى صوته هامسا في أذن الحاج أحمنة (ألم أقل لك أن ساعاتك محسومة و أيامك معدودة )، ثم استل خنجره البوسعادي و هو ينظر إلى الجسد النازف بنشوة ليذبحه من الوريد إلى الوريد....
أعراس الرحبات بطعم الحرب، تنصب الخيام في ساحة المنزل للعامة لمدة شهر كامل و دار الضيوف التي تفتح باتجاه القبلة حكر للأعيان،ليال صاخبة بالزرنة و البارود كلثوم تتصدر طليعة الراقصات،هي الوحيدة التي لا يستطيع اسعيذ أن ينبس بكلمة أمامها هي حبه الوحيد مثلما يحلو له أن يتباهى بين أترابه،عجبا لهذا الجبار كيف يتحول إلى حمل وديع أمام ناظريها،هي لا تقيم له وزنا،طلبها للزواج عدة مرات و لكنها رفضته،و لأن القوم يخافونه فلا أحد يجرؤ على خطبتها هي الثلاثينية الطافحة بالأنوثة،في تلك الليلة ما قبل الأخيرة قدم السبتي على متن فرسه من(تابقارث) و كان من خيرة شباب أولاد سلطان و أشرفهم نسبا،انبهر الرجل بقوام كلثوم و جمالها فطلبها للزواج،تناهى الخبر إلى مسامع اسعيذ فعزم على قتل الرجل مهما كلفه الأمر،لكنه سرعان ما أعدل عن الفكرة؛ لأن في مقتل الرجل فتنة كبيرة بين الأعراش،و ستدور رحى الحرب طويلا بين الفريقين،ثم إن الرجل ضيف هل يقال في الأعراش بأن أولاد سلام يقتلون ضيوفهم؟؟.... عندما أسدل الليل ستاره على الخلائق،دخل اسعيذ على كلثوم في غرفتها و انتهك حرمة الدار ليحكم وثاقها و يضعها على صهوة جواده و يسلك بها الشعاب و الأودية في جنح الظلام وصولا إلى( زراية) هناك أودعها أمانة عند الخيراني رفيق دربه و شريكه في أعمال السطو و السرقة، امتنعت كلثوم عن الأكل و الشرب و توسلته أن يطلق سراحها لكن عناده و جبروته و اعتداده بنفسه حال بينه و بين إخلاء سبيلها، ما كان على كلثوم إلا أن ترضخ للأمر الواقع و تتزوج منه، و أنجبت له ابنهما الوحيد قدور قبل أن تفارق الحياة إثر وباء البقلة الذي اجتاح المنطقة.....
عاد اسعيذ إلى دياره بعد عشرين سنة كاملة و استقر في( ثيزي نعنقني) بمعية ابنه الوحيد، الذي لم يكن نسخة من والده؛ كله وداعة و تسامح و كان يلح على والده بالتوبة إلى الله و التكفير عن ذنوبه و ما أكثرها، و لكن اسعيذ كان يتجهمه بقوله (أنت لست ولدي أنت ابن أمك.....)....
في الصباح الباكر خرج اسعيذ عاري الصدر و هو يحدق في الأفق البعيد متمتما مضت أكثر من ثلاثين سنة حان الوقت للأخذ بثأر والدي من أبناء التهامي الذين يتنعمون بأرضه..بالكاد استطاع حمل الفوشي(بندقيته) و هو الشيخ الهرم متجها صوب المكان المسمى( ثويزي).....

: 13 1441 : 2020-06-05