أصوات الشمال
الخميس 8 ربيع الثاني 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * احذروا الفتن   * تَاهَتْ الْمَرَاكِبُ...فِي مَبَاهِجَ الأذَى..!    * يوم المعاق العالمي    * في الطريق الى المكتبة الوطنية الجزائرية   * الخطاب النقدي في ملتقى بقسم الادب العربي-جامعة سكيكدة   * صلوات غير صالحة   * دراسة نقدية لرواية امرأة افتراضيّة للرّوائية ليلى عامر   * في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة    * مظاهرات العراق والطرف الثالث   * جزب فرنسا سوسة الجزائر   * الحركة الإصلاحية في الفكر الإسلامي المعاصر للدكتور محمد طهاري.. مقاربةٌ فلسفيةٌ في أوجه الاتفاق والاختلاف   * عابرون في وطن    * عبد الكريم بوصفصاف كتب عن الظاهرة المصالية في 16 حلقة   * قصيدة الركض على الماء يسير   * الجزائر العنوان وتفاعل القارئ في رواية وعلى الرمل تبكي الرياح للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي   * كريم القيشوري وحوار مع المبدعة فاطمة الشيري.   * أبقيتَ القلوب دواميا   * أنا حنظلة يا أبي    * جارة القمر   * أبوابٌ موصدة في موسم الرق    أرسل مشاركتك
دراسة نقدية لرواية امرأة افتراضيّة للرّوائية ليلى عامر
بقلم : أمل رفعت
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 559 مرة ]
أمل رفعت

المرض النّفسي وبناء الشّخصية الدّراميّة في الرّوايةِ العربيّة)

دراسة نقدية لرواية امرأة افتراضيّة للرّوائية ليلى عامر
بعنوان (المرض النّفسي وبناء الشّخصية الدّراميّة في الرّوايةِ العربيّة)
بقلم: أمل رفعت

-- تُشغلني العتبة الأولى في النّصّ عند بداية قراءتي له، وماذا تعني امرأة افتراضية ؟ وهل هي من وحي الخيال العبثي ؟ أم إنّني سوف أجد لها صورة حيّة داخل النّصّ؟ ولي بالتّأكيد عودة أخرى إلى العنوان الّذي شدّني ولكن بعد تمام القراءة وربّما قبلها.
_ لم تكن لي رغبة في التّطلّع إلى الغلاف بما أنّ الكاتب غالبا لا تكون له اليد العليا في إخراجه؛ ففضّلت التّطلّع إلى العمل عبر ال PDF أوّلًا ولكّنني في نصف الطّريق وددت التّعرّف على الغلاف لأنّه في كثير من الأحوال يكون جواز القارئ للمرور إلى النّصّ، وحينما تطلّعتُ إلى الغلاف وجدت هذه البقعة الزّرقاء المشيرة إلى الفيس بوك أحرقت المتعة بداخلي وهذا شعور بالتّأكيد سوف يحدث لمن يقدم على شراء الرّواية، فتظلّ جملة " امرأة افتراضيّة" جملة مطّاطة لها العديد من التّأويلات وخاصّة عند قراءة العمل ورؤية الجاذبيّة وشدّ الانتباه ، تلك اللّعبة الّتي لعبتها السّاردة منذ البداية، لكن هذه البقعة الزّرقاء أطفأت الخيال لديّ وكنت أودّ لو انمحت من الغلاف..
_ بالتّأكيد حين الولوج لأيّ كتاب؛ يجب أن أفوت على الإهداء، باعتباره عتبة نفسيّة للمؤلّف وربّما الإهداء يكون هامًّا للنّاقد أكثر مِن القارئ، وبما أنّ البداية في الإهداء كانت اجتماعية؛ فقد لاحظت ثلاثة إهداءات في نهايته أثّرت فيّ حينما قالت المؤلّفة:
" إلى كلّ غيمة أمطرت بدوني؛ فمنحت لنيسان مفاتيح الرّبيع..
إلى فراشات قلبي الّتي احترقت ظلمًا بنيران الغياب..
إلى الأشرار في كلّ مكان."

ولأنّه من المعتاد أنّ خبرات الكاتب الحياتيّة تلوح من داخل النّصّ ، وددت اكتشاف فراشاتِ القلب و الأشرار.
_ قرّرت تأجيل مقدّمة الأستاذ مشعل العبّادي إلى النّهاية حتّى لا تؤثّر على تفكيري.
والبداية سوف تكون من هنا:
الفصل الأوّل(رحيق الوردة)
البداية
_بالرّغم من جاذبيتها وخاصّة بالتّدرّج في اكتشاف القارئ للبطلة الافتراضيّة إلاّ أنّ هناك نوع من الرّبكة في الحوار في صفحة 12، وفي ص 13 حيث كان الإسهاب في وصف معالم سياحيّة لا تفيد النّص كثيرًا؛ ممّا أدّى إلى شعور بالتّقريريّة المملّة نوعًا ما.
_كان جزء المخاض بارعًا جدًّا وهو يصلح كبداية مثيرة بدلًا من ربكة الحوار.


الرّاوي
_كانت فكرة الرّاوي العليم ببواطن الأمور فكرة صائبة، في البداية لمّحت لي المؤلّفة أنّ هذا الرّاوي إحدى قريبات بطلة العمل ، وفي بداية الفصل الثّاني ظهر الموضوع بمنتهى السّلاسة في الحكي؛ إنّها الشّزوفرينيا، أو الانفصام في الشّخصيّة، وبالتّالي فالوجه الآخر لسميرة كان هو الرّاوي كما كان يبدو، وأقصد إيمان أو كما كانت تحكي المريضة لطبيبها، وبالتّالي اختارت السّاردة الرّواي بمهارة، وهو العالم بحال سميرة وهو نصفها المريض، ولوحظ استعارتها لاسم أحبّ صديقاتها كما برز في الحكي.. هناك صوت آخر يأتي من بعيد لكن على استحياء يظهر في فترات قليلة متقطّعة وهو الرّاوي العليم الّذي لا ينتمي إلى شخصيات العمل.
انقسم الحكي في مواطن عديدة بين المنلوج الدّاخلي للبطلة وضمير السّرد المتمثّل في نصف البطلة الآخر ثمّ الحوار في قسمة متناسبة، وأيضا نبتت بعض الأصوات السّردية الأخرى.
.
المكان
_ تأرجح المكان في البداية بين ولايتين بالجزائر، ودمج عنصر سياحيّ يأخذ القارئ في جولة سياحيّة للآثار في تلك المرحلة، بالرّغم من وضوح المكان أمامي إلاّ أنّ هناك ربكة في مشاهدتي للمكانين سواء إن كانا ولايتين أو مدينتين أو ريف أومدينة، أيضا ظهر عامل مكاني لا يمكن إغفاله وهو المشفى، واستمرّ هذا المكان لعدد من الفصول، وأيضا مقرّ عمل سميرة.


اللّغة
_ لغة شاعريّة عذبة الإحساس، لها مفردات من الجمل القصيرة الّتي تفيد التّشويق وفي ذات الوقت مضفرة بالتّشبيهات والاستعارات الشّعرية ولكن بدون ابتذال، هذا لأنّ السّاردة تمتلك أدوات الحكي، وعندها أسلوب لنفاذ الفكرة البسيطة بدمج أعراف مجتمعيّة للجزائر على وجه الخصوص.

سلبيات السّرد
_ بعض المواضع أتت تقريريّة، وبعضها أتى بوصف ليس له داع ويمكن الاستغناء عن الفقرات الّتي تعطي هذا الإحساس.
_ في مواضع أخرى كانت المؤلفة تدسّ فيها رأيها الشّخصيّ، وهو أيضا يمكن معالجته في الطّبعات القادمة بسهولة والالتزام بحياديّة السّارد للموضوع، وخاصّة وهوعرض مشاكل مجتمعيّة عن طريق حالة مرضيّة، وقد وضح في طريقة السّاردة ثقافتها في علم النّفس ودراستها للموضوع من قبل البدء فيه، وإسقاطها على أمراض المجتمع في حدّ ذاته وهذه التّشوّهات المجتمعيّة الّتي تؤثّر على الأفراد من دون شكّ.
_هناك شخصيّتان شحّ وجودهما ولا أعرف مبرّرات وجودهما على أرض الرّواية، فلم يظهرا إلاّ في عزاء عمران، وكأنّهما خلقا من عدم وهما صبيّان آخران غير أحمد، حتّى في هذا العزاء لم يزهر دور رفيق وأمين في تلك اللّحظات الأليمة، ولم نسمع عنهما بعد ذلك، ولم يتمّ تفعيل أدوار لأيّ منهما مما يجعل وجودهما عديم الفائدة بالنّسبة للسّرد.
_من الهنات الواضحة موقف الأمّ في ذهابها إلى المستشفى في تيارت، تتحدّث مع سائق التّاكسي عن كيفيّة إعداد الكسكسي التّيارتي وهي المفروض جزعة من أجل ابنتها الوحيدة وتفكّر وتعيد ذكرياتها أيّام كانت ابنتها صغيرة وكأنّ شريط الذّكرى يمرّ من أمامها، وفجأة تتحدّث مع السّائق عن الطّبخ!
_ طبقًا لحديث سميرة؛ كانت الرّبكة في لقاء الضّحايا والّتي جعلتني استشعر أنّني لست داخل النّصّ ليخرج تفكيري ويبحث عن مكان وقوع الجريمة، فسميرة تعيش في ولاية جديدة بعدما انفصلت عن عائلتها أو فرّت بمعنى أدقّ، وكانت تنتقم من عشّاقها الأوغاد، لم تزرع لي السّاردة مقتطفات عن المسافة بين الولايتين حتّى أندمح في الحبكة الدّرامية ولا أفلتها؛ فعلاقاتها الغرامية كانت في ولايتها الأصليّة وانتقامها جاء بعد انتقالها إلى ولاية تيارت فعقلي لم يستوعب أن تقتطع الوقت من الدّوام لتذهب إلى ولاية أو أيّ مكان، ثمّ ترتكب جريمة قتل، ثمّ تعود وخاصّة وأنا لست من الجزائر فالحبكة الدّرامية تحتّم سرد التّفاصيل وهو يخدم العمل أكثر من الإسهاب في التّحدّث عن الآثار.
_ هناك بعض المواضع انقلب فيها السّرد إلى خواطر منثورة مثل صفحة 211 ، وبعض المواضع اتّجه إلى أسلوبٍ خطابيّ، واختفى التّشويق الّذي كان يجرّ القارئ إلى الأعمق ولا يجعله يفلت الأطراف, كما أنّه في ص222 قصيدة كاملة لمحمود درويش لا مجال لها إطلاقًا ويشير لعين الحاذق بأنّ هذا العمل الأوّل لاستعراض الثّقافات وهذا لا يجوز في فنّ كالرّواية لأنّه ببساطة يصيبها بالتّرهّل.
_ تحوّل العمل السّردي في وضعيّة معيّنة إلى شرح لمرض الشّزوفرينيا، وهذا أيضًا لا يجوز في الرّواية؛ فالعمل الرّوائي يترفّع عن الشّرح لأنّ الشّرح بكتب الأمراض النّفسيّة لمن يبحث عنها، كذلك الإسهاب في التّحدّث عن شهداء الوطن ص 192، وكيف ماتوا؛ فلا تسمح مساحة السّرد أو الموضوع بهذا الحشو والأحاديث الجانبيّة الغير خاصّة بالنّصّ واتّجاهه.
_ أمّا في محاولة قتل المريضة سميرة للشّاب الجالس بالحديقة، محاولة غير موظّفة تمامًا فكيف يتركون أشياء يمكن استخدامها في الإيذاء في مستشفي للأمراض النّفسية ؟ حتى لو أبدت بعد ذلك سميرة في النّهاية أو أوحت بأنّ الأمر كان مجرّد حلم أو غيبوبة إلى خلافه، ولكن يجب احترام عقلية القارئ وإظهار الفنّ في إخفاء حقيقة الموضوع ، فهو يسير معك في حقيقة النّص فلا يجب أن نخرجه من تخيّلاته ليفكّر كيف حدث هذا وكيف حدث ذاك؟

الحوار
_ استخدم الحوار كتقنية فنّية من تفنيات السّرد، وكان استخدامه ناجحًا وكان بنفس لغة السّرد ممّا أعطى مزيدًا من المصداقيّة للشّخصيات المختلفة بثقافاتهم المختلفة.
_ جاء الحوار بجمل بين السّرد تارة وحوارات كاملة تارة أخرى.

من لمحات السّرد

_ لا أخفي أنّني سعدت وأنا أقرأ هذا العمل فقد عشت مع عائلة من الجزائر وعرفت أعرافها وترابطها و شخصياتها، وعشت أحزانها وفقدها، ونبضاتها من دون ملل ووأحببت أن لا أترك العمل إلاّ وأنا أصل إلى النّهاية لولا أنّني أحلّله لأصل إلى أغوار النّص الّتي كانت دون أن أدري تشدّني للعمق؛ عمق إنسانيّ وعمق نفسيّ وقوميّ أيضا.
_ التّشويق والإثارة في الإعداد للجريمة الكاملة أثار فضولي كقارئ فالأفكار مرتّبة الإعداد؛ بالرّغم من أنّ وسيلة التّخلّص من أعداء سميرة قد يبدو بدائيّ أو ساذج؛ إلاّ أنّه لا يمكن أن نخفي قدر الإثارة والتّماسك السّردي، وزرع علامات المرض النّفسي عن طريق الحكي للطّبيب النّفسيّ أو ما يسمّى بالميتا سرد أي الحكي داخل السّرد، يعطي رونقًا مدهشًا؛ بالرّغم من إقحام بعض جمل المشاهير أثناء السّرد كمحمّد عليّ كلاي ؛ ممّا يخرج القارئ عن متابعته نتاج تفكيره في الجملة الاعتراضية، وكنت أرى أنّه كان يكفي افتتاحيّة كلّ فصل بجملة مأثورة تمهّد للفصل ذاته 143ص.

كلمات غير مناسبة
_ كلمات غيرمناسبة لسياق السّرد ككلمة ( أشعلت) فالمصابيح تضاء ولا تشتعل!
كذلك كلمة جنون الّتي نعتت بها مريضة نفسيّة، وحتّى المستشفى كانت مستشفى الأمراض العقليّة ولا أعلم هل هو تصنيف للأمراض النّفسيّة بالجزائر؟ فعلى حدّ علمي أنّ وزارة الصّحّة العالميّة خصّصت اسم مستشفيات العلاج النّفسي والعصبيّ وانضمّ أيضا لتلك المستشفيات المتخصّصة حالات علاج الإدمان، وقد يطلق عليها مصحّة لعلاج الأمراض النّفسية أو العصبيّة، أعتقد هذه التّسمية متّفق عليها حسب منظّمات الصّحّة الدّوليّة.
_ من الملاحظ أنّ الفصول بترقيمها كفصل أوّل وثاني ...إلخ وفي نفس الوقت كان لكلّ فصل عنوانًا خاصًّا مناسبًّا جدًّا ومثيرًا؛ فكان من باب أولى أن لا تذكر الفصول المرقّمة، والفهرس أيضا لا لزوم له لأنّ العمل نصّ متكامل وليس متوالية قصصيّة أو مجموعة قصصيّة.

النّهاية
_ أتت النّهاية شبه مضلّلة، وكان من الأفضل إقصاء حالة الحلم أوالغيبوبة، واستحداث حدث أقوى يجعل النّهاية أكثر حرّية كي تبدو بوضوح نهاية مفتوحة وليست مموّهة للقارئ.

الزّمن
يتحدّد الزّمن في بعض الفصول بالشّهر والسّنة؛ لخدمة الشّخصية الرّئيسة لمعرفة فترات عمرها، ومحدّد بشكل واسع ليطلّ ذلك الغول وهو العالم الافتراضي الّذي شكّل المرأة الافتراضيّة لذا فهو محدّد، ومن خلال زمن الشّخصيّة والّذي حدّد عمر الشّخصيّة الحقيقيّ أكّد لنا زمن السّرد. وهو على العموم حسب بدقّة ممّا جعل تجديد الزّمن يحسب لصالح النّص.
_ العديد من الجوانب المشرقة في هذا العمل تجعله ينبض بالحركة والحيويّة؛ إنّه الصّدق، وأسمى أنواع الصّدق في الإحساس.. هناك صورة حيّة مشعّة تستمدّ الحياة من هذا الصّدق ويستطيع المتلقّي أن يلمسها ويراها بل ينبض بها، ممّا يجعله يعايش تلك المرأة الافتراضيّة بمنتهى الانحياز وعدم الحياديّة، ويتعايش مع اضطرابها النّفسي في تضامن.. لذا فالنّصّ يحتاج إلى قارئ رومانسيّ يتفاعل مع النّصّ ويحيا بداخل فصوله؛ ولكي يصل إلى هذا الالتحام لن يبذل أيّ مجهود فسوف يجد نفسه ولج إلى التّصوير والتحم به من دون أن يشعر.
وأشير هنا إلى رؤية الأساتذ مشعل العبادي بعد هذه الدّراسة الّتي أخذت منّي وقتًا أترنّح فيه بين التّشاؤم من الواقع وإسقاط المرض النّفسي على ملابسات هذا الواقع بأعراف مجتمعه وتفكير سكّانه، فأجد أنّه له رؤية مشابهة لدراستي لكن وجهة نظره كانت أكثر من ناحية الحداثة في تكوين الرّواية، الحداثة التّكنلوجية وزمن مواقع التّواصل الاجتماعيّ.
وفي النّهاية أرجو أن أكون قد أفدت وأتمنّى التّوفيق للكاتبة.



نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 29 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ : 2019-11-26



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com