أصوات الشمال
الأحد 14 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما يجب أن يكون للنهوض بالمجتمعات العربية   *  قراءة أولى في القصيدة الفائزة في "المنارة الشعرية في وصف جامع الجزائر الأعظم"   *  للبرد صهيل الأوسمة.   * رحلة المشتهى او حفر في صورة "العشيقان" .......نقد د.حمام محمد زهير   * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى    أرسل مشاركتك
مثل الروح لا تُرى
بقلم : الدكتور. محمد سعيد المخلافي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 596 مرة ]
مثل الروح لا تُرى

سرد أخفيت حروفه بعفوية تجمل عن وطيس الشقاء, فأذاعت ظاهر تعاستها سحيف رحى قبح مستعرة تنزع لذة إلى طحن البراءة ورهيف الإحساس, لكنها بباطن أمل مقاوم تستعصم, وترتقى بإعتداد المُحِق المتيقن أبراج عاجية إلى قمة الحضور الطالع, الجليل, المستبشر, المتحقق الغلبة.


_الجزء الثاني_

وهأنا الآن بعد أكثر من ثلاثين عاماً من تلك الليلة أعود إلى أبي وهي المرة الأولى التى اصطحب فيها زوجتي وأولادي.. أردت التخفيف من فضاعة عجيج إحتراب الهدر ودوى صراعات الهباء.. انتوينا قضاء أشهر الصيف على أقل تقدير ولم نمكث سوى أسبوع فقط رأيت في كل لحظه تمر منه إتقاد غربة ضارية في عيونهم و تذمر صار معلن حتى قررت مرغماً العودة من حيث جاءوا في نهاية الأسبوع.. أسبوع لم أجرؤ لسبب غير مبهم على دخول غرفتي الصغيرة وظلت مقفلة ..كانت آخر مرة رأيت أمي فيها قبل عشر سنوات من الآن, ورجعت بذلك التصدع في روحي أسمع تنقضها الموحش و أفتقد الشجاعة لاستبانته مع أنه لايزال يطن في أذني إلى الآن.. غدا أولادي يتهيأون للسفر وما ألفوا الإبكار قط, استيقظوا من تلقاء أنفسهم ولعلهم لم يناموا بالأصل تشوقاً للعودة.., شعرت بوخز صرف وأنا أرى طلاقة وجوههم.., هذا لأنهم سيعودون إلى المكان الذي ولدوا فيه وترعرعوا ولا يهم إن كان هذا على حساب مفارقتي مكان ميلادي ونشأتي.. من حقي إذن أن أبادلهم الدور وأعلن تذمري من الإياب.. الإياب بالنسبة لي هو وجودي هنا في رحاب أبي وليس في أي مكان آخر.. لكني عجزت عن كبح جماح حيويتهم واندفاع إصرارهم وقرأت فيه معنى أراحني نوعا ما في غمرة ضيقي المشتمل.. معنى أن الحياة تنتصر على الفناء لأنه يبدأ منتهياً.., لحظات إبراقه هي كل عمره أمام عمر الحياة المديد المتجدد المتأبي أصالة على التبقع في لحظات الفناء الخاطفة.. كما ترسمت موقفهم غير المكترث بويلات الخراب فتذكرت السيل الذى يصل إلى غايته متدفقاً دون أن يأخذ قسطاً من الراحة أو يلقى بالاً للمجرى مهما كان كؤوداً عسر... غبطت لهذا الخاطر كأب وأطلال طفل يبغش في داخلي وبدمعه يغيض.
وفي كل هذا كنت لوحدي أحاول بمنتهى الضعف إيقاف حركة الكون. أتلكأ في أبسط مهارات الأنسان الحركية. وكل شى أصبح معداً جاهزاً يصيح هازئاً بأن لا مناص.. وقد سابق الجميع إلىخارج المنزل في شقشقة الفجر وأنا على حالي لا أزال اتشاغل بترتيب هندامي والكل يستحثني على الإسراع.. تأتيني الأصوات مختلطة من أمام الباب تذكرني في الغالب بطول الرحلة وإزدحام الطريق فيتملكني الغيظ.. أحتد وبصرامة متلطفة أرسل صوتي قائلاً اذهبوا من دوني إذا كنتم في عجلة من أمركم إلى هذه الدرجة.. وعلى مايبدو قرروا مجاراتي فكفوا عن استعجالي فلأمر أصبح محسوماً لصالحهم ولم يتبق لي أية فرصة للمناورة.. ميزت صوت زوجتي مهمهة بأن ملابسي لاشك ستتسخ فتبسمت برغم غمي ماذا لو تعلم أنني الآن احتفظ بجيب قميصي بقبضة من تراب قبر جدتي الذي زرته في أول يوم من وصولنا.... وفي إبان السكون الطارئ دخلت ابنتي شمس بوجهها الذي واظبت على ترايئه متطلعاً إلى طفولة جدتي التي لم أشهدها وعيونها قبل أن تتغضن جفونها وجميع ملامحها الدقيقة الطيبة وذلك الارتجاف الطفيف لشفتاها المزمومة كلما همت عيونها بالكلام.. وهاهي شمس كجدتي تقول عيونها بأنها تصبو إلى المساعدة لكنها لا تدري ما الذي يتعين عليها تحديداً فعله, وكعيون جدتي بليغة قالت لي أعرف أنك لا ترغب بالرحيل لكن أعدك بأننا سنعود في الصيف المقبل وسنمكث الصيف بأكمله هنا.. قلت لها بوجه كامد اسبقيني إلى السيارة وسأتبعك حالا بنيتي.. كأن عيونها شكرتني مطولا قبل أن تنصرف.. لياقة أعرفها من جدتي فلا جرم أنها ورََّثتها ضمن أشياءها الأخرى لشمس ابنتي
....يستحيل أن أغادر دون أن أرى أمي هكذا عقدت العزم ومضيت بلا تردد.. ازداد ارتجافي وأنا أسمع صريف بابها..كل أشيائي على حالها كما رتبتها في آخر زيارة..زيارة التصدع الروحي.. شعرت بالخجل وأنا أحمل المصباح الخازن للكهرباء في حضرة قمر, الذى يظل قمراً حتى لو علته كدرة وسخام بادرت برفق أمسحه بمنديلي ومن ثم انثيت أنفخ الغبار عن سماء التي لم تنل التجاعيد من وجهها الخشبي المليس وكل ماقدرت السنين على فعله تقشير بضع مواضع من أدميها الآخاذ المتبرج بالزرقة وكُلفة مواضع من سيقانها المعدنية التى لم تعد سيقاني تماثل دقتها..هذه سمائي الصافية التى عكفت عليها أراجع دروس النقاء حيناً وأحترف البراءة أحايين, منقطا ًالدعاسيق بألوان مختلفة لكي ألبسها ثياب جديدة في كل عيد, وملصقاً الريش على البزاقات في مواسم المطر حتى تطير وتنفلت من قدر الإبطاء.. وهذا الغيمة البيضاء لايزال واقفاً طاوياً سوقه مثلما تركته..لم يروقني ترزنه في مجلسه لأنه الأحق بالتوقير, فعزمت عليه أن يزيل الكلفة بيننا وبأن يمد سيقانه.. حاول مبتسماً ولم يستطع خذلته السنين وقد وخطه الصدأ.. ربت على منكبه قائلا لا عليك ياعزيزي.. يحلو لهذا الوقار أن يتمظهر بدءاً من مفاصلنا وأردفت بمرح مصطنع لقد شاخ كلانا لكنك على أية حال لاتزال قوياً أكثر مني أيها العجوز .. أردت بشدة أن أخفي وجهي في القناع الهزلي حتى لا يرى نظرات الإشفاق فكم هي قاتله لمن خلف وراءه ماضياً من بذخ القوة ورهافة الحس.. وانعطفت إلى دنيا وطولت في تلمسها و في تنشقها وسريعا ما خامرتني براءة الانشغال القديم بمعرفة صلتها بالشوفان المطحون... بدا لي أن وجيب قلبي يسمع من بعد أميال وأنا أهم بسحب ذلك المزلاج الحيي الصغير الذي لايكبر..فقدت عفويتي منذ زمن طويل وأنا الآن محتار في أي وجه ارتدية يليق بلقائي معها..جرفني الشوق الفطين سريعاً إلى لقائها مسلطاً ضوء المصباح بنحو لاإرادي على الخارج ليبقى وجهي خبيئا في الظلمة.., قلت لها بصوت متهدج: صباح الحب والأيام الخوالي..لم ترد التحية فلذت بالصمت تعظيماً منتظراً ردها بلهفة تتآكلني..أنا أعلم منها بطباعها وأعرف بأن وراء صمتها عتب يجيش في كل ورقة منها وهي محقة قطعا فيه..وحقيق بي الإبانة لا الصمت حتى لا تظنه تجاهلاً لا يليق بمقامها, فعاودت القول على إيقاع وجيب قلبي الحاد النشاز وقد ازداد صوتي تهدجاً..جنة هذا أنا..لم تقل شيئا..وجهت المصباح إلى وجهي لكي تتضوَّأ ملامحه قائلا لها بترسل وإسراع أتنكرين هذه الشاعرية عزيزتي..قولي..أترأين بأنه لا يتسع لها زمن الحرب وبها يضيق..فليكن غاليتي سأكون بذلك قد أغضته على الأقل ..وما قد يبدو محض برج عاجي أصيره معراجاً للحب والسلام أفقأ بارتقاءه عيون هلاك حرف( الراء )المتطفل القبيح الشائن على مفردة الحب..لذا صباحك حب بلا منتهى ياجنة
...جنة أرجوك لاتفعلي هذا بي..قولي شئياً.. أنا بائس بمفردي عاجزاً على نفخ الروح في مرآة ذلك الطفل الذى كان يقاسمك سكاكر الشمس..الطفل الذى أحبك وأحبتته..صغيرك في الوجود المتناغم الحيوات الذي تشاركتما في خلقه بحب خلاق..أرجوك فكم أنا ضاج بجسدي الحالي المتشكل رغم أنفي من ركام السنين..ترفقي بي وساعديني فأنت الوحيدة الحالية القادرة على إخراج ذلك الطفل من تحت أنقاض هذا الجسد.., صدقيني لايزال قلبه ينبض بالحياة وأنت بهذاخليقة لإطفاء نار الحقد والكراهية في زمن الحرب وأساطين الدمار... ثم أنني راحل ثانية إلى حيث تترادف الحيطان والأمكنة على معنى الجمود وضيق الحَيِّز وإضمحلال القيِّم وإستعار تدافع البشر و إندثار الإنسان.
...علمتها متسامحة عطوفه لن تردني خائبا ولو بعدحين وسأحيا في فسحة أمل أحلو به مابقى من عمر ... حدثت نفسي بهذا ونكصت أجر جسداً مهلهل النفس بخيال طائف أضناه الصحو لغصن جاثم أسفل جنة..., لغصن افتقد وفائه كثيراً في خريف الشدائد والضيق الذي تساقط فيه الأصدقاء في زمن الحرائق أوراقا غير قابلة للحرق ومجرد الاستدفاء..أوراقاً من جليد تذوب مائعة لو رأتني من بعيد هذه الأيام.
تركت دنيا مفتوحة وجلت بضوء المصباح في أنحاء الغرفة أملأ عيني منها وأشيع بالسلوان ماتبقى لي من روح ..مر الضوء على المرآة ووجدتني اقترب منها ممنياً نفسي أن أجد فيها كل ما كابدت في البحث عنه لأكثر من ثلاثين عام خلت ولم أجده برغم إحساسي بوجوده يسري في أوردتي..لكنى لم أرى شئيا حتى وجهي..لم أجفل وقد عايشت سنيناً خوارق الطفل الأسمر النحيل..اقتربت حتى لامس وجهي زجاجها المتغبش وأدركته حطاما مبتل لم ترد مجاملتي فتخبرني عن مجهول شخص لا باطن له بالأصل..لم تستطع فعل هذا ترفقا وذرفت عينيها دمعاً سخيناً بهدؤ وصمت وكان هذا آخر ما أود رؤيته قبيل رحيلي..دارت بي الدنيا ولم أدري كم من الوقت مر بي وأنا أحاول لملمة توازني المتطاير..وساعدني أخيراً صوتها الهويد ينادي أبي..أنا قادم ياحبيبتي شمس..أنا قادم حالا..تركت باب غرفتي الصغيرة مفتوحا عانقته ومضيت.
خرجت من الباب الرؤوف الطيب أردت أن أعانقه إيضا عناق مودع هذا الشامخ جاد الملامح وصاحب القلب الواسع مثل أبي.. هممت ولم أفعل لمجرد الخشية من إهتزاز صورة اللقب المتوقر الذي يتسربلني عنوة وانصرفت مثقلاً بكبت رغبة جامحة من نبض لم يطمر كفاية لسكاكر الشمس.. أقفلته واستدرت فرأيت الشمس تبزغ...أحسست بقدمي تغوص في العتبة الحجرية..رأيتها تقترب أمعنت النظر إليها لعلني أرى عيون قلبي ثانية وعجيب الأمان ولم أرى غير كهل بروح عارية يشتد فيها الزمهرير, وبربطة عنق مشنوقا بها طفل أسمر نحيل تسطع في عينيه شمس سلام وأشياء دافئة حياة للنفس مثل الروح لا تُرى.

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 1 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : 2019-01-07



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي
بقلم : د. سكينة العابد
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي


العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي
بقلم : نعمان عبد الغني
العولمة  وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي


رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري
بقلم : ايمن بدر . صحفي مهاجر في النرويج
رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري


يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:
بقلم : نورالدين برقادي
يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:


إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com