أصوات الشمال
الأحد 10 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * صاحب يا وليد الحاج قادة القفي مولاي عمار بن الحاج بكار في ذمة الله بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية   * غياب   *  حصيلة لسجال جميل.   * يارمزمجد للسلام محمـــــد    * الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات    * فقط أروها بالحب   * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه    * كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة   * أحفاد عقبة بن نافع الفهري   * رؤيا..   * الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !   * لو أسعفتني مراسيل الليل   * اللّي ما يقدر على الحمار   *  صابرحجازي يحاور الشاعرة اللبنانية ريتا عسل حاتم    *  القاص محمد الصغير داسة يخرج قصصه في أبهى حللها وصورها   * ديواني مبارك   *  وجهي... والنًحلة... والمحسوبيًة.   * بهرت بسحرها    * حماقات   *  أدباء البلاط ..    أرسل مشاركتك
أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!
بقلم : الكاتب طه بونيني
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 304 مرة ]
الكاتب طه بونيني

قصة قصيرة، وهي بداية سلسلة من القصص القصيرة، التي تأخذ في مجموعها صيغة الرواية، إلا أن هناك اختلافات. تبدأ القصة عندما يركب سامي القطار، ليجلس بجانب سمير، وتدور بينهما نقاشات، حول واقعنا المعيش. أراؤهما المتناقضة، تجعلنا نرى تضارب وجهات النظر حول الموضوع نفسه...

وصل القطار أخيرا إلى محطة المحمدية، أقرب المحطّات إلى مدينة معسكر، حيث يسكنُ سامي. وصل بعد ربع ساعة تأخير، على غير العادة. فقد اعتاد على الانتظار نصف ساعة!
يُحبِّذ سامي السفر خفيفا، حاملا بيده حقيبة صغيرة. مع أول خطوة ألقاها داخل القطار، بدا له ممتلئا على آخره. لولا أنّه رأى يدا تشير إليه بالقدوم، فاتّجه نحوها. عندما وصل أدرك أنها كانت يشير لبائع الجرائد وليس له، لعلّ الحظّ هو الذي ناداه، فقد كان المقعد شاغرا بجانبه، إلا من تلك الحقيبة التي وضعها الراكب على المقعد، ربّما لإيهام الناس...
استأذنَه سامي: "هل المقعد شاغر؟".
تناول الراكب الجريدة من البائع، ودسّ فيها رأسه وغمغم: "اجلس!".
هذا ما يُسمّى بداية موفّقة!
بعد دقائق قليلة، واصل القطار مسيره. وقد كان يتجه صوب العاصمة. انغمس صاحبُنا الآخر بُرهة، ثمّ كشف وجهه عن الجريدة، وقال للراكب أمامه ـ ويبدو أنّهما قد كسرا الجليد بينهما، قبل ركوب سامي ـ "هل قرأت جريدة اليوم؟"
أجابه الراكب أمامه: "لا".
"يتكلّمون عن زيادة في الأسعار". واصل سمير، صاحب الجريدة.
"هذا موضوع اعتدناه". باختصار متعمد، يجيبه الشخص أمامه، وكأنه يتحاشى الحديث. ثمّ راح يُوصدُ عينيه ويُمطّط شفتيه تحضيرا للنوم. ففَهِم عنه سمير.
" وكأنّك تهتم!" قال سمير هامسا.
أكمل قراءته السريعة والعشوائية، وراح بعينيه الخاطفتين يبحثُ عن شخص آخر يُفضفضُ له. عيناه لا تتوقفان عن مراقبة كلّ شيء، يتحرّك أو لا يتحرّك. يبدو أنّه مثل قِدْرِ ضغط، عليه أن يُخلي عن بعض الضغط من الوقت والآخر.
غَيَّر الاستراتيجية، واستدار نحو سامي: "هل قرأتَ الخبر الأخير؟"
"تفضّل سيدي، ما هو؟" أجاب سامي.
"تعليق أيّ زيادة في الأجور، إلى ما بعد مرحلة التقشّف!"
"وأين المشكل سيّدي؟!". عقّب سامي متعجبّا.
استدار سمير نحو النافذة. وقال وهو يقابلها: "يبدو أنّ لا أحد يهتمّ!!."
سمعه سامي وابتسم، لكن لم يُجب. ثمّ نهض فوضع الحقيبة الصغيرة، في مكانها المخصص. وكانت حينها قد وصلت عربة المشروبات، فطلب قهوة.
"سيّدي الكريم. هل تعتقد أنّ وضعنا الحالي يتطلّب زيادة في الأجور، أم زيادة في الإنتاج؟". قال سامي، مُوجّها سؤاله إلى سمير، وكان قد ارتشف بضع رشفات من القهوة قبل ذلك، فكأنّما تفتّح مُخُّه للنقاش الذي تبدو أماراته غير مبشّرة بالتفاهم.
"لم أفهم قصدك؟" يتساءل سمير.
"سمعتُك تشكو ارتفاع الأسعار، أليس كذلك؟".
"نعم..وهل في ذلك مشكل؟"
"نعم.. أليست الأسعار مسألة اقتصاد، والاقتصاد مرتبط بالإنتاج؟".
" لا يُهمُّني هذا. فأنا عامل حرّ، لا أرتبط بالحكومة في شيء! فلِمَ يُحمّلونني أوزار غيري؟"
"ماذا تعمل؟". يسأل سامي بفضول.
"أعمل...أعمل وكفى ليس هذا موضوعنا...الموضوع هو الأسعار المرتفعة". يجيب سمير متحاذقا.
"حسنا لا بأس. فلنبدأ نقاشنا من جديد".
وناول سامي كوب القهوة إلى سمير، مُحاولا التصرف بلباقة.
"ارتشف يا سيّدي بعض القهوة. القهوة تحطم أعصابك لكنّها تفتح عينيك". قال سامي.
"أعصابي مُحطّمة على كلّ حال. أُريد أن أُصَحصِح، نهضتُ باكرا...". قال سمير، وارتشف رشفة كبيرة، أَصدَر معها صوتاً، لا يعرفه المبتدئون في شرب القهوة المضغوطة. ثمّ أخرج سيجارة بصفة تلقائية، كما يفعل المدخنون عندما يجلسون إلى فنجان قهوة. فسبِقه سامي:
"فلنُكمل حديثنا".
أغمدَ سيجارته في جيبِه وقال: "كُنّا نقول..."
"نعم..نعم..كنّا نتحدث عن مهنتك الحرّة؟"
"أنا أعمل ك "كلوندستان" (سائق الطاكسي المخفي)، أو كما يُسمونه "فرودور" في مناطق أخرى." أجاب سمير.
"حسنا. يا أيها الكلونديستان..لنفترض أنه عمل حرّ، فما دخلُه في "زيادة الأجور" الذي علّقَتهُ الحكومة؟" يسأل سامي.
"يا سيّدي، أليس يركبُ معي البشر؟"
"طبعا".
"ألا يجب أن يدفعوا عندما يصلون إلى وجهاتهم؟"
"طبعا".
"إذن هؤلاء البشر أي الزبائن، وهم في معظم الأوقات من الموظفين، هم يُغدقون عليّ في الأجرة، ويتركون بقشيشا، إذا كانوا في بحبوحة. فإذا زادت الأسعار، ولم تزِد الأجور معها، نقُص البقشيش، بل قد ينقص الزبائن، وهذا يضرّ بعملي..."
وأنهى سمير إجابته بإيماءات جادّة تشي بالأسف، وتدعو سامي للتعاطف والتفهّم.
"يبدو كلامك يا ..." وقاطعه جليسُه:" نادني سمير".
"وأنا سامي"
" تشرّفنا"
"تشرفت بدوري".
وأكمل سامي ما بدأه: "يبدو كلامك منطقيا يا سمير".
"شكرا" قال سمير، وربتَ على صدرِه مُمتنا بينما يبتسم.
"لكن.." استدرك سامي.
"لكن ماذا؟"
"لكنّ كيف ترتاح لمهنة تتحدى فيها القانون، لم لا تعمل كسائق سيارة أجرة؟". يتساءل سمير معاتبا.
"يا سيدي حاولتُ ولم أستطع لبعض الصعوبات"
"منذ متى تعمل هكذا؟"
"ثماني سنوات"
"أليست هذه المدة، كفيلة بتذليل الصعاب؟"
"في الحقيقة تُعجبني حالتي كما هي. إنّه قدري. لا مفرّ للمرء من قدرِه."
"حتّى ولو كان فيه خرقا للقانون".
"ضميري مرتاح". يقولها سمير مُرتاحا.
"يبدو ذلك واضحا. ومن أين يستمدُّ ضميرك هذه الراحة؟" يتسائل سامي.
"من الشعب". يجيب سمير بصوت واثق، فلهذه الكلمة قوّة...
"كيف؟". يتساءل سامي.
"أليس الشعب يركب معي، ويتصل بي ـ مُتضرِّعا أحيانا ـ لأنقله إلى وِجهتِه، ويُصرّ على مجيئي؟. بل يركب معي أحيانا حتى رجال الأمن..."
"حسنا. يبدو أنّه في جعبتك حجج قويّة. وما قولك في سائق سيارة الأجرة الذي يدفع الضرائب التي لا تدفعها؟ "
"هو حرّ فيما اختار لنفسه. وأنا كذلك. لسنا مُلزمين بالتقيّد بهذه ..."
"تريد قول: القوانين". قال سامي.
"لا بل العراقيل، إذا كان الواقع نفسُه لا يتحمّلها. هل ترى أمثالي ممّن تسمّيهم مُخترقي القانون، يجْرُون وراء الركّاب. هم يأتوننا طوعا. يركبون رجالا ونساءً وأطفالا وشيوخا... جميع الأصناف تركب معي. العاقل والمجنون. الحكيم والمخبول. الموظف والمهندس والتاجر وغيرهم..."
يقول سمير، وهو يُحسّ نفسه قد ظفر بالمناظرة.
سكتَ سامي هُنيهة. استغرقَ في لحظة صمت تُشبه الاستسلام، وراح ينظر ساهِماً نحو النافذة وما وراءها من المناظر، وقد كان القطار قد اجتاز محطة غليزان. تغضّن وجهُ صاحبنا لثوانٍ قبل أن ينشرح.
انتهت استراحة المحارب. " إنّه إذن خطأ اجتماعي عام. فإذا كانت النُّظم والقوانين هي سفينتنا، فنحن قد رضينا بالركوب في سفينة مثقوبة".
قهقه سمير بهستيرية وقال:
"آه آه على سفينتك المثقوبة! يبدو أنّك ترى ثقبي الصغير، ولا ترى الثقوب الكبيرة التي أحدثها الأقوياء والجبابرة!!"
"لا يا سامي. إنّها المعضلة نفسها، صارت تتفشّى فينا. صِرنا نرضى بالعيش وسط الجنايات، صغيرِها وكبيرِها، وهي كالحشرات، فكما يُؤذي ويُقزّز كبيرها، فصغيرها يُؤذي كذلك دون أن يلفتَ إليه الأنظار."
"حشرات!! يا سلام يا سلام!!" قال سمير مستنكرا.
ونهض من مكانه. وراح صاحبنا يبحث عن مكان آخر يجلس فيه، فلم يجد، فعاد مُجبرا، بينما يقول لنفسه:" سأعود إلى مكاني. وسوف أسبر أغوار هذا السامي، فأستخرج منه حشراته "...
يُتبع...

نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 3 محرم 1440هـ الموافق لـ : 2018-09-13



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
أحفاد عقبة بن نافع الفهري
بقلم : الدكتور فؤاد فلياشي
أحفاد عقبة بن نافع الفهري


رؤيا..
بقلم : وردة ايوب عزيزي
رؤيا..


الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !
بقلم : د. سكينة العابد
الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !


لو أسعفتني مراسيل الليل
شعر : ياسين أفريد
لو أسعفتني مراسيل الليل


اللّي ما يقدر على الحمار
بقلم : أحمد سليمان العمري
اللّي ما يقدر على الحمار


صابرحجازي يحاور الشاعرة اللبنانية ريتا عسل حاتم
حاورها : الاديب المصري صابر حجازي
 صابرحجازي يحاور الشاعرة اللبنانية ريتا عسل حاتم


القاص محمد الصغير داسة يخرج قصصه في أبهى حللها وصورها
بقلم : فضيلة معيرش
 القاص محمد الصغير داسة  يخرج قصصه في أبهى حللها وصورها


ديواني مبارك
بقلم : رشيدة بوخشة
ديواني مبارك


وجهي... والنًحلة... والمحسوبيًة.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                                               وجهي... والنًحلة... والمحسوبيًة.


بهرت بسحرها
بقلم : شاكر فريد حسن
بهرت بسحرها




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com