أصوات الشمال
الأربعاء 13 رجب 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشارع الجزائري و ( برتولد بريخت)   * السماء تبكي علي حال شعبي   * مهمات صعبة تنتظر د. محمد اشتيه في رئاسة الحكومة الفلسطينية الجديدة    * قصص قصيرة جدا للقاص: بختي ضيف الله / الجزائر   *  مجزرة نيوزيلاندا .. الجاني لم يصادف اي مقاومة، كأنه دخل خمّاً للدجاج يقتل ما شاء   * الحراك الشعبي الجزائري والربيع السلمي للتغيير   * رباعيات   * سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار "أن تفكر في فلسطين" للكاتب المغربي عبدالله صديق.   * قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة   * المعادلات الصعبة للحراك الجزائري   * خُلقت حراً   * شبكة المقاهي الثقافية تحتفي بــ " نصيبنا من الظلمة " ديوان شعر للإعلامي الشاعر عبدالعزيز بنعبو بالرباط / المغرب   * السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب   * قراءة مختصرة في قصيدة "المنارة" الفائزة في مسابقة وصف منارة الجامع الأعظم لصاحبتها فاتحة معمري:   * قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!    * العقاد.. والحكم الاستبدادي   *  وَتُبْحِرُ فِي الْغُمُوضِ..ولاَ تَلتَفِتُ!!   * محنة الشعراء   * المراكز الفكرية في الولايات المتّحدة الأمريكيّة «الظاهرة والدّور والتأثير»   * رواية " أوركسترا الموت"    أرسل مشاركتك
lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 354 مرة ]

رواية صخرة طانيوس تأليف أمين معلوف و ترجمة نهلة بيوض

أمين معلوف هذا العبقري الذي يعرف كيف يسحب القارئ إلى عوالمه بسرده الساحر ، يغزل الأحداث بتفنّن و يبذر الفكرة في تربة لغة بهية ليجعل القارئ يحبس أنفاسه و هو يتتبّع خيط الحكاية ليتأكّد إن كان ما فكّر فيه هو ما سيكون حدثا في الفصل الموالي، و ليتأكّد من واقعية الأحداث و ارتباطها بالتاريخ ، أم أنّها من بنات خيال الكاتب في خلطة عجيبة أحدثها ليرسم لنا التاريخ قابعا في أحداث عصرنا يعيد نفسه بقساوته و بنفس غباء البشر و تعطشهم للسلطة و ميلهم للاستبداد.
أمين معلوف من مواليد 25 فبراير 1949م في بيروت ، أصدر عديد الروايات توجت بعضها بجوائز هامّة ، من بين هذه الأعمال المتوّجة رواية "صخرة طانيوس" التي نال عنها جائزة غونكور أهمّ الجوائز الفرنسية عام 1993م.
هذه الرواية لها ثقل الصخرة من حيث الأهمّية الأدبية ، لكنّ لها خفّة نسمة الصباح الربيعي الجميل و هي تجتاحك شيئا فشيئا و تحرّك داخلك إحساسا غريبا يجعلك تنفصل عن واقعك و عن عصرك لتجد نفسك في إحدى القرى اللبنانية كفريبدا ، تعيش عصرا رضخ فيه أجداده لقوّة أجنبية غريبة الثقافة عنه أسرفت في إهانة الشعب و ذلّه رمز إليها بسلطة شيخ القرية الذي قدّسه القرويون لدرجة أنّهم كانوا يتسابقون لتقبيل يده، و يتكبّدون عناء الصعود إلى الجبل أين يقع قصر الشيخ للتبرك بيده و تمريغها بشفاههم تذللا و طمعا في رضاه ، هذا الشيخ الذي كان زير نساء لم يفوّت فرصة الإيقاع بالنساء القرويات اللواتي حبلن منه ، حتى لا يكاد بيت قروي يخلو من طفل غير شرعي للشيخ حملته ربّة البيت أثناء دعوة الشيخ للقرويات لتحضير بعض الأكلات التي يشتهيها، فيطلق على الابن غير الشرعي للشيخ لقبا مرتبطا بالأكلة التي تتقنها والدته و قامت بتحضيرها للشيخ قبل أن يختلي بها .
المؤلّف من البداية يعلن عن اغتصاب للأرض و للعرض و حتى للديانة و هو ينتصر لطائفته المسيحية و أهمّية أن تستمرّ و ألا تذوب في ديانة الغريب الذي سيطر بالقوة حسب سياق الرواية على أمصار الأرض بما فيها قريته المسالمة كفريبدا ، و لعلّه بذلك يشير إلى حكم الإمبراطورية العثمانية منتقدا فترة حكم سلاطينها في القرن التاسع عشر .
و طانيوس هو بطل الرواية و هو ثمرة السلوك المنحرف للشيخ المقدّسة يده من طرف القرويين المغتصب لنسائهم و المذلّ لهم و المغتصب لأرضهم بدعم من كبار الإقطاعيين الذين استغلّوا الفلاحين البسطاء المغلوبين على أمرهم أبشع استغلال.

والدة طانيوس الفتاة الجميلة المرهفة الإحساس و المسيحية الديانة لميا، و والده يدعى جريس و هو وكيل قصر الشيخ و مقيم في أحد أجنحته يكبر لميا لكنّه من نفس طائفتتها المسيحية ، أحبّها لكنّه لم يتمكن من حمايتها من نزوات الشيخ الذي قرّر إغواءها فأرسله في مهمّة إلى قرية بعيدة ، و بعد عودته انتابته شكوك بأن تكون لميا نامت في مخدع الشيخ المتصابي ، و بعد أن حبلت أصبح شكّه يقينا. لكنّه كباقي سكان كفريبدا استسلم للأمر الواقع ، و لولا فطنة شقيقة لميا لأطلق الشيخ اسما غريبا عنه من بيئة الشيخ المقدّسة يده على مولود لميا فيتأكّد القرويون بأنّ جريس زوج مخدوع ، لكنّ الخورية شقيقة لميا اقترحت حيلة أنقذت سمعة غريس على الأقل لوقت معيّن، طلبت منه أن يخبر الشيخ بأنّ لميا قدّمت قسما بأن تسمي ابنها "طانيوس"، فلم يجد الشيخ بدّا من تقبّل الاسم .
لكنّ الحيلة لم تنطل على القرويين الذين كانوا يتهامسون خفية بأنّ طانيوس هو ابن غير شرعي للشيخ فألصقوا باسمه لقبا يشير إلى الأكلة التي كانت والدته لميا تتقنها و تعدّها للشيخ و هي "الكشك"، كانوا ينادونه خفية طانيوس الكشك.
طانيوس لم يكتشف هذه الحقيقة المرّة إلا بعد أن بلع الثالثة عشرة سنة من عمره و هو يتبارى مع أحد أبناء القرويين في لعبة لها علاقة باليد أيضا و كأنّ المؤلّف جعل من اليد رمزا حمّله جزءا من فكرته التي ارتكز عليها في بناء روايته و هي التمزّق الذي عاشته قريته بسبب صراعات القوى العظمى في ذلك العصر و هي الإمبراطورية العثمانية و مصر و إنجلترا، اليد التي نمدّها للسلام ،و اليد التي تقطع و تلك التي تبطش، اليد، و معروف عن المسيحيين القدامى خاصة في فترة الحكم الروماني لمصرأنّهم كانوا يدقون الصليب في اليد اليمنى لأبنائهم الصغار الذين لا يستطيعون الكلام كي يعرفوا بأنّهم مسيحيون، و قد تكون رمزيةة اليد أراد بها الكاتب أمرا آخر.

اللعبة كانت مخاطرة بوضع اليد تحت ماء يسيل من صخرة على شكل قمع ، كلّ من جرّب اللعبة انتهى بفقدان يده.
في خضّم اللعبة و في لحظة شجار شتم مجنون القرية طانيوس بأن ناداه : طانيوس الكشك لينفجر باقي أصدقائه ضاحكين متهامسين ، ليحدث الزلزال داخل بطل الرواية طانيوس .
و ليقرّر الانعتاق من كذب الكبار والدته لميا و جريس و الشيخ الحاكم و كان يدعى فرنسيس.
يرسم لنفسه مستقبلا مغاير يتعلّم فيه اللغات و ينضم إلى مدرسة إنجليزية ، لكنّ القدر لا يمهله أن يحقق أحلامه تتعرض قريته المسالمة للغزو و يعدم والده غريس الذي اتهمّ بقتل البطريك من طرف الأمير الذي يصفه بأنّه كان بلحية بيضاء طويلة و بحاجبين كثين ، ترتعد أمامه فرائص كلّ أهالي الجبل.
لكنّ يصف انتفاضة أبناء قريته مدافعين عنها في ص 251: طوال شهر أيلول ، كان بعض شبّان كفريبدا الذين انخرطوا في المقاومة إبّان حملة نزع السلاح يتسللون بجرأة إلى الضيعة..."
يروي الكاتب كيف أنّ طانيوس اختير ضمن وفد الدول العظمى للدخول إلى القرية المحاصرة ،بفضل قدرته على ترجمة الفرمان الذي الذي تودّ الدول العظمى أ يقرأه على مسمع من الأمير الذي احتلّ القصر و لأنّه ينتمي لنفس طائفته المسيحية .
يصف لنا الكاتب الوضع في تلك الفترة في ص256: كان الموفد العثماني يسير في المقدمة، و يحظى بإجلال لا يخلو من الرهبة ، فقد أصبح السلاطين أسياد الجبل منذ أكثر من ثلاثة قرون، و لئن أبعدهم والي مصر ردحا من الزمن ، فقد كانوا على وشك استعادة سلطتهم".
كما يجد القارئ نفسه أمام وصف لوضع سياسي شبيه بما نعيشه حاليا و يقرأ في الصفحة 262 قول أمير القصر في قرية كفريبدا:لقد نعم الجبل بالأمن و الازدهار حين كان السلام مستتبا حوله ، و لكنّنا لا نملك القرار متى تناحر الكبار، فنسعى للتخفيف من أطماع هذا ، و تجنّب أذية ذاك."
إلى قوله في نفس الصفحة: "و منذ سبعة أعوام ، تنتشر قوات الباشا في كلّ أنحاء البلاد، حول هذا السراي ، بل و أحيانا داخل أسواره ، و في بعض الأوقات ، كانت سلطتي لا تتجاوز هذا البساط الذي أضع عليه قدماي."
تنتهي الرواية بعودة الشيخ صاحب اليد المقدّسة بعد أسره من طرف الغزاة الذي أحرقوا عينيه فصار ضريرا ، ليعلن أمام الملأ بأنّ طانيوس هو ابنه و هو وريثه و بهذا تتجلى الحقيقة لطانيوس بأنّ جريس زوج لميا كان مخدوعا و بأنّها حبلت من الشيخ مغتصب القرويات.
يسرد الكاتب روايته و في كلّ مرّة يذكر بأنّ الحكاية عثر عليها في توطئة أخبار الجبل للراهب إلياس من كفريبدا،
و يختم الرواية بأنّ طانيوس وعد الأهالي بأن يلقاهم تحت الصخرة التي تحمل اسمه لكنّه لم يأت. فراح الأهالي يبحثون عنه ، لكنّهم لم يجدوا له أثرا .و بأنّ رفيقه نادر يقرّر إنشاء تجارة مستقرة في بيروت و قد عاش فيها عشرين عاما ، و كلما سأله أهالي كفريبدا عن طانيوس يكرّر نفس الكلام بأنّهما افترقا عند مخرج الضيعة ، أمّا سرّه فقد أودعه في كراس سوف يعثر عليه ذات يوم ، في عشرينيات القرن الماضي أستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت، بمحض الصدفة ،بعد شرحه و نشره ، في ترجمة إنجليزية تحمل عنوان " الحكمة على ظهر البغال"، فيه أهمّ قول قد يفسّر سبب اختفاء طانيوس و هو: تعبت صخرتك من حملك يا طانيوس.
و ما أن تنتهي من قراءة هذه الرواية ستجد بأنّ كلّ فناجين القهوة التي رافقت خلوتك لم تكن سوى يد ربتّت على كتف الوقت الذي لن تنتبه إلى مروره و قد امتلأت بسحر يحملك فوق صخرة الإبداع الصلبة.

نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 4 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : 2019-01-10



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
رباعيات
بقلم : محمد محمد علي جنيدي
رباعيات


سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار "أن تفكر في فلسطين" للكاتب المغربي عبدالله صديق.
بقلم : عبدالكريم القيشوري
سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار


قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة
قصة : بختي ضيف الله
قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة


المعادلات الصعبة للحراك الجزائري
بقلم : د. محمد عبدالنور
المعادلات الصعبة للحراك الجزائري


خُلقت حراً
بقلم : سيف ناصري
خُلقت حراً


شبكة المقاهي الثقافية تحتفي بــ " نصيبنا من الظلمة " ديوان شعر للإعلامي الشاعر عبدالعزيز بنعبو بالرباط / المغرب
بقلم : الكاتب عبدالكريم القيشوري


السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب
بقلم : ابراهيم قرصاص
السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب


قراءة مختصرة في قصيدة "المنارة" الفائزة في مسابقة وصف منارة الجامع الأعظم لصاحبتها فاتحة معمري:
بقلم : عبد الرحمن عزوق
قراءة مختصرة في قصيدة


قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!
بقلم : نبيل عودة
قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!


العقاد.. والحكم الاستبدادي
بقلم : محمد محمد علي جنيدي
العقاد.. والحكم الاستبدادي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com