أصوات الشمال
الجمعة 7 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟   * الحرّيّة ..مقال رأى   * القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ    * مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة   *  لمقرّ سكني محطّتان.   * قصيدة _ انا في انتظارك امام هذا الضوء_ سليم صيفي الجزائر    * قصة قصيرة جدا / مدمن   * مهرة الأشعار   * اطروحة دكتوراه بجامعة عنابة عن الشاعر محمود درويش   * المجاهد القائد حسين بـــــــوفــــلاقـــــــة -الذكرى والعبرة-   * د. ماري توتري في غيهب الموت حياة نيرة    * حيِّ القديم   * مسافرة   * الندم افيّد للبشر / ( شرطي الأعماق ) (*)   * الأسطورة التاريخية الرمز الأنموذج الفريد من نوعه العم أحمد بيده بن الفسيان في ذمة الله.بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية    * فهل رحلت أمي ياترى.. ؟   * رحلة قيام الصهيونية .....و أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض   * بياضات تلوّنها فلسفة الغياب في تجربة الشاعر المغربي محمد الزهراوي أبو نوفل   * المسافرة    * شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله.    أرسل مشاركتك
جولة شرْق جبَل كْسال ...
الدكتور : بومدين جلالي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 556 مرة ]
أ.د. بومدين جلالي / جامعة سعيدة

جولة شرْق جبَل كْسال ...نص سردي قصير فيه استحضار للحظات تاريخية من زمني المقاومات الشعبية في القرن 19 م والثورة التحريريةفي القرن 20 م ...وهو تحية لأسلافنا الميامين بطريقة فنية خاصة بكاتبه، ربّما تكون جميلة ...

كانت سيّارتي في الامتدادات الشاسعة تسير، وكانت أحاسيسي بين قلبي وعينيّ تتجمّع وتتفرّق وترتعش وتطير، وكنت بين هذا وذاك أردّد صامتا مقتطفات من أناشيدنا السهبية الجزائرية التي ابتدعها أسلافنا في أزمنتهم المشحونة بالأخبار والأشعار والأسرار والأسفار وحكايات تواتر الليل بالنهار وكان أبي ينشد منها المقطوعة والمقطوعتين حين يروق له ذلك وهو يحتسي كأس شاي بعد يوم مُرهق جدا كما كانت أمي تدندن بأبيات منها وهي منهمكة في بعض أشغالها اليومية المتكررة باستمرار الاستمرار ...
سرت مدة ثم توقّفت على مقربة من قارَة لها شأن في التاريخ ورحْت أملأ الصدر بهواء العزّ وأنا أتخيّل أمجاد المكان؛ فإذا السماء تتفتح مستبشرة لـ "" الله أكبر ... الله أكبر ""، وإذا الفرسان يتصادمون بالفرسان، و الحديد يتقاطع بالحديد، والرايات تتعالى وتتساقط، وصوت البارود يجلجل ورائحته تعطّر الأرجاء، والدماء تكسو الحلفاءَ والشِيحَ الأخضرين بلونها الأحمر القاني، والطيور تفرّ جوّا والمواشي والزواحف تفرّ برا من هول ما حدث ويحدث في ذلك اليوم الجدير بالتخليد والتقدير ، والشاعر الشعبيّ محمد بلخيرينشد حاكيا :
- """ نْهارالقارهْ الغشْوا نْهار كْبيرْ *** سْبَعْ ضرْباتْ في عَوْدي """ ...
لقد ذهب بي الخيال إلى واقع أقوى من الخيال، وذهب بي التأمل إلى مشاهدة ملحمة القارَة الغشواء في القرن التاسع عشر حيث تلقى العدو أكبر هزائمه السهبية وتيقن أنه سيدفع أكثر منها مستقبلا إلى أن ينتهي أمره ... ولمّا رفعت رأسي باتجاه جبل كسال العظيم؛ بدا - كعادته - شامخا في إجلال، وإيحاؤه يقول :
- بالفعل، بالفعل؛ دفع العدوّ أكثر فأكثر ورحل مهزوما مدحورا ...
ثم واصلت السير مدة أخرى إلى أن توقفت أمام معالم بناية أثرية لم يبق منها إلا بعض الهيكل العام ... تلك البناية هي زاوية سيد الناصر القرآنية الخيرية التي كانت عامرة بالعلم والذكْر والخيْر المتنوّع طوال قرون متتابعة إلى أن غزاها الاستعمار مرة أولى في القرن التاسع عشر فأغلقها غلقا مؤقتا بعد أن نهب منها أكبر مكتبة معروفة في المنطقة حين ذاك الزمان وشرّد مَن فيها بغير استثناء، ثمّ غزاها مرة ثانية خلال الثورة التحريرية فدمّرها عن آخرها ... ولمّا تغلْغلْتُ في رحِمِ أطلالها مستذكراً متأملا؛ فإذا الصفوف خلف الصفوف من الشباب في تلاوات قرآنية عجيبة، وإذا الجلسات التوعوية يتزاوج فيها الفقه بالجهاد بالتاريخ، وإذا الملابس البيضاء تعمّ الناسَ والذكْرُ يتلألأ هنا وهناك والفضْلُ الكريم يتدفّق على العابر والمقيم، وإذا العدوّ يصل على حين غرّة فيقلب العمران خرابا والحياة موتا، وإذا الشاعر الشعبيّ سْليمان بلْعسكْري ينشد باكيا :
- """ ما خَلّاوْلْها لا سْقفْ ولا بيبانْ *** ما ننْساوَشْ شرّْهُمْ هذا الكَفْرَهْ """ ...
ولمّا التفتُّ - بعد أن وصلتْ إلى سمْعي حركة هادئة في المكان - وجدْتُ شيخاً طاعنا في السنّ يشاركني التأمل بنظرة عينيه المتوغّلتين في حيثيات الزمن البعيد، فقلت من غير تقديم :
- هلْ من كلمة عن هذه الزاوية العتيقة ؟
قال دون أن تعودَ عيناه إليه :
- هدّمتْها فرنْسا فهدّمْنا فرنْسا ...
وبعد صمْت مُطلق لا أدري كم دام؛ أضاف :
- ... وطردناها مهزومة مدحورة في أعقاب ليل طويل ...
وبعد أنِ استضافني الشيْخُ وأمتعني بإخْبارياته وأشعاره كما أمتعني بترحابه وإكرامياته؛ واصلْتُ جوْلتي وأحاسيسي ترقص فوق بقايا أشْلاء الاستعماريين المهزومين المدحورين، وسيارتي تسير بنشوة ما مثلها نشوة ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حّرر في 08 أكتوبر 2017 ...إمضاء:الأستاذ الدكتور بومدين جلّالي.

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 17 محرم 1439هـ الموافق لـ : 2017-10-07



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com