أصوات الشمال
السبت 11 شعبان 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * المقامـــــة الكاvــــــيّة *   *  الحجر المنحرف للّصوص.   * أباطرة الإحتكار   * فكرة الولادة الأدبية الفنية عند الجنسين المبدعين / دراسة   * كورُونْا.. الْوَجَعُ الْفَائِضُ..!   *  وقفة مع كتاب: «حـكمـة الـفن الإسلامـي» للدكتورة زهراء رهنورد   * تصوح الذكريات    * العشق في النّكبات عيب   * مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {111} مُعَلَّقَةُ جُنُونِ الْكُورُونَا    * أسئلة الزمن الموبوء   * رباعيات ( كورونا )   * مؤانسة فكرية مع المبدعة الخنشلية ( رانيا ربيعي ).   * الرياضة في مواجهة فيروس كورونا المخيف.... وعي ومشاركة في العمل التطوعي و الخيري   * هرب من كرونا فمات بغيره..   * أحمد بن الونّان التواتي...وقصة الشمقمقية.   * الام مفتاح السعادة   *  الناقد "اعمر سطايحي " متابعة نقدية في ديوان"فسيفساء من الهايكو الجزائري    * سمرائـي في دارها مغتربة   * كورونا ألجمت أبواق الاسلاموفوبيا في الغرب و أخرصت جوقة الانسجام مع قيم الجمهورية في فرنسا..   * قوة السؤال و دلالة الإنكار في ديوان " هل أتاك حديث أندلس " للدكتورة سعاد الناصر    أرسل مشاركتك
أسئلة المعنى ورهانات الرمز - -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- بوقربة عبد المجيد
السيد : عبد المجيد بوقربة - مثقف من الجزائر
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 379 مرة ]
صاحب المقال

يتناول هذا البحث رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ من أجل الوقوف على دلالاتها الفلسفية باعتبارها تمثل مرحلة جديدة في مسار الكاتب الإبداعي الذي خصصه محفوظ للقضايا الفلسفية التي انشغل بها العقل العربي منذ صدامه بالآخر فنجيب محفوظ يحاول أن يبلور موقفه من هذه القضايا و الإشكاليات و لكن بطريقة فنية ذكية لا تجعله يدخل في صدام مع المجتمع أو السلطة

أسئلة المعنى ورهانات الرمز
-قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ-
بقلم عبد المجيد بوقربة
مثقف عصامي من الجزائرـ (*)

تقديم:
يتكون هذا البحث الذي هو عبارة عن قراءة في رواية أولاد حارتنا للأديب المصري الكبير "نجيب محفوظ" من محورين:
الأول: ويشمل نقطتين:
أـ التأكيد على أهمية رواية أولاد حارتنا، بوصفها تمثل إرهاصا للحظة تحول نوعي في مسيرة الكاتب الفنية.
ب ـ إبراز خصائص هذه اللحظة من حيث:
ـ توظيف الرمز.
ـ توجه الكاتب نحو تقديم نمط جديد من الشخصية الروائية يجسد الأفكار والمعاني بدل النمط التقليدي الذي يجسد قضايا وأزمات الواقع الخارجي.
الثاني: ويتمثل في مقاربة الرواية بطريقة تجعلنا نتقدم أكثر في فهم واستيعاب دلالاتها ومعانيها من ناحية المستويين اللذين اعتمدهما الكاتب في بلورة موقفه ,مستوى التعالي الميتافيزيقي ومستوى الوجود الإنساني.
ـ رواية أولاد حارتنا ذلك المنعطف:
تعتبر رواية "أولاد حارتنا" "لنجيب محفوظ من العلامات الفارقة في تاريخ الرواية العربية عموما، وفي المسار الفني لنجيب محفوظ خصوصا فهذه الرواية تؤشر إلى بداية منعطف جديد في رحلة نجيب محفوظ الرمزية، يمكن تسميته بمرحلة الرواية الفلسفية على اعتبار أن أدب نجيب محفوظ قد مرّ في تصورنا بثلاثة مراحل نوجزها كما يلي:
ـ مرحلة الرواية التاريخية : وهي المرحلة التي غلب فيها على إنتاج محفوظ الأدبي الاهتمام بمعالجة القضايا ذات الصبغة التاريخية, فكانت مواضيع رواياته تدور جميعها في هذه المرحلة حول أحداث معينة من التاريخ الفرعوني كرواية :"عبث الأقدار" الصادرة عام 1939 وروايته الثانية :"رادوبيس" الصادرة عام 1943 والثالثة :"كفاح طيبة " المنشورة سنة 1944، ويبدو أن توجّه محفوظ نحو التاريخ خلال تلك الفترة المبكرة من حياته الأدبية لم يكن بدافع فني خالص , وإنما كان الدافع إليه ما ابتليت به مصر في ذلك العهد من حكم فاسد واستعمار غاشم, منعه من مواجهة هموم وطنه بطريقة مباشرة, فلجأ إلى توظيف الرمز التاريخي كمعادل فني للواقع .

ب ـ مرحلة الرواية الاجتماعية:
في هذه المرحلة التي استهلها محفوظ بأولى قصصه الواقعية :"القاهرة الجديدة" الصادرة عام 1945, يلتفت محفوظ إلى معالجة قضايا الواقع الاجتماعي المصري بشكل واقعي مباشر, فجاءت جميع عناوين رواياته باستثناء رواية "السراب" تحمل أسماء الشوارع والحارات المصرية, وتدور أحداثها حول قضايا ومشاكل ذلك الواقع, حيث نجد من بين أبطالها شخصيات تنتمي إلى الشرائح البرجوازية الصاعدة كالمحامي والموظف والطالب الجامعي, وشخصيات من بقايا النظام الاجتماعي القديم, كرجل السراي والباشا والإقطاعي, بالإضافة إلى العناصر الاجتماعية المسحوقة التي لفظها الواقع الاجتماعي.
ج ـ مرحلة الرواية الفلسفية:
وتبدأ هذه المرحلة برواية "أولاد حارتنا" المنشورة سنة 1959 وتمتد مع أعماله الأدبية خاصة مجموعته القصصية "دنيا الله " وروايته "الطريق" و"الشحاذ" ومجموعة "حكاية بلا بداية ولانهاية ", لتشكل ـ كما سبق وأشرنا ـ بداية منعطف جديد في رحلة نجيب محفوظ الرمزية, اتسم بالنزوع إلى معالجة القضايا ذات الصبغة التجريدية, كقضية الوجود وعلاقة الدين بالعلم ومشكلة الحرية ومصير الإنسان بعد الموت ......فكان نتاجه الأدبي خلال هذه الفترة, مميزا ببعض الخصائص نوجزها فيما يلي :
ـ الاستخدام المفرط للرمز إلى درجة جعلت الحقائق تضيع في بحر التأويلات (1) الشيء الذي يجعل طرح السؤال الآتي أمرا ضروريا, هل كان اختيار محفوظ للأسلوب الرمزي هذه المرة أيضا نابعا من قناعات فنية فحسب, أم أن النظرة الشمولية اللامتسامحة هي التي أجبرته على هذا الاختيار, لأنها لا تقبل مطلقا أن يثير المثقف قضية من الصنف الذي أثاره محفوظ أو أن يدعو إلى حلّ كالحل الذي دعا إليه ؟
ـ تقديم الشخصيات في هذه المرحلة أصبح يختلف عمّا عهدناه في روايات المرحلة السابقة, إذ لم يعد القلق الذي يعانيه أبطال قصصه و رواياته الجديدة مصدره البيئة الاجتماعية كما هو الشأن مع محجوب عبد الدايم بطل قصة "القاهرة الجديدة " الذي كان البحث عن الوظيفة يشكل أزمته الدائمة أو أحمد عاكف بطل قصة "خان الخليلي" الذي كان يعاني الظلم الاجتماعي أو حسنين بطل رواية "بداية ونهاية" الذي كان تطلعه إلى الارتباط بفتاة من الطبقة البرجوازية يمثل أمله الوحيد في الحياة, بل ظهر أسلوب جديد في طريقة التعامل مع الشخصية يراعي الجانب النفسي لها, بدل توجيه الاهتمام إلى البيئة الخارجية. وعليه فقد انتقل محفوظ من العناية بتقديم الشخصية البسيطة المحاصرة بتفاصيل الحياة اليومية إلى العناية بتقديم الشخصية المركبة التي تجسد الأفكار والمعاني المجردة, إذ شهدت هذه المرحلة الجديدة من إنتاجه الأدبي سيطرة واضحة للأسلوب الرمزي على مؤلفاته, وذلك بالمعنى الدقيق للمصطلح, حيث أصبحت الفكرة لديه تحلّ محلّ الشخصية وتتحكم غي مواقفها وطريقة أدائها.
ـ أسلوبه في الكتابة خلال هذه المرحلة ابتعد عن الشرح والإفاضة والإغراق في رصد التفاصيل الجزئية الذي يتماشى و النظرة الواقعية, إلى أسلوب جديد يعتمد على التركيز والغموض والإيحاء والجمل القصيرة مما جعل لغته أقرب إلى لغة الصوفية, وهذا التحول جاء في الحقيقة بسبب اعتماد محفوظ على الرمز الذي يلائم القضايا الفلسفية التي تدفع صاحبها إلى الاستغراق في التأمل التجريدي البعيد عن دنيا الواقع وتفاصيل الحياة اليومية.
ـ قراءة الرواية وتفكيك أبعادها الرمزية ودلالاتها الفلسفية:
لعله من المفيد أن نشير ونحن بصدد تحليل الرواية أن الخاصية الرئيسية التي يتمتع بها نص نجيب محفوظ في هذا العمل الإبداعي ,هي انفتاحه على تعدد القراءة واختلاف المعنى ,و لكن هذه الملاحظة لا يجب أن تنسينا أن النص بشكل عام مهما تعددت قراءته وتباين تأويله فإن فهمه وتفسيره منوط بما ينطوي عليه العمل الإبداعي ذاته من معان وأفكار ,و إلا استحال الأمر لعبا ولغوا ,فليس القصد هو أن نقول في النص ما نشتهي قوله, وإنما القصد هو أن نبني فهما موضوعيا له يستند إلى حقله الدلالي . من هنا , نرى أنه بالرغم من الطابع التعبيري غير المباشر للغة المزدوجة الدلالة التي كتب بها محفوظ نص "أولاد حارتنا" فإن مفتاح الولوج إلى عالم الرواية ,ينبغي البحث عنه ـ في اعتقادناـ في ضوء الإشكالية التي حاول محفوظ أن يتصدى لمعالجتها ,إشكالية العلاقة بين الدين والعلم ,بوجهيهما المتلازمين : الوجه الواقعي الذي تجسده ,قضية العدالة والمساواة التي رمز لها محفوظ بالوقف , فالصراع الدرامي على امتداد الرواية من بدايتها إلى نهايتها , يدور حول مسألة الوقف ,فطرد إدريس من البيت الكبير كان نتيجة اعتراضه على قرار الجبلاوي حينما اختار أدهم لإدارة الوقف ,والثورات التي قادها كل من جبل ورفاعة وقاسم وعرفة كانت جميعها من أجل التوزيع العادل لريع الوقف. وهذا الصراع على الوقف كما يظهر لم يحدث قط داخل البيت الكبير الذي هو رمز للفردوس السماوي , أو لمرآة المجتمع المشاعي في البدائية الأولى على حد تأويل أحد النقاد الماركسيين (2), وإنما حدث خارج جدران ذلك البيت ,أي على صعيد التاريخ الأرضي حيث "الإحساس الجديد بالملكية الفردية يغزو قلوب البشر وعقولهم ويحدد مصالحهم واتجاهات سلوكهم وقيمهم"(3)والوجه الميتافيزيقي الذي تجسده قضية الحرية التي رمز لها محفوظ بالحجة, أي ذلك السر الرابض بين دفتي مجلد ضخم موضوع على طاولة بإحدى غرف القصر , خط الجبلاوي عليه مصائر أبنائه ,تماما كما هو الشأن في اللوح المحفوظ , ذلك أنه إذا كان إدريس قد طرد لتطاوله على الجبلاوي , فإن طرد أدهم وأميمة هذه المرة يكتسي مغزى أكبر عمقا إنه تعبير عن حدس الفنان للصلة القوية التي تربط المعرفة بالحرية منذ فجر التاريخ , فالمعرفة هي شرط لنيل الحرية ,والتحرر من أغلال الاستبداد والمجهول هو ثمرة المعرفة .
اختار الكاتب حارة من الحارات الشعبية في القاهرة لتكون مسرحا لأحداث روايته , ويبدو أن هذا الاختيار لم يكن عبثا , وإنما هو يعكس حرص المؤلف على التوفيق بين مسألتين مهمتين : المسألة الأولى تتمثل في المرحلة الأخيرة من مساره الروائي التي انفتح فيها على موضوعات جديدة تخص عوالم ميتافيزيقية كالموت والنبوة والله .....,والثانية تتعلق بالأسلوب الفني الذي يسمح للكاتب بتناول هذه القضايا التجريدية دون أن يفقد صلته بالواقع الاجتماعي الذي آثر المؤلف أن يلتزم بالتعبير عن همومه وتطلعات أبنائه . فهل استطاع الكاتب في رواية "أولاد حارتنا" أن يمسك بخيوط هذه المعادلة الصعبة , معادلة التوفيق بين الخصائص الواقعية للحارة المصرية على الصعيد الشعبي ,والخصائص المجازية للحارة البشرية على الصعيد الديني والاسطوري؟ .
يستهل المؤلف روايته بالحديث عن فتوة عملاق اسمه الجبلاوي ,صاحب البيت الكبير وأملاك الوقف , الذي سميت الحارة باسمه ,لأنه هو من أوجدها .ويبدو أن المؤلف قد اختار من البداية أن يضعنا أمام مستويين في التعاطي مع أحداث وشخصيات الرواية , المستوى المعيش الذي هو تجسيد لملامح المجتمع المصري في فترة من فترات تاريخه الحديث , والمستوى المتخيل الذي هو مستمد من الموروث الديني والأسطوري , فالمكان عبارة عن مزاوجة بين مدلوليين , الدلالة الحقيقية المتمثلة في الحارة المصرية بخصائصها الشعبية المعروفة, والدلالة المجازية المتمثلة في البشرية بامتدادها الزماني والمكاني .أما الشخصية المحورية ,أي شخصية الجبلاوي فقد استعملت هي أيضا بمعنيين : معنى متعال هو إسقاط لفكرة المطلق أو المجهول , ومعنى إنساني هو تجسيد لفكرة الأبوية أو الوصاية.
وهكذا تتوالى بقية فصول الرواية, بين توظيف الرمز وبين مباشرة إسقاطه على الواقع ,فالتشابه في الأحداث والمواقف بل وحتى الإيقاع الموسيقي لأسماء بعض الشخصيات بين رواية أولاد حارتنا وبين القصص الديني ,صار ينوب عن المؤلف في أداء المعاني التي قصدها ,فإدريس هو إبليس رمز الشر ,وأدهم هوآدم رمز الإنسان الأول ,وأميمة هي حواء وقدري وهمام هما قابيل وهابيل ابني آدم ,وكذلك جبل ورفاعة وقاسم هم تجسيد لشخصيات الأنبياء الثلاث العظماء موسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام .أما عرفة فهو رمز العلم الذي رآه محفوظ كحل وحيد للأزمة ،فما دلالة هذا التطابق إذن بين هذه الرواية وبين التراث القصصي الديني ؟ هل قصد محفوظ بهذا العمل الإبداعي أن يكتب ملحمة تاريخية , أم أن القصد من ذلك ،هو أن يقدم المؤلف حلاّ لأزمة الإنسان تشمل بعديها المتداخلين : البعد الأرضي والبعد الميتافيزيقي ؟ .
ـ لاشك أن محفوظ بهذا العمل الإبداعي الكبير الذي استعاد فيه قصة البشرية منذ الإنسان الأول ,كان طموحه أكبر من أن يكون مجرد فنان يعرض أحداث الماضي في قالب روائي ، وإنما أراد ما هو أبعد من ذلك ،أراد أن يتسم نتاجه الأدبي في هذه المرحلة كما قلنا ـ بنزوع نحو معالجة القضايا ذات الطابع الفلسفي ، كقضية العدل وعلاقة الدين بالعلم وقضية الحرية والصراع بين الخير والشر ومصير الإنسان بعد الموت ، لذلك لم يجد من وسيلة لبلوغ هذه الغاية إلا الاستنجاد بالتراث الديني والأسطوري ،ولكن هل نجح في جعل أبطال رواياته يلبسون جلابيب شخصيات ورموز الماضي ؟ هل نجح في جعل هؤلاء الأبطال ينطقون بالقضايا والمواقف التي يريد قولها ؟
إن المقدرة الكبيرة التي تميز بها محفوظ في الفصل الأول من الرواية والذي تناول فيه قصة أدهم وإدريس ونجاحه في تحويل الموروث الديني إلى مادة لتعميق الوعي الفني بقضايا الوجود الإنساني ،كجدلية الصراع المستمر بين الخير والشر ،والتلازم بين المعرفة والحرية , والفردوس المفقود الذي يرمز إلى حلم الخلاص البشري لا نكاد نلمس لها أثرا في الفصول التي خصصها لتناول وعرض قصص المصلحين الثلاثة جبل ورفاعة وقاسم ،فقد فشل المؤلف في أن يضفي على حياة هؤلاء المصلحين ، الأبعاد الدلالية العميقة الكامنة في نضال الأنبياء الذين يستلهم سيرهم من التراث الديني , فأين هي المبادئ الروحية السامية التي نادى بها مؤسسو الديانات الثلاث الأنبياء العظماء "موسى وعيسى ومحمد(ص)"وأين هو الطابع الروحي الذي تميز به كفاحهم ؟ألا يعتبر تجريد الدين من مضمونه الروحي عرضا لأشلاء لا حياة فيها ؟ألم يخفق محفوظ في الارتفاع بشخصيات جبل ورفاعة وقاسم ،إلى مستوى النماذج التي يحاكيها ؟ ألم تغد هذه الشخصيات بسبب النظرة الأحادية والاهتمام بالتفاصيل الشكلية ،صورا باهتة وفقيرة ، هي دون الحقيقة ثراء وغنى وصفاء ؟.
أقول إن المنهجية التي اتبعها المؤلف في صياغة شخصيات أبطال قصصه الثلاثة جبل ورفاعة وقاسم على ضوء الحركات الروحية الكبرى في تاريخ الإنسانية ، قد جرته إلى تفاصيل لا تنسجم ورؤيته الفلسفية ، فماذا لو استعدنا جميع المواقف والأحداث التي استعارها المؤلف من مصادر التراث الديني ، فأية أبعاد أو دلالات استطاع المؤلف أن يضفيها على شخصيات هؤلاء الأبطال ؟
أكيد أن محفوظ قد استعار الإطار العام للقصص الديني ,بعد أن جرده من مضامينه وأبعاده الميتافيزيقية ،ليملأه بما لديه من دلالات تمثل وجهة نظره الخاصة ,ولكن هل نجح في تحوير وإخضاع العناصر التي استعارها من القصص الديني لمقتضيات رؤيته الفنية ؟.
لنأخذ على سبيل المثال حادثة التقاط ابنة فرعون للنبي موسى ـ عليه السلام ـ عندما كان رضيعا من نهر النيل ، ولنقارنها بحادثة التقاط السيدة زوجة الناظر لجبل عندما كان طفلا عاريا يستحم في البركة . فالحادثة في القصة التوراتية عنصر مهم لا يمكن الاستغناء عنه لأنها تحتوي الدافع الذي من أجله أقدمت الأم على تسليم فلذة كبدها إلى مياه اليم , وهو خوفها على ابنها من بطش جنود فرعون بعدما أطلع الكهنة الملك على نبوءة تقول أن هلاك الفرعون سيكون على يدي رجل عبراني قد بزغ نجمه ، فأمر فرعون جنوده بقتل كل مولود ذكر يولد للعبرانيين , وقد صادف أن رزقت عائلة لاوي بمولود في هذه الأثناء . فالحادثة ـ كما نرى ـ تحتل موقعا أساسيا في سياق القصة التوراتية ،كما أنها غنية بالرموز والإيحاءات التي تولد في نفس القارئ إحساسا قويا ،بأن موسى ليس شخصا عاديا ،بل هو الشخص الذي اختارته المشيئة الإلهية ليكون ذلك البطل الديني القومي الذي يخلص شعب إسرائيل من اضطهاد وعبودية فرعون وهذا بخلاف قصة محفوظ فإن حادثة التقاط جبل من البركة ليس لها أي قيمة ولا تلعب أي دور في حياة البطل ,ولا تخدم القضية التي يحاول الكاتب طرحها ،قضية التغيير الاجتماعي ،فهي مجرد عنصر زائد عديم الدلالة وقابل لأن يحذف والكاتب لم يأت على ذكرها إلا لتوكيد التشابه بين بطله وبين النبي موسى لا أكثر .
أما إذا انتقلنا إلى الفصل الموالي فإن عيب التوازي المسطح الذي ألمحنا إليه سابقا بين شخصيتي جبل وموسى لايزال موجودا فالتطابق ووحدة الهوية بين شخصية رفاعة وشخصية المسيح يكاد يكون تاما الشيء الذي يجعل القارئ قادرا على توقع تطور مجرى الأحداث في القصة ،فكما أن يهوذا خان المسيح وقام بتسليمه إلى جلاديه كما يقول الإنجيل كذلك ،خانت ياسمينة زوجها رفاعة وقامت بتسليمه إلى الفتوة بيومي. من هنا يظهر جليا حجم المأزق الذي أوقع محفوظ نفسه فيه ,حينما اتخذ من القصص الديني إطارا للبناء الروائي ،فهو لم يقم بإضافة قصة رفاعة ،إلا لأنها توازي حلقة من التاريخ الديني لمنطقة الشرق العربي ،وليس لضرورة تتعلق بالرؤية الفنية أو بالتوجه الفلسفي للرواية .ويبقى القسم الخاص بالدعوة القاسمية هو الأكثر حيوية ـ في نظرناـ ودلالة على وجهة نظر المؤلف بالقياس إلى الفصلين السابقين ،لأن الإسلام منذ ظهوره في شبه الجزيرة العربية ،أعلن وقوفه إلى جانب الفئات الاجتماعية المستضعفة من العبيد والصعاليك والموالي والمهمشين ،وبالتالي فإن مطلب العدالة والمساواة الاجتماعية الذي يمثل الوجه الآخر لإشكالية محفوظ الفلسفية لم يكن بالنسبة لتاريخ الدعوة الإسلامية في حاجة إلى التأكيد كما هو الشأن في تاريخ الدعوة اليهودية أو المسيحية .وهذا هو السر الذي يفسر ـ في تصوري ـ نجاح المؤلف في الارتفاع بشخصية قاسم نسبيا عن شخصية جبل ورفاعة.
أخيرا وليس آخرا ،الجزء المتعلق بقصة عرفة الذي استعاد فيه محفوظ من جديد براعته الفنية في توظيف الرمز وإغناء المواقف والشخصيات بالأبعاد والدلالات العميقة، و ذلك بعد أن تحرر من عبء التقيد بالقصص الديني الذي كان يشل حركته خلال الفصول الماضية ،فعرفة هو الحل الوحيد الذي ارتآه محفوظ ـ كما قلناـ طريقا للخلاص النهائي من أزمة أولاد الحارة ،أي أزمة الإنسان الوجودية بحديها المتقابلين :الحد الاجتماعي والحد الميتافيزيقي، وقد نجح الكاتب في التعبير عن كلا الحدين من خلال إشارتين:
ـ الأولى: هي عواطف التي ترمز إلى الجانب الإنساني من شخصية عرفة التي شكل ارتباطه بها ،دافعا قويا يغذي رغبته الدفينة في مشاركة سكان الحارة همومهم وتطلعاتهم من أجل الحرية والحياة الكريمة.
ـ الثانية: حب المعرفة الذي جبل عليه البشر منذ بداية الخليقة إذ سيتجلى هذه المرة في شخص عرفة ولكن ليس في صورة انهزام للإنسان وطرده من نعيم الفردوس مثلما حدث مع أدهم ،بل في صورة انتصار للإرادة الإنسانية على المجهول الذي رمز له محفوظ بموت الجبلاوي .
ومن البديهي أن تحمل هاتان الإشارتان أكثر من دلالة ومعنى ،فزواج عرفة بعواطف هو الأسلوب الذي اختاره الفنان ليجسد فكرة الانتماء عند البطل ،إذ لابد من خيط يصل بين الفرد والمجتمع ،وليس هناك أقوى من عاطفة الحب كي تلعب دور الدافع النفسي الذي يجعل الشخص يضحي بنفسه من أجل راحة وإسعاد من يحب ،لذلك كانت عواطف هي المعادل الفني الذي يجسم هذا الجانب الوجداني من شخصية عرفة ،فقد هجرته عندما باع نفسه للناظر والفتوات وخان قضية المستضعفين من أهل الحارة الذين كان يناضل في سبيلهم ،ولكنها قبلت في الأخير أن تعود إليه وتواجه الموت بشجاعة نادرة ،لمّا أيقنت أن عرفة قد صحا ضميره وثاب إليه رشده وأقلع عن طريق الشر.
ويبقى السؤال عن الدلالات والمعاني التي حملها الإعلان عن موت الجبلاوي في الرواية ،هو ـ في نظري ـ لبّ القضية التي أثارت الجدل والسجال بين الباحثين والنقاد من المدارس الأيديولوجية المختلفة ،فهل قصد محفوظ الدلالة الحرفية للكلمة ،أم أن خلف هذا الإعلان تثوي دلالات ومعان مجازية ،يجب الكشف عنها وتسليط الضوء عليها ؟.
إن الطريقة الفنية التي صاغ بها الكاتب هذه القضية، تجعلنا نستنتج أن ما قصد محفوظ قوله ليس هو موت الإله أو اختفاء الدين من حياة الناس بشكل مطلق ونهائي ،فهذا كلام لا معنى له ولا يصدر عن دارس للفلسفة كنجيب محفوظ يعلم أن نزعة التدين لدى الإنسان لا يمكن أن تزول أو تختفي ،وأن الذي يتجدد عبر الزمان والمكان هو الأشكال والمواقف التي تتجلى فيها هذه النزعة .وإنما الذي قصد محفوظ أن يقوله هو أن هناك أنماط من الفهم والتدين تموت لتحل محلها أنماط جديدة أكثر انفتاحا واستجابة لمتطلبات التغيير .ولهذا السبب رأينا المؤلف يجعل البطل يعيش تحت دوامة الإحساس بالذنب ،عندما أشيع في الحارة نبأ وفاة الجبلاوي ،ثم يلتقي بعد ذلك بالخادمة التي أخبرته أنه لم يقتل الجبلاوي وما كان بوسع أحد أن يقتله وأن هذا الأخير مات وهو راض عنه ،وأن الذي قتل هو الخادم الأسود تعيس المنظر(4) ،فهذه الصورة المعبرة التي رسمها الروائي للخادم هي تجسيد فني بارع للجانب المظلم من التدين في حياة المجتمع ، الذي حوّل الدين إلى جدار ميتافيزيقي للخنوع والتواكل والتسليم ،واختزل مبادئه وتعاليمه في مجرد أساطير وحكايات خرافية عن الكرامات والأولياء والمعجزات ،وإذن فالموت الذي عناه محفوظ هو موت هذه الذكريات والحكايات التي ظل سكان الحارة يتناقلونها عن طريق الشعراء واصحاب الرباب جيلا بعد جيل ولم يستفيدوا منها شيئا في حياتهم مثلما كان يقول عرفة ،أما جوهر الدعوة التي حملتها رسائل الجبلاوي إلى أهل الحارة بواسطة جبل ورفاعة وقاسم فهي في نظر محفوظ خالدة لا تموت ،لأنها متجددة ومستمرة في روح الدعوة التي حملتها رسالة العلم التي جاء بها عرفة ،لذلك وجدنا البطل دائم الشوق والحنين لإعادة الحياة للجبلاوي (5) وكأنما أراد الكاتب أن يقول إن العلم والدين توأم لا يختلفان ولا يتصارعان ،لأنهما من مشكاة واحدة ،هي روح الله الخالدة .
وبالرغم من المصير المفجع الذي انتهى إليه عرفة ،فإن إيمان الكاتب بقدرة العلم على تحقيق ما يصبو إليه الإنسان من رفاهية وسعادة حمله في ختام الرواية على أن يبقي باب الأمل مفتوحا أمام أهل الحارة الذين تهفو أنفسهم إلى الحرية والعدالة والكرامة.
فالكراسة التي أودع فيها عرفة أسرار علمه ،قد وقعت أخيرا بيد حنش صديق عرفة ورفيق دربه ،الذي يعرف كيف سيحول أسرارها ورموزها إلى سلاح فتاك يهزم به الناظر ورجاله ،حيث أشيع أن حنش سيتم ما بدأه عرفة ثم يعود إلى الحارة لينتقم من الناظر شر انتقام ،فعلت في سماء الحارة سحابة من الأمل والتفاؤل بددت ما علق بالقلوب من غشاوة اليأس والقنوط ،حتى بات الناس مقتنعين ألا أمل لهم في الخلاص إلا بالسحر الذي تركه عرفة و لم يعد يجدي ما أوعز الناظر به لشعراء المقاهي أن يتغنوا بذكريات وأمجاد الماضي ،فقد تلقى الناس كل ذلك بالسخرية والاستهزاء ،بل بلغ بهم العناد أن قالوا:" لا شأن لنا بالماضي ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر"(6).وحدث أن أخذ بعض شباب الحارة يختفون عن الأعين ويلتحقون بحنش في الخلاء ،فاستولى الخوف على الناظر والفتوات ،فأخذوا يبثون الجواسيس في كل مكان حتى سيطرعلى الحارة جو قاتم من الفزع والرعب ،لكن الناس كما يقول الكاتب:"تحملوا البغي في جلد ،و لاذوا بالصبر واستمسكوا بالأمل وكانوا كلما أضر بهم العسف قالوا لابد للظلم من آخر ولابد لليل من نهار ،ولَنَرَيَنَّ في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب"(7).
بهذه الكلمات المتفائلة ،اختار محفوظ أن يختم رواية أولاد حارتنا ،وما هذه الرواية كما أسلفنا إلا قصة البشرية منذ الإنسان الأول إلى عصر العلم الحديث قدمها محفوظ في قالب فني ،بعد أن ضمنه الكثير من آرائه ومواقفه الفلسفية والأيديولوجية ، فهل نجح المؤلف أخيرا في أن يفك خيوط الاشتباك في معادلة الصراع بين الدين والعلم؟
إن النجاح الذي أحرزته رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ ,لا يجب ان يقاس في نظري بمدى ما أثارته الرواية من قضايا أو عبرت عنه من أفكار ،بل في قدرة صاحبها على نقل وتحويل إشكالية العلاقة بين الدين والعلم من معادلة عقلية لا يمكن معالجتها إلا في مخبر الفلسفة والعلوم الإنسانية ،إلى تجربة حية تعيش في النفس البشرية ،وهنا بالضبط مكمن السر في قوة هذا النص الإبداعي وتفرده.
هوامش البحث:
(*) –abdelmadjidbouguerba66@gmail.com
1 ـ إشارة إلى ما ذكره نصر حامد أبو زيد نقلا عن عبد المحسن طه بدر في كتابه " نجيب محفوظ الرؤية والأداة "بخصوص تضارب التأويلات التي تعرض لها أدب نجيب محفوظ على يد النقاد بسبب اختلاف منطلقاتهم الفكرية والأيديولوجية ،انظر نصر حامد أبو زيد :"إشكاليات القراءة وآليات التأويل المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ لبنان ـ الدار البيضاء ـ المغرب ط5 عام 1999 ص16 .
2 ـ الناقد هو غالي شكري .
3ـ غالي شكري :المنتمي دراسة في أدب نجيب محفوظ ـ منشورات دار الأفاق الجديدة ـ بيروت ـ لبنان ـط3ـ عام 1982 ص246 .
4ـ نجيب محفوظ رواية أولاد حارتنا ـ دار الآداب ـ بيروت لبنان ـ ط4 ـ عام 1978ـ ص499 وأيضا الصفحات من 536 إلى 539 .
5ـ نجيب محفوظ أولاد حارتنا ـ ص542 .
6ـ نجيب محفوظ ،المصدر نفسه ص551 .
7ـ المصدر نفسه ص 552 .





نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 13 جمادى الأول 1441هـ الموافق لـ : 2020-01-08



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

نهر الطفولة

زبير دردوخ
مواضيع سابقة
مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {111} مُعَلَّقَةُ جُنُونِ الْكُورُونَا
بقلم : شاعر العالم محسن عبد ربه
مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {111} مُعَلَّقَةُ جُنُونِ الْكُورُونَا


أسئلة الزمن الموبوء
الدكتور : بومدين جلالي
أسئلة الزمن الموبوء


رباعيات ( كورونا )
شعر : محمد محمد علي جنيدي
رباعيات ( كورونا )


مؤانسة فكرية مع المبدعة الخنشلية ( رانيا ربيعي ).
بقلم : حاورها : البشير بوكثير
مؤانسة فكرية مع المبدعة الخنشلية ( رانيا ربيعي ).


الرياضة في مواجهة فيروس كورونا المخيف.... وعي ومشاركة في العمل التطوعي و الخيري
بقلم : الأستاذ المستشار :نعمان عبد الغني -
الرياضة في مواجهة فيروس كورونا المخيف.... وعي ومشاركة في العمل التطوعي و الخيري


هرب من كرونا فمات بغيره..
بقلم : الكاتب . سعدي صباح
هرب من كرونا فمات بغيره..


أحمد بن الونّان التواتي...وقصة الشمقمقية.
بقلم : محمد بسكر
أحمد بن الونّان التواتي...وقصة الشمقمقية.


الام مفتاح السعادة
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
الام مفتاح السعادة


الناقد "اعمر سطايحي " متابعة نقدية في ديوان"فسيفساء من الهايكو الجزائري
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
        الناقد


سمرائـي في دارها مغتربة
بقلم : الأستاذ/ ابراهيم تايحي
سمرائـي في  دارها  مغتربة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com