أصوات الشمال
الاثنين 23 جمادى الثاني 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  أقذر من "جحا"!!!   * أعوان الأمن بشركة سوناطراك ...متى التوظيف بعقود دائمة؟؟   * صدور عدد شباط من " الإصلاح " الثقافية    * حكايات الميترو    * كعكة اللّص صاحب ربطة العنق ! قصة قصيرة جدا.   * صفقة القرن وتلافيف متاهة جزيرة " كريت "   * إلى عاشق فلسطين   * فكر الكابالا والخيال اليهودي في مسرحية ديبوك   * كلية الآداب بجامعة عنابة تحتفي باللِّسانيات واللُّغة العربية في ندوة علمية   *  صابرحجازي يحاور الكاتب والشاعر التونسي خالد الكبير   * فرع عنابة لاتحاد الكتاب يحتفي بالشاعر العصامي الطاهر خشانة    * تضامن شعبوي واسع مع السردوك (الديك)!   * لِسِحْرِ عَيْنَيْك .. !!   * مبغى القذر   * عدالة   * المجموعة القصصية " القمر يغادر باكرا " عمل جاهز للطبع ورواية جديدة قيد الكتابة //حوار ل خيرة مستور    *  صفقة لزمن الانفلات   * قصة قصيرة جدا / تدارك   * من تاريخ الاحتجاج في الإسلام أبو العلاء المعري    * آليات البوح المسكون بالاغتراب الروحي    أرسل مشاركتك
الإعلام وقضايا التنمية.
بقلم : الدكتور بوعزيز زهير
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 173 مرة ]

تلعب وسائل الإعلام اليوم أدوارا بارزة في حياة الأفراد والمجتمعات ، إذ يطلب منها تسليط الضوء على معوقات التنمية وسبل تخطيها من خلال تقديم الخطط والبرامج ونشر المعرفة وشرحها، بما يخلق الرأي العام الواعي المساعد على تنمية المجتمع وتحقيق رفاهيته،ومعالجة المشاكل الناجمة عن سوء استخدام الطاقة والموارد البشرية والمادية على حد سواء.

ومفهوم الوعي هنا يكون ثنائي الاتجاه،وذو تأثير متبادل، فالإعلام الواعي المدرك حقيقة لمعطيات المجتمع واهتماماته وتطلعاته، لا يمكنه أن يسمح لنفسه بالخروج عن هدا السياق،بل ويبني سياسته التحريرية وفقه وجوبا،ويخلق لدى قرائه نوعا من الايجابية المطلوبة.وبالمقابل فإن الرأي العام الواعي الحريص على الوصول إلى الجيد والأجود، لا يسمح لنفسه بالتعرض للأفكار السطحية الجوفاء، التي لا تشبع شغفه وجوعه الفكري،وبذلك فهو يفرض على الإعلام الارتقاء بطرحه في ما يعالجه من قضايا،وبالتالي التقيد بمستوى معين من الوعي.
إن الانطلاق مما سبق ذكره والاعتماد عليه من شأنه تحريك دواليب التنمية، الأمر الذي سيمكن من تحسين المستوى المعيشي،وتحقيق نمو اقتصادي يعتمد عليه خارج قطاع المحروقات،إضافة إلى حماية البيئة تماشيا ومتطلبات تنمية مستدامة، مؤطرة للواجبات، وضامنة للحقوق في إطار العدل والمساواة.
وهذه الورقة تحاول التركيز على الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام للمضي قدما نحو تحقيق التنمية ،من خلال التعرض للنقاط التالية:
أولا_التنمية:المفهوم والنشأة
1-تعريف التنمية:
من المهم أن نشير هنا إلى أنه على غرار المفاهيم المختلفة الموجودة في الحقل الإنساني والاجتماعي ،فإن مفهوم التنمية هو الآخر يعرف اختلافات كبيرة بين العلماء والباحثين الأمر الذي يجعل من الصعوبة بما كان الوصول إلى تعريف شامل جامع للتنمية ،وهذا ما يجعلها عملية غاية في الصعوبة والتعقيد.
وقصد الإحاطة بمختلف المعاني التي احتوتها عديد التعاريف المتعلقة بالتنمية ، نورد منها مايلي:
في بادئ الأمر وجب الإشارة إلى الاختلاف الموجود لكلمة التنمية بين اللغتين العربية والإنجليزية ، "حيث يشتق لفظ "النمو" من نما ينمو نماءا ،وهو يعني الزيادة ومنه ينمو نموا وإذا كان لفظ النمو أقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح ، فإن إطلاق هذا اللفظ على المفهوم الأوروبي يشوه اللفظ العربي.فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالا بعد حال من نفسه ،لا بالإضافة إليه. وطبقا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعد مطابقا للمفهوم الإنجليزي (Development) الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي(الخارجي غالبا) وليس وفق رؤية أفراد المجتمع وثقافتهم ومصالحهم الوطنية بالضرورة"(1).
ويرى خالد الحسنات في هذا الصدد:" فعلى سبيل المثال تعالج ظاهرة النمو (في المفهوم العربي الإسلامي) كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده ، وكذلك نجد مفهوم "الزكاة "الذي يعني لغة واصطلاحا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة ، وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه ماديا بمعايير الاقتصاد ،في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالى ، وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾(2).
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر
الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا "الحياة الطيبة " في الدنيا ، بينما يركز مفهوم Development على
البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها ، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي ، بصرف النظر عن أي غاية إنسانية ، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرا للبيئة ولنسيج المجتمع ، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب"(3).
ونحو المعاني المذكورة ،وردت العشرات بل المئات من التعريفات للتنمية نذكر منها ما يلي:
"-تعريف مكتب المستعمرات البريطانية 1948م: التنمية هي حركة غرضها تحسين الأحوال
المعيشية للمجتمع في جملته على أساس المشاركة الإيجابية لهذا المجتمع وبناءا على مبادرة المجتمع بقدر الإمكان ،وفي حالة عدم ظهور هذه المبادرة بصفة تلقائية ينبغي الاستعانة بوسائل منهجية لبعثها واستثارتها بطريقة تصمن استجابة فعالة لهذه الحركة.
-تعريف هيئة الأمم المتحدة 1955م: التنمية هي العملية المرسومة لتقدم المجتمع جميعه اجتماعيا
و اقتصاديا ، وتعتمد بقدر الإمكان على مبادرة المجتمع المحلي وإشراكه.
-التعريف الحديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي: يتسع مفهوم التنمية لأبعاد ثلاثة هي:
1-تكوين القدرات البشرية ، مثل تحسين الصحة وتطوير المعرفة والمهارات؛
2-استخدام البشر لهذه القدرات في الاستمتاع ، أو الإنتاج-سلعا أو خدمات- ،أو المساهمة الفاعلة في النشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسية؛
3-مستوى الرفاه البشري المحقق ،في إطار ثراء المفهوم المبين"(4).
"وكما أجمعت عليها الأدبيات الإنسانية ، وكما حددها فريق التنمية العربية الإنسانية ، الذي اصدر حتى الآن تقريرين حول التنمية فان تعريف التنمية له شقان:
1-خلق فرص حياة أفضل ، بالمعنى العام ،للأجيال القادمة.
2-دراسة علمية للإمكانيات المجتمعية ، وتوظيفها التوظيف الأفضل للصالح العام.
أما التعريف الذي تبناه تقرير التنمية العربية فيقول (إن للبشر، لمجرد كونهم بشرا ، حقا أصيلا في العيش الكريم ،ماديا ومعنويا ،جسدا ونفسا وروحا ، وبهذا فإن عملية التنمية تنشد توسيع خيارات البشر بما يمكنهم من تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى ، وهي الحرية ، العدالة والكرامة الإنسانية بالرفاه الإنساني.
وليس في تلك المطالب جديد ، وربما تختصر بكلمتين اثنتين ، العدالة والمساواة.(العدالة) هي مفهوم تراثي عربي، فـ(العدل أساس الملك)أما المساواة فهي كلمة حديثة ناتجة عن الدساتير والممارسات الغربية ، ونجد لها صدى لا يغيب عن العقل السليم في الأديان السماوية.
محطة التنمية الأخيرة هي الوصول إلى (حالة الرفاه) في المجتمع ، ولا يقتصر مفهوم(الرفاه) على التنعم المادي ، بل يشمل الجوانب الإنسانية الكريمة مثل التمتع بالحرية واكتساب المعرفة ، وتحقيق الذات ، ولا يتأتى ذلك إلا بالمشاركة الفعالة في الاجتماع البشري"(5).
أما التنمية عند محي الدين صابر فهي :"مفهوم حديث لأسلوب العمل الاجتماعي والاقتصادي في مناطق محددة يقوم على أسس و قواعد من العلوم الاجتماعية والاقتصادية ، وهذا الأسلوب يقوم على إحداث تغيير حضاري في طريقة التفكير والعمل والحياة عن طريقة إثارة وعي البيئة المحلية وأن يكون ذلك الوعي قائما على أساس المشاركة في التفكير و الإعداد والتنفيذ من جانب أعضاء البيئة المحلية جميعا في كل المستويات عمليا وإداريا"(6).
والجذ ير بالذكر هنا أنه يجب أن ننوه أو نشير إلى أن التنمية تختلف عن النمو،ذلك أن الأول يقتصر
في الغالب عند معظم المنظرين على النمو الاقتصادي: "بمعنى الزيادة السنوية في الناتج"(7).
أما التنمية :"فبالإضافة إلى ارتفاع معدلات النمو،وفق الاعتبار السابق ، فإنه يجب مراعاة البعد الاقتصادي الكلي ، ومراعاة البعد الاجتماعي. ويقصد بالبعد الاقتصادي الكلي مراعاة تنويع هيكل الناتج ، بمعنى تحقيق التوازن بين القطاعات الاقتصادية المختلفة ، دون تعارض مع اتخاذ قطاع معين كقطاع قائد أو رائد للنمو على المستوى الكلي(كقطاع النفط والغاز الطبيعي في دول الخليج مثلا ،بما في ذلك صناعات التكرير والمنتجات البيتروكيماوية ، والصناعات المعتمدة على الغاز كمادة أولية ومصدر للطاقة). أما البعد الاجتماعي فيتحقق من خلال عدة قنوات في مقدمتها:الربط بين الأجور والأسعار والإنتاجية ، وتكافؤ الفرص في اكتساب قدرات "رأس المال المعرفي و المهاري"، وتوسيع قاعدة التشغيل خاصة من "الجيل الجديد"المؤهل ،والتوزيع المنصف للأصول الإنتاجية. من خلال البعد الاقتصادي الكلي
على النحو السابق ، يتحقق ما يسميه الاقتصاديون(التحول الهيكلي). ومن خلال البعد الاجتماعي ، يتحقق رفع مستويات المعيشة الاجتماعية. فإذا اجتمع هذان البعدان فإن المحصلة هي تحول النمو إلى عملية(تنمية)-تنمية اقتصادية اجتماعية"(8).
إذا وبناءا على ما تقدم يمكن تقديم التنمية في المعادلة التالية:
التنمية =البعد الاقتصادي الكلي+البعد الاجتماعي

2-تطور مفهوم التنمية:
لقد شغل مفهوم التنمية العقول ،وأدى إلى ظهور العديد من الآراء خلفت الكثير من الذهول ،وسط الإقبال المتزايد عليه من جهة ،ومن جهة أخرى الغموض الذي يحمله المفهوم في حد ذاته الأمر الذي جعل كثيرا من الباحثين يصفه بأنه وبالرغم من معنى "النمو" الذي يتضمنه ، فإنه ولد ناقص النمو.
"ففي البدء كانت التنمية كلفظ ومفردة تعبر عن عملية اقتصادية مادية في أساسها تتم على مستوى البنى الاقتصادية والتكنولوجية وتطوير الوسائل المعيشية ،و توفيرها ما يسد حاجات الإنسان المادية الأساسية ...
وجاءت المرحلة الثانية من تطور هذا المفهوم وهي المرحلة التي أضيف فيها إلى مفهوم التنمية مفهوم
الشمول ، فأصبح هناك ما يعرف بالتنمية الشاملة ، كأن معنى لفظة التنمية بدون إضافة الشاملة لم يكن يدل على الشمول ، وكان يقصد بمفهوم التنمية الشاملة تلك العملية التي تشمل جميع أبعاد حياة الإنسان والمجتمع وتغطي مختلف المجالات و التخصصات ، وتتقاطع مع مجمل العلوم الاجتماعية ، وعلى الرغم من ظهور مفهوم التنمية الشاملة فإن الدلالة الأولى لمفهوم التنمية بقيت أسيرة الأبعاد الاقتصادية والمادية لعملية تطوير المجتمعات وترقيتها ،فالتعليم يقاس بالبنية المادية وليس بالتنشئة الاجتماعية ومضمونها الثقافي والأخلاقي ، والاقتصاد يقاس بسوق العمل والتنافسية والاستثمار الأمثل للموارد المتاحة وليس بمعايير عدالة التوزيع وتطوير وزيادة القدرات والموارد في علاقة ندية مع السوق العالمي"(9).
"وإذا كان مفهوم التنمية" الشاملة " قد استطاع تجاوز القصور الموضوعي لمفهوم التنمية في صياغته الأولى ، فإنه لم يستطع تجاوز القصور الجغرافي والإستراتيجي للمفهوم ، إذ ظل مفهوم التنمية يحمل دلالات تبعية نموذج التنمية في العالم الثالث للنموذج الحداثي الصناعي الغربي ، ويحمل أيضا أحكاما قيمية تقضي بدنو وتواضع باقي الثقافات والحضارات أمام الحضارة المهيمنة في رؤاها للاقتصاد والإدارة ...لذا ظل مفهوم التنمية –حتى وإن زاد عليه وصف "الشاملة"- يتسم بالشمول ويرسخ تقسيم العالم إلى مركز وهامش...وهنا ظهر مفهوم التنمية"المستقلة" ليحاول فك الارتباط مع الخارج ويدفع عملية التنمية للتركيز على الداخل بكل صوره وأبعاده ، وليعيد التذكير بتصادم المصالح أو تعارضها أو اختلافها بين المركز والهامش أو بين المتقدم والمتخلف ، وليؤكد على الأبعاد الذاتية للتنمية ، وليتجاوز إشكالية القصور الجغرافي لمفهوم التنمية السابق سواء في صورته الأولى أو بعد أن أضيفت إليه "الشاملة"
، فيقيم التوازن بين شبكات متعارضة من المصالح يمكن محورتها حول "الذات" بكل أبعادها ودلالاتها ومعانيها و"الآخر" بكل أشكاله وبكل ممثليه المندرجين في أطره المصلحية.
وعلى الرغم من أن مفهوم التنمية المستقلة الذي يمكن اعتباره "الجيل الثالث "لمفهوم التنمية المولود ناقص النمو مشوه البنية ، فإن هذا الإصدار الثالث لم يفلح في أن يكون الأخير...وهنا برز مفهوم آخر (رابع ) للتنمية هو آخر صيحاتها الآن ، وهو مفهوم التنمية "المستدامة" ،(وكأن التنمية في معانيها السابقة لم تكن كذلك) ليبين كيف غاب عن التنمية في أطوارها المختلفة دلالات وأبعاد مفهوم التاريخ والزمن لغلبة الفكر الحداثي لعصر التنوير على فلسفة العلوم الاجتماعية برمتها وتقديم الآني والعاجل على من عداه لتحقيق أكبر منفعة ممكنة بالمعيار الاقتصادي المادي ، مثلما غابت عنها مفاهيم العدل في الإنتاج والتوازن في الاستهلاك والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة والبعد الأخلاقي في هذا التصور،وهو ما يتطلب الوقوف عند حدود معينة في التعامل مع الموارد الطبيعية وتوظيفها"(10).

ثانيا-تطور النظرة لدور وسائل الإعلام الجماهيرية في التنمية :
يجمع المهتمون بموضع التنمية وخاصة فيما يتعلق بتنمية الدول المتخلفة عن الركب ، أن الحديث عن ذلك بدأ بعيد الحرب العالمية الثانية مباشرة ، غير أن الاهتمام بدور وسائل الإعلام في ذلك تأخر بسنوات عديدة ، وأدمج هذا الدور بداية من أواخر الأربعينات من القرن الماضي ، ومر بمراحل مختلفة نوجزها في الثلاث مراحل التالي ذكرها:
1-مرحلة الإهمال:
"استغرقت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الخمسينات أهملت فعالية وسائل الاتصال الجماهيرية في التنمية فلم تطرح جوانب الاتصال المختلفة ضمن نماذج التغير الاجتماعي حتى أواخر الخمسينات... حيث كانت النظريات الاقتصادية تؤكد على تراكم المال والنمو والاستثمارات والادخار كمداخل للتنمية ، وتناولت النظريات السياسية عوامل السلطة والعلاقة بين الفئات الاجتماعية المختلفة والتنمية والقيادة في المجتمع ، في حين ركزت النظريات النفسية حول حاجة الفرد إلى التغير وتبني الاتجاهات والقيم الجديدة الملائمة للتنمية(11).
2-مرحلة المبالغة:
تبدأ من السنوات الأولى لستينات القرن الماضي حيث :"عدت التنمية القومية نموا سريعا في الإنتاجية الاقتصادية ودور وسائل الاتصال الجماهيرية فيما هو تعبئة الموارد البشرية ، و ذلك من خلال إحلال قيم وسلوكيات جديدة محل القيم والاتجاهات والسلوكيات القديمة بهدف زيادة الإنتاجية... في العام 1964 نشر "شرام" مؤلفه "وسائل الاتصال والتنمية القومية" والذي أعده بناءا على طلب اليونسكو، وقد أكد فيه الحاجة الماسة للدول النامية إلى حشد جميع طاقاتها الإنسانية ، وأنها لا تعرف إلا القليل عما يدور خارج القرية ، فهي لا تعرف إلا قدرا بسيطا من العلوم والزراعة الحديثة و جهود التنمية الاقتصادية والمسؤوليات
القومية...ولذلك يجب على هذه الدول أن تعمل على تشريع تدفق المعلومات وتوفير التعليم في المناطق التي لم يتوفر فيها من قبل..وتعليم القراءة والكتابة والمهارات الفنية التي يمكن من خلالها إعداد وحفز الجمهور لجهود التنمية كما يعد الاستخدام الأمثل لوسائل الاتصال الجماهيرية السبيل الوحيد لتحقيق التنمية وفقا للجداول الزمنية المحددة. ويتوقف مدى فاعلية هذه الوسائل على كيفية استخدامها. فوسائل الاتصال الجماهيري ليست مهمة فقط لإحداث التنمية وإنما عامل أساس لتحقيق التحول في المجتمعات التقليدية"(12).
3-مرحلة التوازن:
تجسدت مرحلة التوازن لما أجمعت العديد من الدراسات على أن دور وسائل الاتصال في التنمية دور مفصلي ومحوري لا يمكن الاستغناء عنه للمجتمعات التي تريد اللحاق بالركب ، نظرا لحاجاتها الماسة للمعلومات في مرحلة أولى ،وفي الثانية لكيفية إدارة وتسيير هذه المعلومات واستغلالها الاستغلال الأمثل(Information Management) هذا من جانب ، ومن جانب آخر يجب كذلك أن لا نهمل خصوصية المجتمعات "فطبيعة ووظائف وسائل الاتصال الجماهيرية قي كل من المجتمعات النامية والمتقدمة ليست واحدة فهناك اختلافات عديدة وضعت موضع الفحص والمراجعة بواسطة العديد من الباحثين..."(13) .
ثانيا-نظريات الإعلام التنموي:
نظرا للاهتمام المتزايد الذي أصبح يحظى به الإعلام في التنمية ،حيث صار شريكا أساسيا لها على
جميع المستويات ،نادى العلماء والباحثون بتخصص أعلامي جديد أسموه "الإعلام التنموي" ،فتعددت التعريفات ،"فمنهم من يرى بأنه المنظومة الإعلامية الرئيسية أو الفرعية المتخصصة في معالجة قضايا التنمية.بينما يعرفه آخرون بقولهم الإعلام التنموي فرع أساسي ومهم من فروع النشاط الإعلامي يعمل على إحداث التحول الاجتماعي بهدف التطوير والتحديث ،أو بمعنى آخر هو العملية التي يمكن من خلالها توجيه أجهزة الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري بما يتفق مع أهداف الحركة التنموية ومصلحة المجتمع العليا")14).
ومهما يكن فإن في التعريفين السابقين وغيرهما من التعريفات التي لم يتسنى عرضها كل الدلالة على المكانة المهمة التي أصبحت تعطى لوسائل الإعلام في عملية التنمية .تقول رندة فؤاد:
" إن دور الإعلام التنموي في خلق الوعي يرتكز أساسا على :

المستوى الفردي: عن طريق تغيير نمط السلوك الفردي وتطبيع عاداته تجاه المجتمع.
المستوى الاجتماعي: من خلال التأثير على صانعي السياسات ومخاطبتهم مع إبراز قضايا التنمية ومشاكلها والبحث عن الحلول المناسبة لها"(15).
وهذا ليس وليد الفراغ أو بمحض الصدفة ،إنما هو نتيجة أبحاث كثيرة أجريت في الميدان ،وكان من نتائجها:
1-نظرية دانيال ليرنر:نموذج التحديث:
"قام (دانيال ليرنر)بأبحاث كثيرة في منطقة الشرق الأوسط التي تضم فئتين عريضتين من الناس:الأولى هي الفئة العصرية والثانية هي الفئة التقليدية ،ومن المعروف أن المناطق الريفية لم تتأثر بقوى التحديث والتغير الاجتماعي ،فظلت تقليدية إلى حد كبير ،بينما اكتسبت المراكز الحضرية طابعا حديثا في مجالات مختلفة ،وهذا يعني أن فعالية التغير الاجتماعي في المناطق الريفية يعترضها جمود التنظيم الاجتماعي الريفي من عادات وتقاليد راسخة ،وعدم ثقة الريفيين في الهيئات الحكومية وتفشي المرض والفقر...الخ.على حين يشكل سكان المناطق الحضرية الذين يتولون أداء المهام الفنية العليا في مختلف القطاعات العسكرية والإدارية والصناعية والتعليمية جماعات عصرية بالنسبة لأقرانهم في الريف ،كما أنهم يقومون بدور هام في الإسراع بالتغير الاجتماعي"(16).
" وينطلق نموذج التحديث طبقا لمنطلقات ليرنر من ثلاثة عناصر أساسية على النحو الآتي:
(أ) الشخصية والحركية:
استخدم ليرنر اصطلاح التقمص الوجداني(Empathy) ليشير إلى عمليات التغيير التي يتعرض لها الإنسان في سياق عملية التحديث والتي تتمثل في الحركية الاجتماعية والحركة النفسية ،وينظر إلى التقمص الوجداني باعتباره آلية داخلية تمكن الأشخاص الحركيين الجدد ليعملوا بكفاءة في عالم متغير ،وتبسيطا لمفهوم التقمص الوجداني يقول "إنه يمثل مقدرة الإنسان ليرى نفسه في مواقف الآخرين"(17).
(ب) وسائل الاتصال كمفاعل للتحريك:
يرى ليرنر أن وسائل الاتصال تعمل باعتبارها مفاعلة ومعززة للتحريك المادي والنفسي ،ويقول في هذا الصدد: "إن الاتساع في الحركة النفسية يعني أن أفرادا كثيرين الآن يتمتعون بمهارات عالية في تصور أنفسهم كأشخاص غرباء في مواقف وأوقات وأمكنة أكثر غرابة من الأشخاص الذين عاشوا في أي حقب تاريخية سالفة .وفي هذا العصر فإن انتشار التقمص الوجداني حول العالم أخذ بالاتساع المتسارع ،وأن التزايد المبكر في الخبرة المادية عن طريق المواصلات قد تضاعف بانتشار الخبرة الوسطية بواسطة الاتصال الجماهيري.
ويوضح ليرنر هذه الفرضية مشيرا إلى أن وسائل الاتصال قد فتحت أمام الأفراد عالما لا نهائيا ،لأن ملايين أكثر من الأشخاص صاروا يتأثرون بصورة مباشرة وربما بصورة أكثر عمقا بوسائل الاتصال من تأثرهم بوسائل المواصلات ،ولذا فإن وسائل الاتصال بتبسيطها التصورات وتعقيدها للأفعال أصبحت معلما عظيما للتحكم الداخلي(18).
(ج) نظام التحديث:
" ويشير ليرنر إلى أن وسائل الاتصال قد نشرت الحركية النفسية بكفاءة بالغة بين الأفراد الذين حققوا بمقياس ما الشروط المسبقة للحركة الاجتماعية والجغرافية ،وإن عكس هذه الفرضية صحيح تماما حيث أنه لا يوجد مجتمع حديث يعمل بكفاءة بدون نظام متطور لوسائل الاتصال الجماهيري...
وقد ميز ليرنر بين نظاميين تاريخيين للاتصال: النظام التقليدي أو المواجهي ،والنظام الحديث للاتصال ،وألمح إلى أن النظامين يوجدان في جميع الأقطار بصرف النظر عن القارة أو الثقافة أوالعرف... ويشمل نظام التحديث طبقا للباحث ليرنر على عدة أطوار أساسية من التحضر،والتعلم، و
انتشار وسائل الاتصال ،والمشاركة في الاتصال ،ويؤكد أن تزايد التحضر يميل لمضاعفة الزيادة في القراءة والكتابة والمشاركة في الاتصال ، ويعمل التعليم كعامل هام في الانتقال إلى مجتمع مشارك كامل ،وعندما يتأهب الأفراد ليقوموا بأعباء خبراتهم الجديدة في التحديث والتعليم الذي تنقله وسائل الاتصال سوف ترفع درجات المشاركة في جميع قطاعات النظام الاجتماعي(19).
2-نظرية ولبر شرام: ويعد الباحث ولبر شرام من الإعلاميين الذين بلوروا نظرية التحديث في مؤلفه الواسع الانتشار: وسائل الإعلام والتنمية الوطنية ،الذي نشر عام 1964 ،حيث ينظر شرام إلى وسائل
الاتصال الجماهيري في خدمة التنمية الوطنية باعتبارها "وكلاء للتغيير الاجتماعي"،وهذا النوع من التغيير الذي ينتظر منها أن تعاون على تحقيقه هو الانتقال إلى عادات وممارسات جديدة ،وفي بعض الأحيان
إلى علاقات اجتماعية مختلفة ،فلا بد أن يكمن وراء مثل هذه التغيرات في السلوك تغيرات في المواقف والمعتقدات والمهارات والأوضاع الاجتماعية"(20).
"وحدد شرام ثلاث مهام أو وظائف تستطيع أن تؤديها أو تعاون فيها وسائل الاتصال:
الوظيفة الأولى: هي وظيفة الإعلام ،وهذه الوظيفة تستطيع أن تؤديها وسائل الاتصال أداءا مباشرا وقديرا
،وتتمثل هذه الوظيفة فيما يلي:
(أ)تستطيع وسائل الاتصال الجماهيري أن توسع الآفاق ،فالذين يعشون في مجتمع تقليدي يرون كما يقول شرام وصفة "سحرية" في وسائل الاتصال الجماهيرية لأنها تستطيع أن تأخذ الإنسان إلى مكان أعلى مما يمكنه أن يرى عند الأفق ثم تجعله ينظر فيما وراءه.
(ب)كما إن وسائل الاتصال الجماهيري تستطيع أن تركز انتباه المتلقين على الأحداث المهمة و الأشخاص ذوي الأهمية ،ولعل المغزى الكامن في هذه الوظيفة عند شرام أن انتباه الجمهور يمكن أن يظل مركزا على التنمية: "إذ يمكن أن يوجه الاهتمام من حين لحين إلى عادة جديدة أو سلوك جديد أو
طريقة زراعية أو صحية جديدة أو إلى سلوك يؤدي إلى التحول العصري أو إلى شيء يتطلب التغيير الاجتماعي.
(ج)وتستطيع وسائل الاتصال أن ترفع تطلعات الجماهير عاليا لأن الدول النامية في أمس الحاجة لإيقاظ شعوبها من القدرية والتفكير الخرافي إلى شحذ العزائم على الصعيدين الشخصي والقومي .ونبه شرام الأذهان إلى مخاطر رفع التطلعات إذا لم يتم تحقيق الأماني التي يمكن أن تتحول إلى سخط وتذمر.
الوظيفة الثانية:هي وظيفة اتخاذ القرارات ،التي يمكن لوسائل الاتصال أن تعاون فقط بطريق غير مباشر على أدائها ،ذلك أن هذه الوظيفة تتصل بتغيير الاتجاهات الراسخة ، ،وألمح شرام إلى أن وسائل الاتصال الجماهيري تستطيع أن تساعد بطريق غير مباشر في تحقيق عدد من الوظائف في مجال اتخاذ القرارات أبرزها: تغذية قنوات الاتصال العامة فيما بين الأشخاص ،وتهب المكانة ،وتوسع رقعة الحوار الخاص بخطة التنمية ،وتفرض الأوضاع الاجتماعية والمساعدة على ترقية الذوق.
الوظيفة الثالثة:هي وظيفة التعليم ،والتي تستطيع أن تؤديها وسائل الاتصال سواء مباشرة ،أو بالانضمام إلى الاتصال المواجهي.
وعبر شرام عن يقينه بأن وسائل الاتصال الجماهيرية تستطيع أن تعاون معاونة كبيرة في جميع أنماط التعليم والتدريب ،فقد أثبتت التجارب فعاليتها في ظروف عديدة مختلفة داخل المدارس وخارجها...
وأشار ولبر شرام في بحث أخر إلى العلاقة القوية التي تربط وسائل الاتصال الجماهيري بعمليات التنمية المختلفة ،ونوه بوضوح إلى أنه مثلما يشكل الاقتصاد رأس الرمح في عمليات التنمية فان الاتصال يشكل الدور الفاعل في الإسراع بعمليات التنمية ،وركز على ضرورة تنمية وسائل الاتصال لتؤدي واجباتها في مضمار عمليات التنمية التي لخصها في ست وظائف أساسية:
1-ينبغي استخدام وسائل الاتصال الجماهيري للمساهمة في خلق الشعور بالانتماء لأمة واحدة.
2-يجب أن يستخدم الاتصال باعتباره صوتا للتخطيط القومي.
3-إن الاتصال يجب أن يستخدم للمساعدة في تعليم المهارات الاتصالية الضرورية لعمليات التغير الاجتماعي والتنمية.
4-إن الاتصال يجب أن يستخدم للإسهام في توسيع السوق الفعالة.
5-إن الاتصال يجب أن يستخدم لتهيئة الناس للقيام بدور جديد في سياق العمل التنموي.
6-يجب أن يستخدم الاتصال لإعداد الناس للقيام بدورهم كأمة بين الأمم"(21).
3-نظرية انتشار المبتكرات:
"ظهرت هذه النظرية خلال السنوات الأخيرة من الخمسينات والستينات متأثرة بنظرية تدفق المعلومات على مرحلتين التي قدمها لازارسفيلد وزملاؤه حيث وبنفس الطريقة وجد علماء الاجتماع الريفي أن نموذج نشر المعلومات على المزارعين يمكن فهمه في إطار تدفق المعلومات على مرحلتين وانه يمكن النظر إلى عملية نشر الأفكار الحديثة بين المزارعين على أنها مشابهة تماما لعملية التصويت في الانتخابات وان النصيحة في الحالتين تتم تلبيتها من خلال الاتصال الشخصي وتأثير قادة الرأي الذين يتفقون وخصائصهم تماما كما انتهت إليه دراسات التصويت الانتخابي.
وتعود أصول نظرية انتشار المبتكرات إلى دراسات متفرقة قام بها الباحثون الاجتماعيون في عدة ميادين مثل الانتربولوجيا والتربية والزراعة لمعرفة كيفية تبني المزارعين للأفكار الجديدة المتعلقة بأساليب الزراعة الحديثة كما اهتم بها أيضا الباحثون في مجال التربية من خلال محاولة نشر طرق التدريس الجديدة أو فكرة تنظيم الأسر أو اقتناء الأجهزة واستخداماتها وغيرها من المجالات المختلفة لمعرفة أثارها في النظام الاجتماعي القائم"(22).
"استحوذ نموذج انتشار المبتكرات"المستحدثات" خلال العقدين السادس والسابع من القرن الماضي على اهتمامات الباحثين والإعلاميين بدرجة فائقة ،فقد بلغ عدد الدراسات التي أجريت حتى عام1978(2800) دراسة ،ويركز نموذج انتشار المبتكرات على إمكانية تصميم الرسائل الاتصالية لزيادة فرص تقبل الأفراد لأنواع جديدة من الأفكار ،مما يساعد على الإسراع بعمليات التغيير الاجتماعي والتنمية القومية.
وفي الأبحاث التي أجراها(أعوام ،1971، 1976،1979) وغيرها ،ميز روجرز بين تبني المبتكرات التي تعني العملية العقلية التي ينتقل الفرد عن طريقها من مجرد السماع عنها لأول مرة حتى اعتناقها ،وبين الانتشار الذي يشير إليه انتقال الفكرة الجديدة من مصدرها الذي أوجدها إلى الأفراد الذين يستعملونها في النهاية ،كما أن هناك ثمة فارقا كبيرا آخر بين الانتشار والتبني حيث أن الانتشار يقع عادة بين الناس ،في حين أن التبني أمر يتعلق بالفرد وحده ،كما عرف روجرز وشوميكر الإبتكار بأنه فكرة أو ممارسة أو موضوع يدركه الفرد على أنه شيء جديد وفي إطار هذا التعريف فقد طرح الباحثان عددا من المفاهيم الأساسية لنظرية انتشار المبتكرات هي:الابتكار ،والاتصال بواسطة بعض القنوات ،وأعضاء التنظيم الاجتماعي"(23).
رابعا-الإعلام وقضايا التنمية:
1-الإعلام والتحديث والتطوير:
"-توفير المعلومات للسكان عن التنمية وشروط نجاحها ،وكيفية إنفاق المال العام ،وشرح القوانين و تبسيط الإجراءات ،وذلك من خلال تنشيط وتوسيع الحوار وإتاحة الفرص أمام الناس للتعبير عن آرائهمـ و أفكارهم بخصوص كل مشاريع الحكومة وكذلك الاستماع لأقوالهم والأخذ بالأقوال والآراء الجادة منها.
-اختيار المعلومات بشكل دقيق وجذاب واستخدام أساليب مشوقة من أجل جذب كل شرائح المجتمع للتفاعل مع الوسائل الإعلامية.
-تعليم الناس المهارات والأساليب اللازمة التي تتطلبها عملية التحديث والتطوير لا سيما الجرأة وانتقاد المسؤول الذي يخطئ ،وعدم الخوف من المدير والوزير وأعضاء القيادة لأن كل هؤلاء يخضعون للمساءلة ،وتعتبر وسائل الإعلام أهم سلاح في مساءلة الخارجين عن القانون والنظام العام وذلك من خلال نشر أعمالهم وأفعالهم المخالفة للنظام العام.
-تحويل وتعديل مواقف الناس وتصرفاتهم إزاء مسائل ومواضيع التحديث والتطوير لا سيما إصلاح الإدارة وإصلاح القضاء وتطوير التشريعات ومحاربة الفساد والمشاركة بالرأي وبالعمل بكل ما يخدم ويؤدي إلى نجاح المشروع التحديثي والتطويري للبلد.
-ترويج الأساليب والمواقف والأنماط السلوكية العصرية التي تلائم حاجات التطوير والتحديث كالمشاركة
والحوار وقبول الآخر والانفتاح على التجارب المهمة وتجنب البدء من الصفر في أي مجال من مجالات الحياة " (24).
2-الإعلام والتعليم:
حتى تتحقق التنمية يجب القيام بعملية جد مهمة ألا وهي نشر المعرفة بين جميع فئات المجتمع حاكمين ومحكومين ،وهذا لأجل خلق مناخ اجتماعي وثقافي ملائم يدعم التنمية ويدفع بها إلى الأمام
إن مثل هذا الوعي الاجتماعي المدرك لحقيقة التنمية وأبعادها من جهة ،والمطلع على الواجبات قبل الحقوق من جهة ثانية لهو الأرض الخصبة لكي تؤتي برامج التنمية أكلها بإذن ربها وبتوفيق منه ،لأن كثيرا من التجارب فشلت لأنها لم تجد المناخ الاجتماعي المهيأ لاحتضانها ،فحملت بذلك في طياتها أسباب فشلها،وعوائق عدم تحقيق أهدافها.
"إن النمو السريع في وسائل الاتصال والتوسع الكبير في استخدامه فتح آفاقا جديدة وزاد من حرية
الوصول إلى المعرفة وخلق" بيئة تربوية " جديدة مما جعل التعليم النظامي يفقد احتكاره للتربية وما يتصل بها من معرفة ،وبالتالي هناك حاجة لبرامج تربوية مبتكرة يشترك في إعدادها مربون وإعلاميون مما يستوجب انفتاحا حقيقيا للإعلاميين على قضايا التربية "(25).بل وأكثر من هذا فإن التعليم اليوم ونظرا للتطور الهائل لوسائل الاتصال وتكنولوجياته الحديثة((NTIC أصبح بالإمكان القيام به بصفة ذاتية مكملة لبرامج التعليم العام وخاصة للأطوار العليا منه ،ولذلك فإننا نرى أنه من الضروري البدء بالتفكير في كيفية خلق روح النقد البناء لدى العاملين في الحقل التعليمي ،وروح التربية والتعليم لدى العاملين في الحقل الإعلامي فينشأ لدينا "مربي إعلامي"و"إعلامي مربي" ويكون محصلة هذا خلق أجيال أكثر إيجابية ومساهمة ووعيا بالمسؤولية الاجتماعية وبالأهمية التنموية للتعليم والتربية والإعلام.
3-الإعلام والإدارة:
يرى "كوفمان" أن الإعلام هو شريك أساسي في نظام الإدارة العامة حيث يقول :"تعتبر وسائل الإعلام شريكا مهما في جهودنا الرامية إلى تحسين نظام الإدارة العامة ،وتفعيل مكافحة الفساد ، و التخفيف من حدة الفقر، حيث يجري إدراجها في المراحل المبكرة لعمل المشروعات في البلدان المعنية ،وفي استراتيجيات تخفيض أعداد الفقراء"(26).
ويضيف بوحنية قوي:"تشكل عملية الاتصال أحد العناصر الأساسية للتفاعل الإنساني ،إذ
بواسطة أنظمة الاتصالات الجيدة تتفاعل الجماعات والمنظمات مع بعضها البعض ،وتتمكن المنظمات من تحقيق تقدم ملموس كما أن أنظمة الاتصال السيئة تؤدي إلى نشوء كثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وخفض فعالية أداء المنظمات ومن ثم فإن أهمية الاتصال تظهر بشكل واضح في المنظمات المعاصرة وما يحيط بها من متغيرات وأحداث" (27).
ولذلك تؤكد مؤسسات اليوم على أهمية إتاحة فرص أكبر للوصول إلى المعلومة وتوصيلها كآلية عمل أساسية لتحسين نظام الإدارة ،وزيادة فعاليتها ونجاعتها.
4-الإعلام والبيئة:
يعتبر موضوع البيئة وما يرتبط بها من أهم التحديات الإنسانية لهذا العصر،لأن المحافظة عليها يعني بكل بساطة المحافظة على الحياة على سطح هذه الأرض.
ويلعب الإعلام وتحديدا في هذا الموضوع دورا مهما جدا ،بل أن المختصون يرون بأن :"موضوع البيئة هو أكثر محاور التنمية المستدامة ارتباطا بالإعلام ،فللإعلام دور مهم لتوعية القاعدة العريضة من الجماهير بما لهم وما عليهم في هذا المجال ،لأن دور المتفرج هنا مدمر وخطير في نفس الوقت ،فإذا لم يكن الإنسان هو الضحية في بداية الأمر فلا مناص من أن الضرر سيلحقه آجلا أم عاجلا" (28).
بل وأكثر من هذا ،يقول نجيب صعب:" الإعلام العصري إعلام معلومات وتحليل، وليس إعلام مواعظ وافتراضات عبثية. ففي موضوع البيئة تحديداً، تجاوزنا مرحلة إقناع الناس بأهمية الحفاظ على البيئة سليمة، إلى مرحلة تحديد الأساليب الناجعة لتحقيق هذا الهدف النبيل الذي أصبح مقبولاً. وهذا يعني معاملة البيئة إعلامياً كقضية وليس كأخبار في صفحات النشاطات الاجتماعية أو إشاعات في صحف الإثارة. "(29).
5-الإعلام والاقتصاد:
أصبح الاهتمام بالمعلومة الاقتصادية في تزايد مستمر ،الأمر الذي أدى بالبعض إلى المطالبة بإنشاء تخصص جديد في علوم الإعلام والاتصال أسموه "الإعلام الاقتصادي" ،بل أن زهير إحدادن ألحق به مجموعة من الخصائص ،والتي يرى أنها تختلف عن خصائص الإعلام العام ،ولخصها في مايلي:
"1-الإعلام الاقتصادي لا يشمل على أخبار فحسب ولكنه يضمن معلومات ومعطيات قارة يمكن ويستحسن تخزينها.
2-الإعلام الاقتصادي يستعمل الوسائل الإعلامية المعروفة ولكنه يعتمد على وسائل أخرى خاصة بوظيفته.
3-وظيفة الإعلام الاقتصادي ليست النشر بالدرجة الأولى ولكن التخزين ثم النشر عند الحاجة"(30).
"والإعلام الاقتصادي نشاط شامل ومخطط ومتعدد الأبعاد يخاطب الرأي العام بهدف إقناعه بضرورة
المشاركة الإيجابية في عملية التنمية والإصلاح الاقتصادي وبرامج إعادة الإعمار الاجتماعي عبر تقديم
صورة عن طبيعة التوجهات المستقبلية للاقتصاد والتعريف بالنشاطات والفعاليات الاقتصادية والتنموية
والطاقات المتاحة وتشجيع حركة التبادل الاقتصادي والاستثماري بشتى مجالاته وصوره من خلال ما يسمى بالاتصال المعزز للتنمية ،الذي يهدف إلى نشر ثقافة التنمية بعرض وتبسيط وشرح وتفسير وتحليل
المضامين الاقتصادية في قوالب إعلامية مهنية جاذبة لخدمة أهداف التعليم والتثقيف ونشر المعلومات وتنشئة المجتمع على مفاهيم تنموية تخدم مصالحهم وتمس حياتهم اليومية ومستقبل أجيالهم..."(31).

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 25 جمادى الأول 1441هـ الموافق لـ : 2020-01-20



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

نهر الطفولة

زبير دردوخ
مواضيع سابقة
فكر الكابالا والخيال اليهودي في مسرحية ديبوك
بقلم : محمد جهاد إسماعيل
فكر الكابالا والخيال اليهودي في مسرحية ديبوك


كلية الآداب بجامعة عنابة تحتفي باللِّسانيات واللُّغة العربية في ندوة علمية
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
كلية الآداب بجامعة عنابة تحتفي باللِّسانيات واللُّغة العربية في ندوة علمية


صابرحجازي يحاور الكاتب والشاعر التونسي خالد الكبير
حاوره : الاديب المصري صابر حجازي
 صابرحجازي يحاور الكاتب والشاعر التونسي خالد الكبير


فرع عنابة لاتحاد الكتاب يحتفي بالشاعر العصامي الطاهر خشانة
بقلم : جمال سالمي
فرع عنابة لاتحاد الكتاب يحتفي بالشاعر العصامي الطاهر خشانة


لِسِحْرِ عَيْنَيْك .. !!
بقلم : الشاعر : الزبير دردوخ الجزائري
لِسِحْرِ عَيْنَيْك .. !!


مبغى القذر
شعر : خليل الرفاعي البابلي
مبغى القذر


عدالة
بقلم : زيتوني ع القادر
عدالة


المجموعة القصصية " القمر يغادر باكرا " عمل جاهز للطبع ورواية جديدة قيد الكتابة //حوار ل خيرة مستور
بقلم : خيرة مستور
المجموعة القصصية


صفقة لزمن الانفلات
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                                                     صفقة لزمن الانفلات


قصة قصيرة جدا / تدارك
بقلم : بختي ضيف الله
قصة قصيرة جدا / تدارك




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com