أصوات الشمال
الاثنين 21 شوال 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  دموية الجلد المنفوخ!!!   * عودة الضالين   * فلسفة مبسطة: من فلسفة كارل بوبر السياسية   * هدايـــا   * مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان    * القضية   *  «الصمت في حرم الجمال »قراءة في ديوان    * الحداد يليق " بإلكترا " / الفعل الدرامي ونقيضه   * جامعة تبسة..دكتوراه عن الرؤية السياسية في روايات الطاهر وطار للباحثة منيرة شرقي   * الصحفي جمال بوزيان يحاور الكاتب روان علي شريف   * بيت القصيد    * بدرٌ تجلّى   * هو و البحرو الأوغاد   * أغنية نائمة    * أخيرا تحرر الرئيس المظلوم محمد مرسي من ظالميه    * حبر امرأة    * تحت شعار: المسرحي فنان ورجل مجتمع.فعاليات اليوم الإعلامي الموسوم بـالمسيرة التاريخية والنضالية للحركة المسرحية بمتليلي الشعانبة وضواحيها بولاية غرداية    * الحقيبة   * السودان إلى أين ؟!   * ريم سليمان الخش في سيمفونية الإغتراب     أرسل مشاركتك
هديتي في معرض الكتاب
بقلم : غـــزال عبد الــكريـــــــم
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 250 مرة ]
كاتب المقال والاستاذ محمد هادي الحسني

الأستاذ الدكتور محمد الهادي الحسني

...هديتي ...في معرض الكتاب
المكان : قصر المعارض بالجزائر العاصمة
الزّمان :05/11/2018
...لم تكن رحلتي إلى معرض الكتاب هذه المرة كسابقاتها... فالأسعار مرتفعة...و حركة الناس قليلة...
و الجو العام المخيم يطبع المكان بثقل لا أعرف له تفسيرا.
ولجت المعرض من الجناح الخاص بالأطفال... لم أولِ كثير اهتمام للمعروض من الكتب و اللّعب و غيرها مما يناسب هذه الأعمار ذلك أن غصة تداهمني.. و تطبق عليّ لغياب الأهل و الولد عن المكان الجميل.
توجهت إلى الجناح الثاني أين اقتنيت بعض الكتب المتعلقة بالأدب و علومه...و لم أفلح في اقتناء بعض المؤلفات الخاصة بعلوم التربية و علم النفس إلا حينما ولجت الجناح الثالث و هو الأكبر و الأوسع ...إذ به طابقان ...و الحركة دؤوبة مختلفة عن تلك المسجلة في الجناحين السابقين... ترى كل الوجوه الثقافية و الفكرية...والصحفية مبثوثة هنا و هناك... إضافة إلى بعض الشخصيات الدّولية المحتفى بها أو التي تدير نقاشات في قاعات زجاجية خاصة وعلى الهامش في مساحات أعدّت لذلك.
بحثت عن دور نشر جزائرية...و أخرى مغربية...و أخرى سورية... اقتنيت بعض الكتب المتعلقة بعلوم التّربية و علم النّفس التّربوي...لكنّي و لوهن في جيبي...أجّلت، مرغما ،عناوين كثيرة... إلى عام آخر، إن كان في العمر بقية ، جال في خاطري كيف أن إطارا في الدّولة لا يستطيع تأمين غذائه الرّوحي مرّة في السّنة.
انتحيت جانبا... جلست على الدّرج المفضي إلى الطّابق العلوي أين بادرتني فتاة تبدو من فتيات الجامعة اللّواتي يشتغلن معاونات في دور النشر، غير الجزائرية خاصة...أنيقة...خفيفة الظل... و جريئة... تدعوني لحضور بعض جلسات التّنمية البشرية ...أجبتها باقتضاب : لا تستهويني جلسات بيع الكلام....و رحت أرتّب كتبي أجمعها في كيس واحد و أسترق قراءة بعض الجمل و عناوين الفهارس... لكنّي عدلت عن ذلك بمجرد أن لاحظت تلك السّلوكات الخرقاء من شباب جاءوا لأغراض أخرى غير الثـّقافة و غير الفكر...و كان الأجدر بهم أن يتأدبوا في حضرة الكتاب...كانوا بعيدين عن لحظات التّسامي و التّحليق في فضاءات الفكر و المعرفة والإبداع.
... قرّرت أن أرتّب أشيائي خارج المبنى... فالمساحات الخضراء تغري بارتيادها... و كذلك السّاحات المشرعة ،فسيحة ،على أجنحة المعرض... و المستباحة من محلات الإطعام و زبائنها الكثر...فضلا عن هؤلاء المدججين بالكتب يموجون ذهابا و إيابا و في كلّ الاتجاهات...قررت أن أرتّب كتبي بعيدا عن هؤلاء التافهين المحملقين ببلاهة في الوجوه والأرداف و المناكب .
تفحصت اللّافتات تبيّن لي باب الخروج... يمّمت وجهي شطره... و إذ بي أرى ما لم يكن في الحسبان...
الأستاذ محمد الهادي الحسني...قامة فكرية و علمية ،أشهر من نار على علم ، هذا الذي منحه الله بسطة في الجسم، بسطة في العقل... بسطة في العاطفة... و بسطة في الملح أيضا... كان جالسا إلى مكتب يوقع كتبه الجديدة... كنت قد اقتنيت كتابه "أشعة الشروق" السّنة الماضية وفيه جمع مقالاته التي نشرها بجريدة الشروق الجزائرية، اقتربت من المكان... نظرت الأستاذ... اعتبرته الهدية التي أهداني المعرض هذا العام...قلت اكتفيت... كان منهمكا في التّوقيعات الممهورة بالبسمات... النّكت الهادفة... و الملح.
بسيطا كان...هادئا كان... و منشرحا كان أيضا... على عكس وجوه بعض –أقول بعض- الكتّاب و هم يبيعون كتبهم بالتّوقيع... فليس يسمحون إلا ببسمة مقتضبة لمن يشتري كتابا... و بعدها يتجهّمون إلى أن يحين موعد التوقيع الآخر.
... اقتربت أكثر... ألقيت التحية...فردّ بأحسن منها و أسارير وجهه منشرحة تحتضننا... و توفر لنا فضاء ودّ و إخاء.
بدت عليه آثار السّنين... و المسافات... أو لعلها آثارالبوار الذي مسّ الإنسان...و الأقطار...أو لعلها آثار ما بعد نهاية الحق في الحلم... أو لعلها آثار أبعد مما نتصور... فالرجل لم يُعرف إلا بدفاعه المستميت عن الأمة... و لم يذكر مرة أنّه انتصر لنفسه... فهو يجاهد... و يبحث... يتدارس... يحاور... يجادل... يقف على الجبهات الفكرية و القيمية... و الحضارية... يرابط على ثغور الدّين... و الدّنيا... جندي لحراسة حياض الإنسان... و المكان... أو لعلها السّهام التي لحقته من هنا و هناك... و الجبهات كثيرة فيها المعلوم و فيها المستتر... فيها الشّهم النبيل...و فيها الأفاك الأشر... بدت عليه آثارها... لكنه لم ينحن و لم يستسلم لها... أراه يستظل بقوله تعالى: "لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مومنين".
اقتربت أكثر...أنظر الوجه المسالم الآسر... لكأن سرّا ربانيا خالطه... فتوهّج... استنار... و أشرق... حان دوري و أنا أحمل كتابين له... الأول "أعلام و أعمال"... و الثّاني "آثار البشير الإبراهيمي".
صافحته... قبّلته... و أنا في غاية الانتشاء و السّعادة... لقد أحببت الرّجل قبل أن ألتقيه... حبّا في الله... صادقا... مخلصا... و لكم دعوت له... لكم سعدت به و هو يمتعنا... و يفتح عقولنا... بجميل قوله... و رائع طرحه... و سريع بديهته... و سداد رأيه... معينه القرآن...و السنّة... و ما جاء في أسفار أهل النّهى من المسلمين... و من غير المسلمين، فهو المـتفتّـح على الأفكار و الرؤى و الطروحات... و هو العارف بالعربية و الفرنسية التي فرضتها عليه الظروف... و المرحلة التاريخية...كقوة قاهرة داهمته عنوة... لكنه فضحها... بيّن بؤسها... و بؤس من عبدوها صنما أعجميا و اعتنقوها دينا...و هو المجالس لعلماء الإسلام من كلّ فجّ عميق... من بلاد آسيا إلى أوروبا إلى إفريقيا... و هو الجليس الدّائم لعلماء وطننا العزيز... مذ كانت تشدّ الرّحال الى الجزائر و قد تبنّت المؤتمرات الإسلامية التي قاربت بين معتنقي الاسلام بكل مذاهبه و فرقه و نحله...وأسست لحوار إسلامي إسلامي رائد ،رائع و بديع ... كان سي عبد الهادي الحسني شاهدا على عصرأنوار، ساد لكنه توارى ...بزغ سنين عددا ثمّ أفل.. خلف تلال حماقاتنا و بؤس سياساتنا و ضيق أفقنا...صرنا طرائق قددا... وشيعا بددا... وكأني بسيدي محمد الهادي الحسني يقول :أنا لا أحب الآفلين..لا يكلّ و لا يملّ... تسكنه الغيرة على الدّين و على الوطن و على الهويّة.
راح يسألني كيف الحال... هممت بالردّ... مجتهدا في تفصيله على المقام البهيّ... فجأة تدخلت فتاة من خلفنا...
- أستاذ واش راك... بدت عليها الفرحة و السّعادة –و السّطحية أيضا-... استدار و هو جالس... و استدرت معه... و توجهت أنظار المتحلقين في انتظار دورهم إليها.
- قال: أنا بخير يا ابنتي... أحوالك؟
- ...كنت طالبة عندك.
- قاطعتها: هذه اللحظة محجوزة من فضلك... و دخولك المفاجئ هكذا غير مرغوب فيه...
- قالت: هذا أستاذي.
- قلت: أستاذنا جميعا.
تدخل و هو يمسك بيدي... لا بأس اسمح لها تفضلا يا أستاذ
- قلت: تفضلي...
لم تزد عن: كنت عندك في الجامعة... كنت...
- خامرني أن أقول لها: أستاذك هاهي كتبه فاقتنيها... لكني عدلت و خفت أن يأخذ الجدل مجرى آخر... و قد يقلق الأمر الشيخ.
و حين انتهت ،كما بدأت، نطق أحدهم يسأل عن سعر الكتاب (زادنا بيتا من الشّعر) ... نظر إليه الأستاذ سي محمد الهادي الحسني... و قبل أن ينطق بكلمة قلت للسّائل: الأستاذ لا يعرف الثّمن... إنّه يوقع لمحبيه و قرّائه و مريديه لا أكثر ... قدّم له كتابا سيوقعه... و لك أن تذهب به دون أن تدفع ثمنه.
شعرت ساعتها أن الأستاذ داخله الإحراج... رحت أنظره... تذكرت قول عائشة و هي تقول عن حياء رسول الله" كان كالعذراء في خدرها" ... فهو خريج مدرسة الرّسول صلى الله عليه و سلم.
لعلّي تدخلت في الوقت المناسب ،استشعرت ذلك من خلال نظرات الأستاذ.
استلم الكتابين من يديّ كتب عبارة الإهداء الجميلة في الكتاب الأول:
"إلى الأخ الكريم عبد الكريم غزال، مع تحياتي و تمنيّاتي و دعواتي"
و قبل أن يباشر كتابة الإهداء في الثّاني وضع القلم و عدّل من نظارته و قال: حدث مرة أن كنّا جماعة و إذا بأحدهم يقرأ الآية كالتّالي:" و الذين تخافون نشوزهم ... فاضربوهم" وحين صوّبوه قال لهم هناك من تنطبق عليه الآية من خاوتنا الرّجال .
عرفت ساعتها أنه يشيرملمّحا إلى ذلك الذي حمل الكتاب و راح يسأله أمام الملإ عن الثّمن.
قلت: أنا شاري بأي ثمن... ضحكنا و أتمّ كتابة الإهداء...العبارة نفسها..." الى الأخ الكريم ،عبد الكريم غزال، مع تحياتي و تمنياتي و دعواتي "
أردت أن أوثّق اللّحظة الجميلة التي جادت بها الأقدار... أردت أن أشدّ على اللّحظة الهاربة منّا... فاللحظات الجميلة نادرة... تأتي عذبة... لكنها تغادر بغتة... أردتها أن تعمّر طويلا...
... ففي فضاء الكتاب... و في رحاب أحباب الكتاب... يجدر بنا أن نخلق حالة من التصوّف... أن نسكن المنزلة بين المنزلين... أن نكون إلى الحب أقرب... و إلى العلم أقرب...و إلى الحكمة أقرب... و إلى الله أقرب...
دفعت بهاتفي الذكيّ إلى أحد الواقفين أمامي... رجوته أن يلتقط لنا صورا... دعوته للإكثار لا الانحسار...
أمسكت بيد الأستاذ... اقتربت منه أكثر... اعتدل في جلسته... وددت ساعتها أن أعانقه... أن أضمّ صدره ،العامر بالقرآن و البيان ،إلى صدري... وددت أن يربّت على كتفي... كطفل صغير... أن يدعو لي دعاء كالوالد... كالولي الصّالح... كالغوث... أحسبه ممن لو أقسم على الله لأبرّه... دعاء أحفظه عن ظهر قلب... أستأنس به..وأوشح به مدخل الذّاكرة الجميلة .
تحت إكراهات اللّحظة و زحمة المكان... و تفصيلات المقام رحت أقبّل رأسه و هامته... كان يدعو لي ساعتها... تحول صوته خافتا... هامسا... متضرعا... و كنت سعيدا...سلّمني الكتابين... على عجل...همست في أذنه... ماذا لو جئتك يوما... تسافرمعي إلى مدينة تحبك...و أساتذة يجلّونك... ننهل بعضا من علمك و أفكارك... و نسعد باستضافتك.
قال: و هل تمهلني الصحّة... و كعادته دائما تأتي الحكمة بدثار الملحة متوّجة لكلامه :
قد تجدني في فال دوغراس... فأنا كما ترى بلغت من الكبر عتيّا ..(و كان يشير لحظتها إلى الرّئيس الذي يعالج في فال دوغراس)... و هي رسالة أخرى تأويلها "دماؤهم دماء و دماؤنا ماء"... قلت: لا أراك الله مكروها... و لا أراك مستشفى... حفظك الله... و أدام عزّك.
قال و أنا أفسح المجال للموالي: إن شاء الله... إن شاء الله.
ساعتها شكرته... و غادرت... تركته بين كتبه و مريديه... و أمسكته بين جوانحي رمزا... روحا... و أستاذا.

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 8 شعبان 1440هـ الموافق لـ : 2019-04-13



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
جامعة تبسة..دكتوراه عن الرؤية السياسية في روايات الطاهر وطار للباحثة منيرة شرقي
الدكتور : وليد بوعديلة
جامعة تبسة..دكتوراه عن الرؤية السياسية في روايات الطاهر وطار للباحثة منيرة شرقي


الصحفي جمال بوزيان يحاور الكاتب روان علي شريف
بقلم : الصحفي جمال بوزيان
الصحفي جمال بوزيان يحاور الكاتب روان علي شريف


بيت القصيد
شعر : محمد محمد علي جنيدي
بيت القصيد


بدرٌ تجلّى
بقلم : عبد الله ضرّاب الجزائري
بدرٌ تجلّى


هو و البحرو الأوغاد
بقلم : فضيلة معيرش
هو و البحرو الأوغاد


أغنية نائمة
بقلم : الأديبة منى الخرسان / العراق
أغنية نائمة


أخيرا تحرر الرئيس المظلوم محمد مرسي من ظالميه
بقلم : السننية للدراسات الحضارية
أخيرا تحرر الرئيس المظلوم محمد مرسي من ظالميه


حبر امرأة
بقلم : فاطمة الزهراء بطوش
حبر امرأة


تحت شعار: المسرحي فنان ورجل مجتمع.فعاليات اليوم الإعلامي الموسوم بـالمسيرة التاريخية والنضالية للحركة المسرحية بمتليلي الشعانبة وضواحيها بولاية غرداية
بقلم : الاستاذ الحاجنورالدينبامون
تحت شعار: المسرحي فنان ورجل مجتمع.فعاليات اليوم الإعلامي الموسوم بـالمسيرة التاريخية والنضالية للحركة المسرحية بمتليلي الشعانبة وضواحيها بولاية غرداية


الحقيبة
بقلم : إبراهيم مشارة
الحقيبة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com