أصوات الشمال
الأربعاء 13 رجب 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشارع الجزائري و ( برتولد بريخت)   * السماء تبكي علي حال شعبي   * مهمات صعبة تنتظر د. محمد اشتيه في رئاسة الحكومة الفلسطينية الجديدة    * قصص قصيرة جدا للقاص: بختي ضيف الله / الجزائر   *  مجزرة نيوزيلاندا .. الجاني لم يصادف اي مقاومة، كأنه دخل خمّاً للدجاج يقتل ما شاء   * الحراك الشعبي الجزائري والربيع السلمي للتغيير   * رباعيات   * سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار "أن تفكر في فلسطين" للكاتب المغربي عبدالله صديق.   * قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة   * المعادلات الصعبة للحراك الجزائري   * خُلقت حراً   * شبكة المقاهي الثقافية تحتفي بــ " نصيبنا من الظلمة " ديوان شعر للإعلامي الشاعر عبدالعزيز بنعبو بالرباط / المغرب   * السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب   * قراءة مختصرة في قصيدة "المنارة" الفائزة في مسابقة وصف منارة الجامع الأعظم لصاحبتها فاتحة معمري:   * قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!    * العقاد.. والحكم الاستبدادي   *  وَتُبْحِرُ فِي الْغُمُوضِ..ولاَ تَلتَفِتُ!!   * محنة الشعراء   * المراكز الفكرية في الولايات المتّحدة الأمريكيّة «الظاهرة والدّور والتأثير»   * رواية " أوركسترا الموت"    أرسل مشاركتك
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 375 مرة ]
 د. احمد زغب<br />

الواقع ان كثيرا من القبائل الأمازيغية في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا تعربت واندمجت في العروبة لغويا، وإن احتفظت بالثقافة الأمازيغية في الجوانب المادية كالعمل والملبس والمطبخ وحتى بعض جوانب البنية الفوقية، كالمعتقدات والأساطير، فإنها تميزت عن المناطق الأمازيغية التي لم تتعرب باللغة ،فأصبحت ناطقة بالعربية وتعتبر نفسها عربية، وربما نسبت نفسها لقبيلة من القبائل العربية او الأشراف، أو على احسن تقدير يقولون انهم امازيغ عربهم الإسلام.

الثقافة حصيلة تفاعل الإنسان مع الطبيعة، وهي العادات والتقاليد والفنون والحكايات والأساطير وكل الفنون القولية، والمعتقدات والخبرات المادية والحرف اليدوية وغيرها.
غير أن غيرتس يعرف الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي بأنها آليات الهيمنة، من خطط وتعاليم وتعليمات كالطبخة الجاهزة التي تشبه البرنامج في علم الحاسوب، ومهمتها التحكم بالسلوك والإنسان هو الحيوان الأكثر اعتمادا على هذه البرامج التحكمية غير الطبيعية من أجل تنظيم سلوكه‘‘ (الغذامي، النقد الثقافي ص74).

وفي كل فضاء جغرافي ثقافة مهيمنة سائدة ، ومع ذلك تعلق بها قطع أثرية من ثقافات غابرة . تسمى الرواسب الثقافية.ولا توجد ثقافة نقية في أي فضاء، فكل الثقافات عبارة عن موزاييك من مكونات تنتمي إلى عدد كبير من الثقافات. ويبدو الفضاء المغاربي حافلا بثقافات كثيرة أبرزها العربية الإسلامية والأمازيغية. وهما الثقافتان المهيمنتان وتتحكمان في سلوك الإنسان وتنظيمه.
وقد امتزجت الثقافتان بشكل متجانس ومع ذلك استطعنا أن نميز بوضوح في مقال سابق (مكونات الهوية: مجلة القباب العدد:08) لنا ان البنية الفوقية كانت من نصيب الثقافة العربية الإسلامية، مع عدم نكراننا أن الثقافة الأمازيغية لم تكن تعدم ثقافة روحية راقية، أساطير ومعتقدات وحكايات عجيبة اقتبستها المناطق الناطقة بالعربية إلى الآن ،لكن تبني البربر للثقافة الإسلامية جعل البنية الفوقية تتخذ في الغالب طابعا عربيا إسلاميا، اما البنية التحتية فكانت الهيمنة فيها للثقافة الأمازيغية جد ملحوظة في اللباس والطبخ والبناء ونظام تقاسم العمل والتويزة وغير ذلك.
مشكلة الهوية:
لم تعد الثقافة مشكلة كبيرة، فقد اندمجت الثقافتان بحيث أصبحتا ظاهريا على الأقل ثقافة واحدة، ولكن المشكلة بقيت في الهوية، فمن المعلوم ان الدين وحده لا يكفي لتشكيل هوية، وأما الثقافة فلم تعد فارقة وتبقى اللغة هي العامل الحاسم، ذلك ان الهوية وإن ارتبطت بالثقافة كما يرى دنيس كوش،(كوش: الثقافة في العلوم الاجتماعية،ص148) إلا ان الثقافة يمكن أن تمارس بدون وعي هوياتي ،فهي تخضع إلى حد كبير لصيرورة لاواعية، اما الهوية فتحيل إلى معيار انتماء واعي ضرورة، فالعنصر الذي يحدد الوعي بالهوية الأمازيغية هو اللغة المنطوقة بدون شك.
كان الشعور بالانتماء إلى الهوية الأمازيغية قديم، في التاريخ، وليس صحيحا ان الاستعمار الفرنسي هو الذي أظهره، كما يوهم بذلك الخطاب الوطني ذو الميل العربي الإسلامي. ومن أقدم من تناول البربر ( وهي التسمية الرومانية لأمازيغ شمال إفريقيا) هيرودوتس الإغريقي (ق 5 ق.م) الذي سماهم الليبيين وميز بينهم وبين الفنيقيين، واما المازيس ربما تطوت منها اللفظة المعروفة حاليا الأمازيغ، فهو ملك ناصر الليبيين في حربهم على الإغريق(د.مصطفى عشي : أحاديث هيرودوت عن الليبيين والأمازيغ ص38.)
كما ميز ابن خلدون بين العرب والبربر في كتابه المشهور العبر في أخبار العرب والبربر، ونسبهم إلى مازيغ بن كنعان(تاريخ ابن خلدون،ج6/ص 90). ويقول حمداوي إن معظم الباحثين يقررون أن البربر ساميون هاجروا من الجزيرة العربية إلى بلاد المغرب.
كما كان الوعي الهوياتي بالتمايز، قبل بروز الدراسات الفرنسية الإثنوغرافية، فقد وصلنا شعر غزير في مقاومة الاستعمار الفرنسي في منطقة القبائل وحتى الاستعمار؛ تشير هذه الأشعار دائما إلى الهوية القبائلية وكيان قبائلي، مع اعتراف بالإسلام وبالسلطان العثماني الذي يمثله ، مع أنه ينظر إلى الأتراك كقوة أجنبية، ولا نجد في هذا الشعر إشارة إلى كيان مغاربي او جزائري(شاكر: المازيغ وقضيتهم.ص27).
كما حمل شعر سي محند أو محند الهوية القبائلية، وهو ومن أقدم الشعر الذي وصلنا بعد ثورة المقراني، ومع ذلك فإن الإثنوغراف الفرنسيين نبهوا المثقفين القبائل إلى هويتهم لأنهم نظروا إليها باستخفاف، فbasset و hanoteau، فهم ولا يكنون أي احترام للثقافة الأمازيغية ،ويرون أن البربر ليس لهم أي رصيد ثقافي، فهانوطو يقول:
(( لا نتوقع ان نجد لدى البربر آدابا تذكرنا ولو من بعيد بآداب الأمم المتحضرة، والنساء يمثلن نسبة عالية من هذا الأدب البدائي، فإذا وضعنا هذا الأدب في هذا المستوى (المستوى البدائي) فيمكن ان ننظر إليه بنوع من الرأفة والتسامح.)) (امحمد جلاوي :أشعار منطقة الجرجرة نقد كتاب هانوطو ).
فإن كان الفرنسيون حثوا الأمازيغ على الانتباه عن هويتهم ، فلأنهم حاولوا الاستخفاف بها والتهوين من شأنها.
أصل البربر:
وللأسف فإن من بحثوا على هوية البربر ، بدأوها بالبحث عن أصلهم العرقي ، لكنهم لم يقفوا على حقائق ثابتة أو على الأقل متفقا عليها، فمن يقول بالأصل السامي أو الحامي أو الهندوأوروبي، ونشم رائحة الإيديولوجية واضحة في هذا التأصيل.
فمن الدارسين من يرى أن البربر حاميون ، مستندين إلى خبر صاحب كتاب الجمان في أخبار الزمان، يقول أن بني حام وبني سام تنازعا فانهزم بنو حام وانسحبوا إلى بلاد المغرب (الشطيبي: الجمان في أخبار الزمان). وقد تلقف هذا التصور س.ماينهوف الألماني، ويرى أن البربر تنتمي إلى اللغات الأفريقية كالحامية والكوشيتية والقبطية المصرية ولا تمت بصلة كبيرة إلى السامية، وهو تصور إيديولوجي يهدف إلى عزل البربر عن العرب، لأن الواقع اللغوي يفند ذلك.
ومع ذلك فإن علم اللغة المقارن أثبت وجود أواصر لغوية بين المجموعة المسماة حامية وما يسمى بالسامية، وبدل أن يدمجا في مجموعة واحدة، فقد وقع الجمع بينهما مع المحافظة على فكرة الفصل، واستعملت لهما هذه التسمية (الحامية السامية) أو (السامية-الحامية).
وهناك من يرى ان أصل البربر من الهند وهم من سلالة يافث بن نوح ،وقد مروا عبر فارس ثم القوقاز وأوروبا حتى استقروا في شمال افريقيا، ويدعم ذلك اختلاف الخصائص الفيزيولوجية للبربر. فهم جنس من الناحية الأثنية يشبهون الجنس القوقازي، كما أن هناك أسماء واردة في اللغات الحامية-الكوشيتية موجودة في لغات القوقاز، كما يستدلون بأنواع الحجارة المتواجدة على طول الطريق والموجودة بشمال إفريقيا، كالمسلات والمصاطب وبعض أسماء الأماكن الموجودة في فنلندا وتشبهها أسماء في المغرب. وبعض النقوش كالحرف الروني الذي يشبه الحرف اللولبي الموجود في نقوش شمال إفريقيا.(عثمان الكعاك : البربر.ص59).
وهناك من رأى بأن أصل البربر من اليمن وهم فرع من الأمهرية، ويدعم ذلك التشابة الكبير في الحروف بين التيفيناغ البربري والمسند اليمني ، وكذلك التراث المعماري اليمني الذي يشبه كثيرا التراث المعماري الأمازيغي.
الجذور اللغوية المشتركة:
وما دمنا لم نظفر باتفاق بين الدارسين عن أصل البربر، ومادام المكون اللغوي حاسم في هذه الهوية، فإننا لا محالة سنستنجد باللسانيات أو علم اللغة لنرى إلى أي الفصائل اللغوية، نجد القرابة الواضحة للأمازيغية.
فعلي عبد الواحد وافي ، يعتبر القبطية والبربرية والكوشية (شرق إفريقيا ماعدا الحبشة) لغات حامية، ولايوجد بين هذه الطوائف الثلاثة من وجوه الشبه، أكثر مما يوجد بين كل منها وبين الطائفة السامية، فاعتبارها – أي اللغات الحامية- مجموعة متميزة ، لا يتفق في شيء مع حقائق الأمور.(وافي : فقه اللغة، ص22) .
ووجوه الشبه بين اللغات السامية من جهة وبين البربرية والقبطية، وخاصة في النواحي المتعلقة في التصريف والاشتقاق، غير أن الشبه بين البربرية واللغات السامية، أقل من الشبه بين القبطية واللغات السامية، وعلة ذلك، كما يرى الباحثون أن السامية والقبطية والبربرية والكوشية هي مجموعات لفصيلة لغوية واحدة ، غير ان انفصال البربرية والكوشية عن السامية ، حدث قبل انفصال القبطية عن السامية بزمن طويل (وافي : المرجع نفسه،ص24).
واللسانيون يرون أن أهم مستوى من المستويات اللغوية والذي يشكل العمودي الفقري للغة هو المستوى التركيبي أو النحو والصرف، وفي هذا المستوى نجد ان لا علاقة للبربرية والمصرية القديمة باللغات الهندوأوروبية، اما المستويين الآخرين الدلالة والصوت، فإن أي لغة يمكن أن تتأثر بجوارها بسرعة وسهولة في هذين المستويين، ولا ادل على ذلك من أن اللغتين التركية والفارسية اقتبستا نسبة كبيرة من المعجم العربي بينما ظل المستوى التركيبي محافظا على سماته الأصلية.
وقد لاحظ شاكر، من العوامل الهامة التي ساعدت على تعريب كثير من امازيغ الجزائر وشمال إفريقيا، القرابة اللغوية (la parenté linguistique) غير القابلة للنقاش بين الأمازيغية والعربية فالتشابهات والموازنات البنوية الواضحة بين اللغتين تكون قد سهلت من عملية التعريب (سالم شاكر: الأمازيغ وقضيتهم،ص18).
من وجوه الشبه الكثيرة بين العربية واخواتها الساميات من جهة وبين الأمازيغية من جهة أخرى. في الجوانب التركيبي كاف الخطاب، الذي يستعمل للمخاطب المذكر في الأمازيغية مثل:أخاميك: بيتك
أداة التعريف في الأمازيغية تا في اول الكلمة وأصلها (ذا) وهي في العربية اسم إشارة، وهي من المعرفات للكلمة غير المعرفة.
تاء التأنيث الأمازيغة هي نفسها بالعربية، وملازمة الميم للاستفهام مثل: (منون=من منكم؟. مشحال= كم؟. مامش وتعني كيف؟.مين= ماذا؟)
من التشابه التراكيبي تبعية الفعل الأمازيغي لفاعله في التذكير والتأنيث، يفاغ أورقاز ،ثفغ تمطوث (جاء الرجل .جاءت المرأة).
وفي اللغات السامية من اهم أسس الجملة الإسمية في تركيبها من مسند إليه =مبتدأ،ومسند= خبر، وعدم وجود فعل الكينونة كما هو الحال في اللغات الهندو أوروبية، في اللغات الهندو أوروبية نستعمل الفعل-etre - to be –essere، وفي الفارسية: أستن.....الخ، للربط بين المبتدأ والخبر، بينما في اللغات السامية لا نستعمل أداة للأسناد أو فعل للإسناد، إنما نقول: البيت كبير ،كما هو الحال في الأمازيغية.(أخام أموقران).
ومن اهم المظاهر التي نجد اختلافا واضحا بين الأمازيغية واللغات الهندو أوروبية، وتشابها بينها وبين الساميات، أزمنة الفعل، ففي اللغات الهندو أوروبية نجد أزمنة كثيرة الحاضر البسيط والحاضر المنتهي والحاضر المستمر ، والماضي البعيد والماضي البسيط والماضي الكامل والمستقبل المستمرّ والمستقبل البسيط والمستقبل الالتزامي.....الخ.
أما في اللغات السامية، وتتطابق معها الأمازيغية في ذلك، فنجد الماضي والمضارع والأمر، بينما تتحدد الدقة الزمنية باستعمال الأدوات والأفعال والمساعدة، فعندما نريد أن نعبر عن الماضي البعيد المستمر لفعل جلس المسند إلى ضمير المفرد الغائب:هو، نقول كان يجلس، وهو الأمر نفسه في الأمازيغية، فلا نجد إلا الماضي والمضارع.
واما الضمائر الشخصية، فما عدا التثنية، التي ورثتها العربية من السامية الأم وفقدتها معظم اللغات السامية المتفرعة عنها، فإن ضمائر التشخيصles pronoms personnels. في الأمازيغية تشبه نظيرتها في اللغات السامية، فترتب حسب المخاطب والغائب والمتكلم كما هو في العربية واللغات السامية، وليس حسب الجمع والمفرد كما هو الحال في اللغات الهندو أوروبية، كما وجدنا تمييزا كبيرا بين المذكر والمؤنث في هذه الضمائر.
فمع المتكلم نجد المفرد والجمع :نش أو نك،= أنا ونشين، او نكين = نحن.
ومع المخاطب، نجد المفرد مؤنثا ومذكرا: شك= انتَ ،و..شم= أنتِ، والجمع مذكرا ومؤنثا: شمنت= انتن. وشنيو أنتم.
ومع الغائب، نجد المفرد المذكر: نت=هو، والمفرد المؤنث نتاث= هي.
والجمع المذكر،نثنين=هم والجمع المؤنث، نثنينت= هنّ.
الاندماج والوحدة أو الثراء والتنوع:
الواقع ان كثيرا من القبائل الأمازيغية في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا تعربت واندمجت في العروبة لغويا، وإن احتفظت بالثقافة الأمازيغية في الجوانب المادية كالعمل والملبس والمطبخ وحتى بعض جوانب البنية الفوقية، كالمعتقدات والأساطير، فإنها تميزت عن المناطق الأمازيغية التي لم تتعرب باللغة ،فأصبحت ناطقة بالعربية وتعتبر نفسها عربية، وربما نسبت نفسها لقبيلة من القبائل العربية او الأشراف، أو على احسن تقدير يقولون انهم امازيغ عربهم الإسلام.
والحقيقة التي لا يجب الشك فيها أن الإسلام لا يعرب غير العرب من الأعاجم، بدليل أنه لم يعرب الفرس ولا الأتراك ولا الهنود....الخ، فهو أصلا لا يطلب من الأمم التي دخلت في دائرته تغيير لغاتهم. فما هي العوامل التي أسهمت في تعريب الأمازيغ او على الأقل نسبة كبيرة من المازيغ، وماهي العوامل الأخرى التي جعلت أمازيغ آخرين في مناطق أخرى يحتفظون بلغتهم الأمازيغية. مع علمنا بأن وجود امازيغية موحدة غير وارد، إنما هي لهجات تعود إلى أصل لغة امازيغية أمّ لم تعد موجودة في الواقع.
عوامل الاندماج:
من أهم العوامل التي ادت إلى اندماج الأمازيغ لغويا على الأقل في القبائل العربية، سهولة الانتقال من الأمازيغية إلى العربية بسبب التشابه الكبير ،والأصل المشترك والقرابة اللغوية غير القابلة للنقاش كما رأى شاكر (الأمازيغ وقضيتهم ص18).
تعربت القابل الأمازيغية التي تواجدت في مناطق رعوية او فلاحية رعوية. ونقل Gautier عن ابن خلدون ان التشابه في طرق العيش بين الرعاة الأمازيغ والبدو العرب في الهضاب العليا والصحراء، لا بد ان يسهم بشكل كبير في اندماج العرب في الأمازيغ، وبفضل العامل السابق الذكر أي: التقارب اللغوي، وبفضل عوامل البنية الفوقية الجديدة التي تبناها الأمازيغ الدين وطقوسه التي يفضل المسلمون أن يؤدوها باللغة العربية لغة القرآن ولغة نبي الإسلام.
من العوامل كذلك العامل السياسي، فالذين قبلوا بسياسة الحكام السلطة المركزية، واندمجوا مع النظم الحاكمة سهل تعريبهم فيما بعد، فمراكز الحكم تتجاوز القبيلة إلى الدولة ومن ثم سهل اختلاطهم بالبدو العرب الذي كانوا اداة في أيدي السلطات يخمدون بها الثورات والانتفاضات والتمردات المحلية. مثلما استعمل أبي زكريا الحفصي بني مرداس لمقاومة تمرد ابن غانية واتباعه.
من العوامل بقاء عدد هام به من الفينيقيين في مناطق من بلاد المغرب وهؤلاء أقرب إلى العرب من أي فصيلة أخرى ، ولغتهم تعتبر كالعربية لهجة من السامية .ومن ثم يسهمون في تعريب أنفسهم وجيرانهم من الأمازيغ. على الأقل في تونس والشمال القسنطيني ، فعلى مستوى جزء من بلاد المغرب لم تأخذ العربية مكان الأمازيغية بل اخذت مكان البونيقية (= الفينيقية) (شاكر، مرجع نفسه ص17).
وهذا الطرح وإن كان في يطعن في التقارب التي أكده شاكر في مستهل كتابه المذكور، بين الأمازيغية العربية باعتباره عاملا مساعدا في الانتقال بين اللغتين، إلا أنه يفند أيضا أن الأمازيغ هم سكان المغرب وان العرب دخلاء بفعل الفتوحات الاسلامية، فالفينيقيون وهم عرب تقريبا كانوا متساكنين معم قبل الفتح الإسلامي. وربما كان الدخلاء الوحيدون هم الرومان. اما إذا اخذنا بالنظرية القائلة بان البربر هندوأوروبييون فالبربر كذلك دخلاء والفينيقيون هم الأصليون، ولو شئنا أن نتعصب لهذه النظرية فلنا عدد من المعطيات أبرزها التيفيناغ وهو قديم جدا ولا جدال في انه فينيقي من اسمه الصريح.
أما العامل الأخير، فهو البناء الاجتماعي ،يقول شاكر: ((إن التنظيم المجزأ النسلي segmentarité الذي عرفته المجتمعات الأمازيغية القديمة،ككان بمثابة الحاجز القوي امام تسرب وتغلغل الأجانب، ولكن هذا العامل لا يكون فعالا إلا إذا ارتبط بالعوامل السابقة)) (شاكر:ص16). ويقصد بالتنظيم السلالي التفريعي segmentaire،ارتباط أفراد الجماعة بالعصب بالخط الواحد او الجد الوحيد الذي ينحدر منه أفراد القبيلة ، كما كان هذا التنظيم اكثر مقاومة في الأرياف بحيث ترتبط العائلة أو البدنة بالأرض ارتباطا وجوديا.اما في المانطق الرعوية حيث لايكون الاتباط بالأرض ذا اهمية فإن فعاليته تضعف أكثر فأكثر.
عوامل احتفاظ بعض الأمازيغ بلغتهم في وجه المد الفينيقي والعربي:
بالإضافة إلى تماسك القبيلة الأمازيغية بفضل النظام السلالي الذي أشرنا إليه آنفا، فإن العامل الزراعي ، وكذلك المناطق الجبلية الوعرة التي يعيش فيها الأمازيغ سواء في الجرجرة أو في الأوراس ساهمت في عدم اختلاطهم بالعرب والفينيقيين من قبل، اما في بلاد مزاب فإن المذهب الإباضي المتميز عن المذهب الديني الغالب، جعل الأمازيغ ينعزلون يقيمون لأنفسهم نظاما اجتماعيا صارما مثل نظام العزابة ينظمون به حياتهم من جهة، ويحتفظون بهويتهم الأمازيغية من جهة أخرى.
أما في الأهقار والأزجر، فبقايا النظام الاجتماعي الأموسيmatriarche،وبعدهم عن المناطق السهبية الرعوية التي انتشر فيها العرب ، كما أنّ لهؤلاء الطوارق خصوصيات ثقافية ونظام سياسي مركزي يتعدى القبيلة جعلتهم هذه العوامل يحتفظون بالهوية الطوارقية، واللغة التي لهجة من اللهجات الأمازيغية.
الأمازيغية في المغرب المعاصر:
بقيت الأمازيغية لغة أو إن شئنا الدقة لهجات شفاهية، لم يحاول أصحابها أنفسهم أن يرقوها إلى درجة ان تكون كتابية، وكان للأمازيغ في العالم القديم علماء كبار بلغ صيتهم إلى نطاق واسع لا سيما في العالم الكاثوليكي، نذكر ههنا العالم والفيلسوف الجزائري القديس أوغسطين كان أستاذا في جامعة ميلانو 384م وكتب عددا من الكتب أبرزها الاعترافات الذي ترجم إلى العديد من لغات العالم، لكنه للأسف الشديد لم يستعمل لغته الأمازيغية إنما كان يكتب باللاتينية.
كما نجد علماء وأدباء كثيرين امازيغ، كلهم كتبوا باللاتينية أو الرومانية بحكم انتمائهم للدين المسيحي وهو الذي لغته الرومانية واللاتينية، من بينهم أرنوبيوس الكبير سنة 300م كاتب وشاعر وخطيب من كتبه كتاب ضد الوثنيين ،حمل عليهم حملة عنيفة بلغة شعرية حافلة بالبلاغة.
ومنهم فرونتون ماركوس عاش في سيرتا قسنطينة حاليا لغوي ونحوي وبلاغي،كتب باللاتينية واليونانية ،وفلوروس المؤرخ الأمازيغي عاش في شمال إفريقيا كتب باللاتينية ملخص التاريخ الروماني ومن أشهر الأدباء أبوليوس 180م صاحب الرواية الأولى في تاريخ الإنسانية:( الحمار الذهبي) ،عاش في سوق أهراس ومداوروش وله كتب عديدة كلها باللاتينية، ومن علماء العصر النوميدي يوبا الثاني 52 ق.م الملك المثقف حكم بلاد المغرب من موريتانيا إلى تونس مرورا بالجزائر له كتب كثيرة منها تاريخ بلاد الشرق وآثار آشور وكتبه كلها باللاتينية. وغير هؤلاء كثير.
كما كانت الدولة النوميدية تستعمل اللغة الرومانية وكانت البونيقية في الحواضر لغة مكتوبة بالخط التيفيناغي ، فاستعملت الدولة الرسمية هاتين اللغتين في الدواوين ،واما لغة المحادثة فقد كانت اللهجات الشفاهية الأمازيغية غالبا بدليل أنها لم تترك لنا آثارا مكتوبة باللغة الأمازيغية، ومثل ذلك قل بعد الفتح العربي كانت هناك دول كثيرة حكمت هذه البلاد كالزيانيين والرستميين كانوا يستعملون اللغة العربية كلغة الدولة الرسمية.
وحين حل العصر الحديث كانت الكتابة باللغة العربية او الفرنسية ولم يبدأ الأمازيغ في الاهتمام بكتابة لغتهم إلا مؤخرا ومازالوا مختلفين على الخط الذي يكتبونها به فالمفرنسون آثروا الخط اللاتيني والمعرّبون آثروا الخط العربي لقرابته الشديدة من النظام الصوتي للهجات الأمازيغية وكذلك عامل التمسك بالثقافة الدينية وهناك من بدأ فعلا بكتابتها بالتيفيناغ وهو خط فينيقي كما يبدو من اسمه والمعروف أن جميع الخطوط في العالم تفرعت عن الخط الفينيقي ومنه العربي وقد تطوراالحرف العربي عبر العصور تطورا كبيرا بينما بقي التيفيناغ في حالته البدائية.
بين التهميش الشمولي ثراء الليبيرالي:
وجد الخطاب الرسمي لمشروع الدولة الجزائرية المستقلة نفسه بين أمرين، إما التعددية اللغوية، وقد رأوا انها خطر على النضال الوطني ضد الاستعمار،و رأوا ان الوحدة اللغوية أفضل لتحقيق الهدف،وربما اقتدوا بالنموذج الفرنسي نفسه (شاكر:ص20)الذي أقصى كل اللغات لتكون اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية الوحيدة، كما ان نموذج التاريخي الأمة العربية الإسلامية كان نصب عيونهم، ليتخذ الخطاب الرسمي للحركة الوطنية هذا الاتجاه الإيديولوجي، لذلك رأوا أن الخلاص في وحدة الأمة ، فقد دعمت جميع الحركات الوطنية المناضلة بلا استثناءena نجم شمال افريقيا،وppa حزب الشعب الجزائري وmtldحركة انتصار الحريات الديمقراطية وأخير flnجبهة التحرير الوطني الميل إلى رفض التعددية اللغوية وإيثار الوحدة اللغوية، ولم يكن بإمكانهم اختيار الأمازيغية لعدة عوامل منها الثقافية ومنها الامتداد العربي الإسلامي ومنها العامل الديمغرافي والعامل الحاسم أن العربية لغة مكتوبة منذ مئات السنين بينما اخذت الأمازيغية في محاولة الخروج من حالتها الشفاهية كما اخذت في النضال ثقافيا في دراسات الإثنوغراف الأوروبيين أولا ثم الوطنيين .
وبعد الاستقلال كان النظام الحاكم شموليا فلم يكن يسمح بالنضال من أجل اللغة والثقافة الأمازيغية، بل إن الدراسات الإثنوغرافية ودراسة الأدب الشعبي نفسها عدت مشبوهة إذ أوّل من اهتم بها هم الباحثون الاستعماريون لأغراض مشبوهة،واعتبر الاهتمام بالثقافة الشعبية واللهجات المحلية عاملا مهددا للوحدة الوطنية، ولم تسمح الجامعة الجزائرية بتدريس الأدب الشعبي والأنثروبولوجيا إلا بعد سنوات عديدة من الاستقلال.
أما في المغرب فقد تساهل الحكم الليبيرالي هناك وسمح بالحديث عن الأمازيغية كلغة وطنية ثانية بعد العربية وسمح بالدراسات التي تهتم بالثقافة الأمازيغية.
مستقبل الأمازيغية:
يرى شاكر أن معظم العوامل القديمة التي أسهمت في الحفاظ على جيوب الأمازيغية قد اختفت اليوم، فعلى الأمازيغية أن تغتنم فرصتها التاريخية الأخيرة نكون او لا نكون هذا هو السؤال المطروح لدى الناطقين بالأمازيغية. فلغتهم وثقافتهم لم تعد الآن محمية بالموقع الجغرافي ولا من طرف تنظيمهم الاجتماعي التقليدي. فكل من النزوح الريفي الجماعي باتجاه المدن الناطقة بالعربية واختفاء طرق الإنتاج التقليدية كما ان عملية التمدرس الجماعي باللغة العربية والتأثير اليومي لوسائل الإعلام ....فحتى النساء حاميات اللغة الأمازيغية،هن اليوم عرضة وبشكل مباشر لعملية الانجراف اللغوي ،فكل هذه العوامل تسهم في اختفاء الأمازيغية مع الوقت(شاكر:ص23).
ولولا أن المناضلين الأمازيغ انطلاقا من وعيهم بهويتهم يحاولون وبشتى الطرق فرضها كلغة إعلام وتعليم على الرغم من الاستجابة الضعيفة للمجتمع، لقلنا إن نبوءة الجغرافي الكبير هـ.إزنارIsnard إذ يقول: هناك صيرورة حتمية تجعل من الواقع الأمازيغي يتقهقر يوميا فبعد الحصول على الاستقلال الوطني لم يبق امام الأمازيغية إلا أن تخوض معارك في المؤخرة وعديمة الجدوى ضد إتمام عملية التوحيد عن طريق التعريب (شاكر:ص23).
كما ان الدراسات الإثنوغرافية في الجامعة ومراكز البحوث مثل crasc و cnrph وكذلك في المغرب الأقصى هناك دراسات اكاديمية كثيرة في صالح الأمازيغية، إلا ان فريد المريني يقول في مقال له إن الزج بعناصر المجال الثقافي في الدراسات المخبرية العلمية ،دعوة لضبطها وفق قواعد واوامر اختبارية صارمة ،(فريد المريني :سؤال الأمازيغية البناء والنظرية ص10)ومن ثم فالدراسة الأكاديمية لا بد ان تبتعد عن النزعة الإيديولوجية التي يقتضيها ترسيخ الهوية الأمازيغية لدى الأجيال او على الأقل الاهتمام بها كعامل تنوع وثراء في المنظومة الثقافية الوطنية .
فهل الأمازيغية في طريق الانقراض، من أجل الوحدة الوطنية، ام يجب ان نسعى لجعلها عامل ثراء وتنوع لاسيما في هذا العالم الذي يعج باللغات والثقافات ،ويرى jean Clausel، ان على الرغم من كل العوامل التي تبعث على التشاؤم في مستقبل الأمازيغية، فمن الحكمة ألا نصدر احكاما نهائية(شاكر:ص25).
كثير من المفرنسين المناضلين لصالح الأمازيغية يثيرون الشبهة حول غرضهم، لاسيما وأنهم ينساقون وراء بعض النظريات الغربية، التي ترى ان الأمازيغ لا علاقة لهم بالواقع العربي الإسلامي، هؤلاء يفسدون ما يحاولون إصلاحه لاسيما ويسيئون إليها من حيث أرداوا الإحسان بإصرارهم على محاربة العربية، واستعمال الحرف اللاتيني لكتابتها .

نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 4 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : 2019-01-10



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
رباعيات
بقلم : محمد محمد علي جنيدي
رباعيات


سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار "أن تفكر في فلسطين" للكاتب المغربي عبدالله صديق.
بقلم : عبدالكريم القيشوري
سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار


قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة
قصة : بختي ضيف الله
قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة


المعادلات الصعبة للحراك الجزائري
بقلم : د. محمد عبدالنور
المعادلات الصعبة للحراك الجزائري


خُلقت حراً
بقلم : سيف ناصري
خُلقت حراً


شبكة المقاهي الثقافية تحتفي بــ " نصيبنا من الظلمة " ديوان شعر للإعلامي الشاعر عبدالعزيز بنعبو بالرباط / المغرب
بقلم : الكاتب عبدالكريم القيشوري


السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب
بقلم : ابراهيم قرصاص
السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب


قراءة مختصرة في قصيدة "المنارة" الفائزة في مسابقة وصف منارة الجامع الأعظم لصاحبتها فاتحة معمري:
بقلم : عبد الرحمن عزوق
قراءة مختصرة في قصيدة


قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!
بقلم : نبيل عودة
قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!


العقاد.. والحكم الاستبدادي
بقلم : محمد محمد علي جنيدي
العقاد.. والحكم الاستبدادي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com