أصوات الشمال
الثلاثاء 11 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * التراث الشعبي والتنمية في ملتقى علمي بجامعة سكيكدة   * للنّقاش الهادئ، رجاء!!!   *  الاتجاه الإصلاحي في فكر الأستاذ عبد القادر القاسمي   * بوح التمني   * مرثيّة للوقت    * ( تطويب ) الثقافة و احالة الثقافة الى التطويب   * في مشروع عبد الوهاب المسيري و شقه النقدي التحليلي للنظام الفكري الغربي..   *  وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي.. مُكَبِّرًا. والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! /الحلقة:02    * تراتيل الفجر   * أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)   * من دفتر الذكريات    * الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..   * مع الروائي الشاب أسامة تايب    * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر    * هَمْسُ الشُّمُوع   * الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري   * حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان   * النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور    * في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين   * مثل الروح لا تُرى    أرسل مشاركتك
اتّحاد البصريّ والذّهنيّ في تجسيد الجمال الإنسانيّ / قراءة في لوحة "القبلة" لغوستاف كليمت
بقلم : مادونا عسكر/ لبنان
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 490 مرة ]

اللّوحات قصائد صامتة يتلوها المبدع على أعين الباحثين عن الحبّ والخير والجمال. ولا شكّ أنّه، أي الرّسّام، يجسّد في لوحاته الجمال فينقله من عالم التّجرّد إلى العالم المحسوس، لترتشفه الحواس وتنصهر به. وإذا قال نيتشه إنّ أسمى أنواع الجمال هو ذلك الذي يتسلّل إلينا ببطء فنحملهُ معنا ونحن لا نكاد نشعر به. فلوحة الرّسّام النّمساويّ غوستاف كليمت "القبلة" جمال يتجسّد في الرّاني إليها فيحمله في داخله ويغتسل به كلّما لوّث القبح الأعماق.



اللّوحات قصائد صامتة يتلوها المبدع على أعين الباحثين عن الحبّ والخير والجمال. ولا شكّ أنّه، أي الرّسّام، يجسّد في لوحاته الجمال فينقله من عالم التّجرّد إلى العالم المحسوس، لترتشفه الحواس وتنصهر به. وإذا قال نيتشه إنّ أسمى أنواع الجمال هو ذلك الذي يتسلّل إلينا ببطء فنحملهُ معنا ونحن لا نكاد نشعر به. فلوحة الرّسّام النّمساويّ غوستاف كليمت "القبلة" جمال يتجسّد في الرّاني إليها فيحمله في داخله ويغتسل به كلّما لوّث القبح الأعماق.
قد تكون القبلة محور اللّوحة إلّا أنّ هذه القبلة عنوان للاتّحاد التّام بين الرّجل والمرأة، العاشقين الملتحمين حبّاً وعشقاً. وهي قبلة مقدّسة دلّت عليها وضعيّة الرّجل والمرأة معاً. كما رمزت إليها الحركة الهادئة بين العاشق والمعشوقة. وهي مقدّسة لأنّها تصوّر اتّحاداً روحيّاً لا جسديّاً وحسب، ويظهر ذلك من خلال تفاصيل الجسدين الغائبة نسبيّاً، إلّا ممّا يدلّ على تمايز الشّخصيّتين حتّى لا يبدوَ الاتّحاد الرّوحيّ كذوبان الواحد في الآخر، فتمّحي شخصيّة الواحد دون الآخر.
يقبّل العاشق حبيبته على خدّها فتحملنا هذه الحركة إلى صورة من صور العشق الكامل في سفر نشيد الأناشيد (2:5): "أنا نائمة وقلبي مستيقظ، صوت حبيبي قارعاً افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي لأنّ رأسي امتلأ من الطّلّ وقصصي من ندى اللّيل". في نشيد الأناشيد يحاكي العاشق محبوبته مع أنّه يمنحها كينونة الأخت. ما يدلّ على قداسة العلاقة وعمقها الضّارب في الوجدان العشقيّ السّماويّ. وفي اللّوحة ما يشبه هذه الصّورة، من ناحية أنّ المرأة مغمضة العينين هائمة في صوت المحبوب الّذي يصغي له قلبها. ومن ناحية أخرى، تتماهى قدسيّة القبلة والحالة العشقيّة بمعزل عن الجسد. ذاك لا يعني التّفلّت من الجسد، بل يعني الالتحام الكيانيّ الّذي يحيط بعلاقة الرّجل بالمرأة كيانيّاً لا جسديّاً وحسب. بمعنى أصحّ، هو اتّحاد بين "المرأة" و"الرّجل"، لا بين الأنثى والذّكر.
وإذا كانت القبلة رمزاً للانصهار الرّوحيّ بحيث يلتقي العاشقان في كيان واحد، وإذا كان الانصهار دلالة على بلوغ ذروة العشق، فتفاصيل اليدين، إن من جهة المرأة أو من جهة الرّجل، دلّت على الاحتواء العشقيّ، العنصر الأساسيّ المؤدّي إلى هذا الاتّحاد.
تظهر يدا الرّجل العاشق ملتفّتين حول وجه المرأة، لتبيّنا احتواءً للحبّ المتجسّد في المرأة ذاتها. ويشكّل تباين المستوى الجسديّ البسيط بينهما حركة عشقيّة أقرب إلى القداسة، فالمرأة راكعة، حافية القدمين، وكأنّي بها في حالة صلاة، وأمّا الرّجل فمستقيم منحنيَ الرّأس كفعل ارتشاف لهذه الصّلاة. ما يشير إلى ذروة الحبّ المترفّع عن كلّ ما يدور من حوله. وتأتي الحركة تفاعليّة بالتّدقيق إلى يد المرأة الملتفّة حول عنق الرّجل لتظهر بدورها أهميّة الاحتواء حتّى لا يختلّ التّوازن بين الشّخصين، فيفقد الاتّحاد معناه الجوهريّ. لا ريب أنّ كليمت استفاد من الألوان والزّركشات ليجسّد هذا الاتّحاد، ويظهره باللّون الذّهبيّ الّذي يبدو طاغياً على اللّوحة، أو جاذباً للنّاظر إليها، حتّى يكون محور اللّوحة الحالة العشقيّة وليس القبلة وحسب.
يحيط بالعاشقين فراغ تتخلّله أنوار خافتة توحي بالحالة الرّوحيّة المقدّسة. ونلاحظ عن يمين اللّوحة بدءاً يتمثّل بالزّهور كأساس يرتكز عليه العاشقان، لكنّه منفتح على اللّانهاية. فرسم الزّهور ينتهي عند أقدام المرأة ليبقى الفراغ النّيّر محيطاً بهما رامزاً إلى خلود الاتّحاد بين العاشقين.
إنّه وإنّها تلك اللّغة الكائنة في قصائد الشّعراء الّذين رسموا بالكلمات فأسمعوا صوت الألوان في جملهم، وإنّه وإنها تلك اللّوحة اللّونية المترجمة بالخطوط، أليست الكتابة أيضاً لوناً من الألوان ومجموعة من الخطوط على هيئات أخرى، ذهنيّة تستحضر الجمال وتؤطّره في القصيدة وتطلقه في فضاء من الانفعال الجمالي الّذي لا ينضب؟

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 23 رجب 1439هـ الموافق لـ : 2018-04-09



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي.. مُكَبِّرًا. والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! /الحلقة:02
بقلم : محمد الصغير داسه
     وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي.. مُكَبِّرًا.    والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!!      /الحلقة:02


تراتيل الفجر
بقلم : فاطمة الزهراء بولعراس
تراتيل الفجر


أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)
بقلم : ياسر الظاهر
أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)


من دفتر الذكريات
بقلم : شاكر فريد حسن
من دفتر الذكريات


الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..
بقلم : بشير خلف
الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..


مع الروائي الشاب أسامة تايب
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
مع الروائي الشاب أسامة تايب


اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر


هَمْسُ الشُّمُوع
بقلم : فضيلة معيرش
هَمْسُ الشُّمُوع


الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري
بقلم : أحمد سليمان العمري
الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري


حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
حاورها : عبدالكريم القيشوري
حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com