أصوات الشمال
السبت 7 ذو الحجة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * د. جميل الدويهي في رائعته: "من اجل عينيك الحياة ابيعها"   * انفراج   * الصلاة ليست رهّاب (فوبيا) ولا تخيف احدا   * الزنزانة 69 قصة قصيرة جدا   * لعقل و الأنسنة و مفاهيم أخرى و مشكلة ضبط المفاهيم في نصوص الرفاعي ...   * شموخ…/ بقلم: تونس   *  محمد الصالح يحياوي رمز للوفاء   * خلوة ثالثه.....(أسرار ومسامرة)   *  صدور الكتاب الثاني للدكتور رضا عامر   *  هجومات20أوت1955م بالشمال القسنطيني ذكرى وعبرة وقيم تتجدد عبر الأجيال   *  للباكية أيّام الأعياد.   * وطار رائد الإبداع الجزائري و العربي في ذكراه الثامنة ( الجزء الثاني)   * الأديب الطاهر وطار كان من رواد الأدب الثّوري النّضالي   * الباحث في الفلسفة د. فارح مسرحي لـ    * محمد الصالح يحياوي ... شمعة من تاريخ الجزائر تنطفئ ..   * الطاهر وطار في ذكرى رحيله   * خطاب اليقين .   * استهداف المؤسسات الثقافية الفلسطينية    *  عمار بلحسن مثقف جزائري عضوي كبير انتهى الى صوفي متبصر    * تغابن    أرسل مشاركتك
في تشكيلات الرمز الفني: قراءة في نصوص التفعيلة عند شعراء الجزائر المعاصرين.
بقلم : د. عبد القادر لباشي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 494 مرة ]

تسعى هذه القراءة إلى البحث عن تشكيل الرمز الفني في الشعر الجزائري المعاصر، وتحديدا في شعر التفعيلة بعد سنة 2000؛ رغبة في اكتشاف بعض التطورات الحاصلة في شعرنا؛ سواء على مستوى الموضوعات الملهمة لشعرائنا؛ أو على مستوى التقنيات الجمالية والفنية التي ارتضوها ملائِمة؛ لتفجير مواهبهم، وتعميق رؤيتهم لهذا النوع الشعري. ولذلك تعمل إجرائيا على استقراء تشكيلات الرموز الفنية - بكونها خطابا لغويا لسانيا بالدرجة الأولى –في نصوص بعينها، لمعرفة المقاصد الشعرية والدلالية في خطاب حر، يستند إلى التفعيلة أساسا، ويرجع في بنائه إلى مجموعة من المعارف الأسطورية والتاريخية والدينية، ويختار على ضوئها نسقه الشعري المرتكز على الرمز الفني لغرض التعبير عن المعادل الموضوعي تارة، و مساءلة التاريخ لقراءة الراهن تارة أخرى، وقد يركن للذات الشاعرة فيندمج في تهويماتها و يسبح في إفضاءاتها الصوفية والروحية في أحايين عديدة .



قبل التطرق إلى تشكيل( ) الرمز الفني( ) في شعر التفعيلة الجزائري خصوصا ينبغي الإشارة إلى قضايا هامة استند إليها خطاب شعر التفعيلة، وهي بلا شك تحدّد ملمحه العام، ونواته الأساس بعد خطاب القصيدة العمودية التي عمّرت ردحا من الزمن، وعبّرت عن قضايا الشاعر العربي القديم أو التراثي المتمسّك بالنظم وأركانه البلاغية والتعبيرية، ومن هذه الخصائص ما أحصاه الباحث (عبد المجيد العابد) في مقالة بعنوان" تكسير البنية وتجديد الرؤيا في الشعر العربي المعاصر، كما يلي:
« التفاعل مع التراث والنظر إليه باعتباره رموزا وقيما إنسانية وجمالية؛
• الانفتاح على الثقافات الأجنبية شعرا ونثرا؛
• التحرر من هيكل القصيدة التقليدية العمودية وبنائها، والاحتفاظ بوحدة التفعيلة وقوة الإيقاع الداخلي؛
• تكثيف الصور الشعرية المعتمدة على المجاز والانزياح؛
• الاستثمار المفرط للرمز والأسطورة والمونولوج والخرافة والحكاية الشعبية؛
• الاهتمام بالقضايا الراهنة ورصدها من زاوية ذاتية خالصة؛
• الاعتماد على الرؤيا في تكوين نظرة شمولية تجمع الذاتي بالموضوعي؛
• توظيف اللغة الإيحائية المشبعة بالدلالات العميقة التي تبتعد عن التوظيف التقريري؛
• الغموض، وهو صفة لازمة لكل شعر جيد طالب للجدة والحداثة؛ » ( )
ثمة إشارات كثيرة تدلّ على رحابة شعر التفعيلة، ونفَسه اللانهائي؛ الأمر الذي يساعد الشاعر الفذ على تفجير مواهبة الشعرية، ونحت تمثاله الشعري بهدوء تام، لا ضغط فيه ولا ارتكان لزاوية واحدة، فالرؤية رؤى، والموقف مواقف والطريقة طرائق،،، أو هكذا بدا للشاعر الجديد شعر التفعيلة.
وستتوزع المتون المدروسة على أنواع الرموز المعرفية (التراثية و الحضارية) ؛لأنها تظهر في النصوص بهذا التوصيف المقصود.
1- الرمز الأسطوري واستحداث المعادل الموضوعي:
تحضر الأسطورة موضوعا عاما في شعرنا المعاصر، ويستقيها الشاعر من منابعها الأولى، أي مصادرها الأصلية، من التاريخ والأنثروبولوجيا والموروث الشعبي للحضارات الأولى والشعوب المختلفة، وحينما نحصيها نلفي أنها تصنف إلى أساطير يونانية ورومانية و بابلية و فينيقية وعربية قديمة، وبهذا فهي تتشكل رمزا، لا لذاتها، بل لهدف وغرض أسلوبي وبلاغي يرتضيه الموقف الشعري، والرؤيا الفنية،فالحداثة الشعرية التي اقترنت بالشعر الحر ، حتّمت على الشاعر استخدام الرمز الأسطوري في إطار تمكين الشاعر من تلك الحرية التي يتطلبها إبداعه الشعري.
من خلال عيّنة اشتغال الدراسة( ) تومض رموز أسطورية عديدة . فلدى (نور الدين درويش) نجد توظيفا لرمز العنقاء الذي يبدو أنه أصبح عند غالبية الشعراء معادلا لفكرة الموت والانبعاث، في كل مرة يلجؤون فيه إلى تقنية الرمز:

أطلق النار
أقرأ على جسدي أية البطش
واشفّ غليلي يا سيدي بالكحول
و لكنّي صرت عنقاء..
أولد من رحم الموت( )
إنّ التعامل مع الرمز هنا لم يبرح تلك الدلالة المتعارف عليها في الأسطورة ؛أي في بعدها الميثيولوجي، فلقد تماهى الشاعر مع طائر العنقاء، ليتحدى الموت، وهذه هي دلالة الأسطورة نفسها نقلها الشاعر بكل أمانة( ).
وفي المقابل فإنّ نصوصا أخرى تجاوزت هذا الاستخدام التنميطي، وذلك بتفريغه من الدال الأول، وشحنه بمعنى جديد، اقتضته اللحظة الشعرية، ومستلزمات الصورة الفنية، وها هو عند (عز الدين ميهوبي) يدل على معاني الموت، بل هو أحد أشكاله في النص:
من ثقب الباب يجئ الليل
وتطلع شوكة صبار سوداء بحجم
القبر المنسي بعيدا
الليل يجئ وحيدا
من نافذة الخوف المخبوء
يأتي الفرح الموبوء
وهذا الليل فجيعة
من ثقب الباب
يطل غراب
عنقاء الموت تحط على شجر الليمون..
الصمت جنون
فتكسر الأجفان
" لا غالب إلا... الموت
"لا شئ سوى الغفران
وصمت الليل فجيعة ( )
فالصورة الرمزية مشبعة بالقتامة ومشحونة بالرهبة والقلق من الراهن المخيف، الملئ بالمخاطر. إنّ الرمز هنا لم يسيطر تماما على القصيدة، ولكنه أصبح أداةً فنية من أدوات شعر التفعيلة.
ويحتمي (محمد الأمين سعيدي) بمجموعة من الأساطير المتنوعة، لتتحول إلى رمز شعري شفاف، يفيض بالدلالة؛ ويحقّق الرؤيا والنبوءة ،فثمة لقاء واضح بينأساطير( العنقاء والسندباد
و البطل الطروادي) لعلّها تعينه على الوثبة والنصر المنتظر:
أموتُ
لأولدَ من رحمِ السِّحر في كيمياءِ المدَى
و أولدُ مثلَ الصَّدى
فأنا بربريُّ العروبةِ
أجعلُ من أَحْرفي أحصنةْ
و فوارسَ تركبُ ظهرَ الرَّدى
أُغِير على المدُن المؤمنةْ
بالعدمْ
إنَّني سيدُ الحربِ
أستحضرُ الكلماتْ
لأحرقَ في القلب طِروادتي بالقلمْ
بلهيبِ المعاني
بالأسئلةْ
ثم أسعَي إلى الموتِ أحملُ في داخلِي وطناً
وتحملُني مقصلةْ ( )
فالرمز الأول مارس فعل الولادة، ليعيد تشكيل انتماء الذات الشاعرة ؛ وهويتها البربرية التاريخية، والثاني انزاح به من عالم البطولة الحربي إلى عالم البطولة الشعري بالحروف والمعاني. أمّا رمز السندباد فهو الشاعر نفسه الذي يخاطر بكل شيء من أجل وطنه الغالي، « فالشاعر لا يطلب الموت من أجل الموت، بل من أجل حياة جديدة، يصبو إلى الموت أملا بحياة أخرى غير هذه الحياة»( )، وهو الأمر ذاته الذي تفصح عنه قصيدة الانبعاث في نماذج كثيرة من شعرنا العربي المعاصر عند خليل وحاوي و السياب وأدونيس والبياتي وغيرهم.
ويبدو أن العودة إلى الأسطورة أضحت ضرورة ملحة عند شعراء المدرسة الحرة ( التفعيلة)، فقد أرجع ( عبد الحميد هيمة ) ذلك إلى «عجز اللغة التقليدية عن أداء الوظيفة التوصيلية»( ). كما إنّ حاجة الشعراء إليها أملتها شروط وضرورات حياتية معاصرة، على اعتبار أن في الأسطورة مناخا ملائما للتعبير عن النفس الإنسانية، وطموحاتها السامقة التي ما عادت متوفرة في أيامنا هذه.
وإضافة إلى استخدام الأساطير الفنيقية والغربية نلفي جمعا من الأساطير الشعبية، لعلّ أبرزها دورانا في المتن الشعري الجزائري أساطير ألف ليلة وليلة كالسندباد وشهرزاد وشهريار .
يستغل (فاتح علاق)تقنيتي الرمز والتناص بالتناوب في قصيدة (انكسارات ربيعية) فيستحضر أسطورة السندباد، لتكون حلاً لما حلَّ من حصار ودمار واقع:
هذا زمان أضاع الطريق
فكن أنت أنت
غمرتنا مياه المحيطات سهوًا
ولا سندبادَ لنا غير هذا الحريق( )
إنّ الشاعر في هذا النص ليس هو السندباد كما تعودنا في توصيف الشاعر/السندباد، بل هو سندباد (النحن)، المنحصر في (الحريق) والمشار إليه في الجملة الاسمية ( فلا سندباد غير هذا الحريق)؛ ليتحقق حلم الشاعر والجميع، بوطن آمن ومستقر.
تتعدد دلالة السندباد في فضاءات دلالية رحبة، فيأخذ رمزية النار من دال الحريق، التي قد تكون بردا وسلاما، أو دلالةً على الانبعاث والتجدد، والحياة المشرقة في الغد، أو لعلّها إرادة التغيير عند الجميع، وبهذا غدا الرمز مفتوحا على فضاء تأويلي، لا نهائي.
أمّا الشاعرتان (عمارية بلال) و(سامية عليوي) فقد استفردتا بمفهوم شهرزاد الأنثى المظلومة من الزاوية الأنطولوجية، لتفصحا عن مخاوفهما وهواجسها تجاه الرجل الأيقونة في المتخيل الأنثوي ؛ فشهرزاد اليوم عند (عمارية) تعيش التاريخ نفسه والموت الصامت كل برهة، فوجودها معلق بين الحياة والموت:
هو ذا صراخك يرتفع عاليا
كل يوم ..
يا شهرزاد..
وسط فضاءات الكهوف
الزجاجية
هو ذا صراخك يزداد ارتفاعا
كل يوم
رغم الأعوام
وتغير الألوان
ولا فرق بين غرف شهريار
وزنزانات الموت بالمزاد( )
فحكاية شهرزاد هي حكاية كل أنثى عبر السنين؛ إنها لا تمل من المحاولات المتكررة؛ إرضاءً للرجل ولكنه يقابل كل ذلك بالكنود ، ويبقى الحال على حاله بالنسبة إلى الشاعرة. إن الرمز هنا كان بسيطا، ولا يحتاج الى إعمال الفكر حتّى يفهمه القارئ؛ فقد كان معادلا لموضوع لطالما شغل نوازع المرأة.
وفي السياق ذاته تمتح سامية عليوي من ألف ليلة وليلة رمزا يغنيها عن رموز عدة، تقول:
ففي القصيدة وحدها،
أجدُ الشجاعة كلّها
كي ما أدافع عن وجودي
وفي فضاءها وحدها
أجد المساحة كلّها
لأحط خارطتي، وأبتدع بنودي.
أنا قد سيَّجت - يا مليك - سواحلي،
أصدُّ قوافل التتر الـ
ترابط من دهور في حدودي
ذرني( )
رمز شهرازاد هو الشعر في خلد الشاعرة، إنها تستخدم تراث ألف ليلة وليلة بطريقة رمزية، فبوسيلة اللغة تدافع عن كيانها وانشغالها الوجودي، وبواسطتها تتأسس "القصيدة الأنثى" المسكونة بالتمرد والتحدي عند المرأة.
2- ترميز التاريخ ومساءلة الراهن:
يغتني الشعراء من أبواب التاريخ الواسع، فيخلقون من الشخصيات والأحداث العظام التي تألقت عبر الزمن رموزا وعلامات معاصرة، وهكذا وبفعل انتقال المادة التاريخية إلى حقل الفن والإبداع تأخذ مواقع حديثة ومدلولات جديدة؛ لأن التشكيل فعل فعلته بالإسقاط والتحويل والتحوير والتناظر.. وغيرها، فأضحى رمزا له معناه السياقي، و رؤياه الجمالية في النص الشعري.
كثر استخدام رمز" الأوراس" في العينات التي اخترناها فلا طالما" تغنى الناس بالثورة وبجبال الأوراس التي انطلقت منها الثورة فحق للشعراء إذاً أن يكونوا السباقين للإشادة بالأوراس معقل الثورة وأن يتغنوا بمآثره وأمجاده، بكبريائه وصموده، بشموخه وعظمته، خاصة وأنهم أكثر الناس إحساساً وأكثرهم قدرة على التعبير عن المشاعر والأحاسيس، وإن تباينت المواقف واختلفت الرؤى من شاعر إلى آخر"( ).
وقد ذكر الأوراس على أكثر من صعيد في نماذج شعرية من جيل السبعينيات والثمانينيات، خاصة عند عياش يحياوي ، وعبد الله حمادي، وعز الدين ميهوبي، وعبد العالي رزاقي، ومحد زتيلي، دالا على لهيب النار المعتلج في صدورهم، ويختزل الأوراس طوق النجاة في رؤية الوطن الأمن ، ولكنه بدأ في التضاؤل في الآونة الأخيرة، نظرا لانفراد كثير من الشعراء بتقنيات جديدة كالومضة، واستغلال البياض في النص، وحضور اليومي والشعبي وغيرها؛ الأمر الذي حدّ من طاقة حضور التاريخي في نصوصهم.
وفي واقع الأمر لا يخرج الأوراس في أغلب النماذج عن دلالة الشموخ والتحدي والمقاومة، فهو صوت الثوار والأجيال، أو هكذا يجب أن يكون دائما عند المناضلين و الشعراء الحقيقين،« فالشعر في نظر الشاعر رسالة نبيلة،يجب أن تؤدى على أكمل وجه،ومسؤولياتجسام،تتمثل في بناء مجتمع جديد،وتربية جيل جديد،وخلقحركة جديدة»( ). ويأتي سياق تشكيله في حاضر موبوء، وعصر فُقدت فيه القيم الثورية والنضالية، يقول (أحمد شنة):
مولاي السلطان..
أصدّق كل خرافاتك.. أصدّق كل بياناتك
لكني أرفض أنْ يحيا أوراس بأفكارك..
فهنا شعب سجد التاريخ له .. وهنا شعب لم يلمس أقدامك( ).
الرمز هنا بسيط، لكي نكتشفه، فالمقطع خالِ من الدهشة والإبهار، والصورة ككل تقريرية مباشرة كأنها سرد للحادثة التاريخية، إذ يصبح الأوراس بيانا لفكرة الثورة، وصوتا ناطقا بالرفض، دون فهم جديد له.
وليس الأوراس فقط من ذكر في شعرنا، بل هناك أماكن تاريخية تحوّلت بفعل الشعرنة( ) إلى رموز، لذلك تحضر فلسطين بكونها فضاء قدسيا، غاليا في عقيدة الشعراء ، يقول (أحمد شنة):
فلسطين أنت الشعار الوحيد
إذا قرر العرب
شاء القدر
فلسطين ..أنت الخلاص الوحيد
إذا لم نمت فيك
مات الشجر
فلسطين انت الغرام الوحيد
إذا لم نذب فيك ذاب الحجر( )
فاللغة هنا كما في السابق لا غموض فيها، ولا كثافة شعرية، لأنّ فلسطين( المكان التاريخي المقدس) سيطر على الخطاب، والخط الذي رسمه الشاعر، لينشغل بمفردات الشعار والخلاص والغرام، التي تحفظ الرؤية الشعرية، رغم أنّ فلسطين الرمز تحوّلت إلى بؤرة المعنى الشعري؛ لتغدو رمزا عاما يسكن قلب الشاعر، بل هي قضيته الجوهرية. ويستعين بأسلوب التكرار ليعمّق انتماءه للقضية الأم/ فلسطين، «لأن التكرار بساعد على تعميق الجو العاطفي ، وعلى تعميق الجو الفني»( ).
ومن أماكن التاريخ التي استدعيت في قصائدنا مدينة " سبأ"، فهي في هذا النص رمز للألم المفجوع، والوجع المؤلم الذي يعتري الشاعر "ياسين بن عبيد"، يقول:
قرأت على مرمر الأغنيات
صرير يديك توهّجتا عنبا
بعد بلقيس كلّمتاني من الصرح
كي استعيد صهيلي
وكي من زجاج الجراح أطل مساءً
أستأنف الوجع المتجلي
على سبأ من أنين الغروب( )
فـــ سبأ هنا تكشف عن جراح الشاعر، وأوجاعه العديدة، عكس ما عرفت عنها في الذاكرة التاريخية.
وهناك أماكن كثيرة مذكورة في المدونة الشعرية الجزائرية، بكونها رموزا تستشف من طرائق تشكيلها، ومدى عناية شعرائنا به جماليا ودلاليا، ومنها: سيرتا، الأهقار، سيتيفيس، بغداد، الإسكندرية، باريس، وغيرها.
3–تحولات الرمزالصوفي وتهويمات الذات الشاعرة :
وحينما نعرج على الخطاب الصوفي ، إلى عوالم أكثر انطلاقا، وتشوفا؛رغبة في التعبير عن معاناة الذات، وغربتها الشاعرة، نستشف لجوء شعرائنا إلى الرمز الشعري، الذي ينسجم والطبيعة الصوفية، بتلويحاتها وتهويماتها العديد،" فلقد كان طابع الرمزية طابعًا صوفيًا يبحث عن كل مثالي وجميل، ويتمثل ذلك الطابع فيما كان يؤمن به بودلير من الجمال المثاليّ"( )؛ وفي المقابل هناك مراحل أيضا يسلكها الشعراء، ويتدرجونها للوصول إلى منطقة المطلق والجمالي.
يبدو إن موضوع المرأة ما زال يسيطر على أغلب الشعراء الجزائريين المعاصرين، في إطار تجربة البحث عن المقدس والعلوي، فقد أضحت المرأة الأنثى عندهم رمزا دالا، وتجليا من تجليات الحب الإلاهي، يقول ياسين بن عبيد :
لليلى شعار في الهوى
ونار ليلى في الرؤى أم تنهد
عيوني أرانيها الهوى جزرا نأتْ
ولكنها ليلى بها تتسهد
وبيني وبين النور ليلى محيلة
أنا في هواها جملة غير واحد
أنا في هواها واحد يتعدد( )
ولكن ثمّة تحولات في الرموز الصوفية (المرأة)، وبالضبط عندما تتعانق مع موضوعات أخرى في اللاوعي الجماعي، وفي حالات البحث عن السماوي، والمتعالي عن الواقعي، والمضمر في الذات المجروحة المغتربة.فقد أضحت المرأة أيقونة في الشعر الخمري تعادل الإلهي في قداسته وعليائه،يقول: إدريس بوذيبة:
أحبك حبين
حب الهوى
وحب لأنك صحوي وسكري
ونون إنشوائي وما يسطرون( )
يفصح الرمز الصوفي من خلال حضور غياباته الموروثة ( مقولة رابعة العدوية، مفردات الخمرة، ومعاني الآية الكريمة) عن توتر الذات الشاعرة، وأزمتها الحادة، إنها تعاني الفقد حاضرا، فتلجأ إلى استدعاء رموز المحبوبة، عن طريق استخدام كاف الخطاب ، الدالة على الأنثى، أملا في تحقيق الارتواء والخلاص النهائي.
تركيب:
ممّا تقدّم نخلص إلى أنّ دراستنا للرمز الشعري في قصيدة التفعيلة أفضت إلى جملة من الاستنتاجات نوجزها كما يلي:
- لا تختلف تشكيلات الرمز في الشعر الجزائري المعاصر؛ عمودي أو تفعيلي، من حيث الخروج بالنص من حدود البنية إلى فضاءات الرؤيا؛ فلكل شاعر إمكاناته، ومواهبه في تشكيل رموزه، فقد ينجح العمودي ويخفق (التفعيلي) أو العكس.
- ساهمت تيمات: الوطن المجروح / أزمة الذات المنكسرة/ النبوءة والخوف من المستقبل المجهول في الاستنجاد بشعر التفعيلة، لتفريغ الرؤية الشعرية، والتعبير بحرية عن فيوضات تعج بها الذات الشاعرة خصوصا بعد التسعينات، وما أفرزته من تحولات نفسية و اجتماعيةعند الجزائريين عموما، والشعراء بدرجة أولى.
- ساهم شعر التفعيلة في إثراء وظيفة الرمز وغاياته؛ لأن الرمز تعبير عن الباطني كما أن هذه النوع الشعرييخضع للباطن، ولا يهتم اهتماما كبيرا بالشكل والمادة، إنهيفر من ضوابط النمط التقليدي العمودي في أكثر اللحظات.
- اعتمد بناء الرمز في شعر التفعيلة على تقانات جديدة؛ درامية، وطباعية (البياض) وعنوانية؛ ما فتح آفاق عدة لشعرائنا المعاصرين للتفنن في تشكيل الرموز، إما باستحضارها أو استدعائها، ثم توظيفها بمرونة وطواعية، انسجمت مع ايقاع التفعيلة الرحب واللامتناهي.

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 21 جمادى الأول 1439هـ الموافق لـ : 2018-02-07



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
صدور الكتاب الثاني للدكتور رضا عامر
الدكتور : رضا عامر
 صدور الكتاب الثاني للدكتور رضا عامر


هجومات20أوت1955م بالشمال القسنطيني ذكرى وعبرة وقيم تتجدد عبر الأجيال
بقلم : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
 هجومات20أوت1955م بالشمال القسنطيني  ذكرى وعبرة وقيم تتجدد عبر الأجيال


للباكية أيّام الأعياد.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                                 للباكية أيّام الأعياد.


وطار رائد الإبداع الجزائري و العربي في ذكراه الثامنة ( الجزء الثاني)
بقلم : الأستاذة أسماء بن عيسى
وطار رائد الإبداع الجزائري و العربي في ذكراه الثامنة ( الجزء الثاني)


الأديب الطاهر وطار كان من رواد الأدب الثّوري النّضالي
بقلم : علجية عيش
الأديب الطاهر وطار كان من رواد الأدب الثّوري النّضالي


الباحث في الفلسفة د. فارح مسرحي لـ
حاوره : نورالدين برقادي
الباحث في الفلسفة د. فارح مسرحي لـ


محمد الصالح يحياوي ... شمعة من تاريخ الجزائر تنطفئ ..
الدكتور : جعيل أسامة الطيب
محمد الصالح يحياوي ... شمعة من تاريخ الجزائر تنطفئ ..


الطاهر وطار في ذكرى رحيله
بقلم : جيلالي عمراني
الطاهر وطار في ذكرى رحيله


خطاب اليقين .
بقلم : جيلالي بن عبيدة
خطاب اليقين .


استهداف المؤسسات الثقافية الفلسطينية
بقلم : شاكر فريد حسن
استهداف المؤسسات الثقافية الفلسطينية




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com