أصوات الشمال
الأربعاء 15 شعبان 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * من ذكريات الطفولة   * الدولة و نموذج اقتصاد للمعرفة مقاربة نسقية شاملة .. الابعاد البينية و العرضية    * إشهار الأفكار والابتكار   * مجلس الامن يجتمع ليكافح فيروسا مجهريا فتاكا   * شاعر مأساة بغداد   * لا تقلق    * رضاب الممكن   * كورونا وغطرسة الغرب   * زمن الجزائر..زمن كورونا..لن يسقط الوطن..لن يسقط   * الإنسان في عصر فيروس كورونا..   * نداء منظمة "آفاز" الدولية و هيئة الأمم المتحدة    * ابن خلدون و أثر الأمراض في انحطاط التاريخ: هل ما يحدث اليوم هو موت لعالم قديم وإيذان بولادة جديد !؟   * ياعلي   *  مسلوبة الحق في الطفولة محطمة الأحلام في ربيع العمر    *  متابعة نقدية في ديوان "رحيق الزنبق" للشاعرة عبير البحر   * إلى شعراء الحجاز   * دور المدرسة في بعث مفهوم التّعايش وترقية المُوَاطَنَة في وقت الأزمات   * المقامـــــة الكاvــــــيّة *   *  الحجر المنحرف للّصوص.   * أباطرة الإحتكار    أرسل مشاركتك
نافذة على المنظومة التربوية
بقلم : الأستاذ عبد الحميد إبراهيم قادري
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 567 مرة ]
عبد الحميدإبراهيم  قادري

المنظومة التربوية في الجزائر تعيش تحديات عديدة،و تتقاذفها الأمزجةو الإديولوجيات ،كل يريد أن يشكلها على شاكلته التي يفكر بها،مما جعلها محل انتقاد من الجميع ويلصق بهاكل نقيصة،تقع في المجتمع،وأصبحت حلبة للصراع السياسي و الفكري.
في هذاالإطار نفتح نافذة نطل منها على المنظومةالتربويةفي بلادناو نتحدث عن المراحل التي قطعتها، والهزات التي أصابتها،و المقاومة التي تواجهها.

نافذة على المنظومة التربوية
إن المدرسة الجزائرية مرت بمراحل هيكلية،و معاناة في تطور مناهجها و برامجها و أهدافها،وقد استهدفتها ردود أفعال متباينة،و صراعات فكرية و أيديولوجية،و اشتبكت في ميدانها الأيدي،مما أثر على استقرارها و حسن أدائها،وأدى إلى درجة تخريبها أحيانا.
مرحلة التأسيس: ففي بداية الاستقلال،اصطدم القائمون على المدرسة،بفراغ رهيب من الإطارات و الهياكل،و قد خرجت الجزائر من حرب أتت على الأخضر واليابس،وكانت السنة الدراسية على الأبواب،و الأغلبية الساحقة من الشعب أبناؤهم خارج المدرسة ينتظرون مقعدا في المدرسة خصوصا أبناء الأرياف الذين كان لهم الدور الكبير في تحرير الجزائر،فمن حقهم أن تحتوي المدرسة أبناءهم و بناء عليه قررت أول حكومة جزائرية أن تفتح المدرسة في وجه الأطفال،كما تركتها الإدارة الفرنسية ببرامجها و وسائلها،و لتوفير المقاعد مع نقص في الهياكل،استعانت بالشعب في القرى و المداشر فتبرعوا ببيوتهم المتواضعة للدولة فاتخذها القوم أقساما دراسية، وفي هذا الوضع انطلقت السنة الدراسية.
وظفت الممرنين لملء الفراغ وسد النقص فالنسبة للغة الفرنسية التي كانت هي لغة التعليم وظفت الذين تعلموا في المدارس الفرنسية كونهم يملكون قاعدة علمية و يحملون الشهادة الابتدائية، و بالنسبة للغة العربية التي كانت حصصها محدودة،وظفت المتعلمين الذين يملكون ثقافة لغوية محترمة ، كونهم تعلموا في المدارس الحرة و في الزوايا و الكتاتيب القرآني ،فكان ينقصهم الشهادات الإدارية الرسمية التي تحدد المستوى
و لم يكن التوظيف توظيفا مباشرا،و إنما بعد مناظرات عن طريق امتحانات كتابية وشفهية كإجراء مؤقت،للتأكيد من مستواهم وتحديد معرفتهم وأهليتهم للتعليم،و لا يسمح لمن يفك الحروف يصبح معلما يتحكم في مصير الأطفال كما يحلو للبعض وصف الممرنين،وصاحب توظيف الممرنين فتح الورشات الثقافية الليلية و تنظيم التربصات المغلقة،في العطل الرسمية لتطوير مستويات الممرنين و تدريبهم على الأداء التربوي،و قد أثمرت تلك المجهودات حتى أصبح الممرنون في وقت قياسي يزاحمون تلاميذهم في امتحانات الأهلية و البكالوريا،ويشاركونهم في مدرجات الجامعات،مما أثار حفيظة البعض الذين يريدون احتكار المعرفة لأنفسهم،و جعلها في طبقة معينة، ثم تحولوا إلى أساتذة يحملون شهادات جامعية،وأصبح منهم مفتشون يؤطرون المعلمين،الذين تخرجوا من المدرسة النظامية، و بالممرنين عامة،أقلع قطار تعريب المدرسة الابتدائية،وبتلاميذهم أقلع تعريب التعليم المتوسط ثم التعليم الثانوي فالجامعي.و في تلك المرحلة استعانت الدولة بالمتعاونين العرب،من بعض الدول الصديقة و و هكذا انطلقت المدرسة بالإمكانات المتاحة بالمستوى المتواضع.
مرحلــة الجــــزأرة:انتقل القائمون على المدرسة خطوة أخرى،لجزأرة المدرسة الجزائرية،في إطاراتها و برامجها وثوابتها،التي تتلخص في:" الإسلام - اللغة – المواطنة " و هذه الأهداف لن تتحقق إلا بتكوين الإطار الجزائري تكوينا علميا و تربويا،و لن تتفعل المدرسة و تصبح وطنية إلا بتحقيق تلك الأهداف،ففعَّلوا مدارس تكوين المعلمين التي كان بعضها قائم،ثم إنشاء المعاهد التكنولوجية للتربية،لتخريج المعلمين و أساتذة التعليم المتوسط في جل الولايات،تلاه تأسيس المدرسة العليا للأساتذة لتخريج أساتذة التعليم الثانوي،وبهذا النهج استطاعت الدولة أن تؤسس مدرسة جزائرية في مستوى الإمكانات التي وضعها المجتمع بين يديها،ومع تواضع تلك الإمكانات،التي كان يحدو رجالَها الإخلاصُ و التحدي،استطاعت المدرسة الجزائرية،أن تتحرر من التبعية،ثم شجعت الدولة البعثات العلمية إلى مختلف الجامعات العلمية العالمية،وبتلك الإمكانات كونت الجزائر إطارات في مختلف الاختصاصات علمية و أدبية و فكرية،أصبحوا مطلوبين من دول عريقة في التقدم،وتعد مدارسها أكثر تقدما .و ما أنتجته المدرسة الجزائرية في هذه المرحلة لا ينكرها إلا ناكر ،و هؤلاء الإطارات التي صنعتهم المدرسة هم الذين سينزلون إلى حلبة المعركة الفكرية و الإيديولوجية،ويجعلون المدرسة هي موضوع معركتهم الفكرية. وهم من يتنكر لها ويحملها و يحملها سبب التخلف و تدني مستواها ، وينتقد مضامينها التي تعلم عليها.
مرحلة الصراع الإيديولوجي:المجتمع الجزائري على مختلف مستوياتهم وطبقاتهم يقدس المدرس وينظر إليها المدرسة بعين الأمل،و يبني عليها مستقبل البلاد الواعد،و لكن كثرة المشاركين فيها،والطالبين لخدماتها،أصبحت المدرسة هي القطاع الوحيد الذي توجه إليه سهام النقد،و يُحمَّل كل الأخطاء و الموبقات التي يقترفها غيره من القطاعات الأخرى،ولتعدد الأطراف المشاركة في توجيه المدرسة وتشكيلها،صارت محل مراجعة دائمة،فلم يستقر لها قرار،و في كل مراجعة يركز على السلبيات الموضوعية،التي تفرزها المرحلة حتما،أحيانا تكون مقصودة للنيل منها،و أحيانا تكون عفوية غير مقصودة.
وفي كل مراجعة يكون الارتجال هو السائد،يضيفون إلى الأخطاء القائمة أخطاءً أخرى،تستهدف الايجابيات المكتسبة،والطامة الكبرى أن في كل مراجعة،يأتون بأسوإِ ما كان،مما جعل المنظومة تعيش في تناقض هيكلي وتباين فكري،وظلت رهينة في أيدي الفئات المتصارعة،و الإملاءات السياسية والفكرية التي تفرض فرضا على المدرسة،و هكذا يضيع التعليم بين الطموح المستقبلي،والنيات الحسنة العابرة،مع قلة الإمكانيات المادية التي لا يتحقق الطموح إلا بها،و أعتقد أن سبب هذا التباين مبعثه صراع فكري داخل المدرسة وخارجها،و الوقوع تحت تأثير العواطف،وضحالة التفكير،في صياغة البرامج و التذبذب وعدم الإرساء على إيديولوجية واحدة تميزها، هذه العوارض مجتمعة هي التي كانت سببا في ضعف أداء المدرسة نسبيا.
و الصراع القائم في الحفل التربوي،سببه ردود أفعال الأطراف التي تقود المنظومة التربوية،فإذا كان الذي يقودها،يعروبي الفكر،قومي السياسة،و طني الانتماء،و أراد أن يؤسس لمدرسة وطنية،لغتها العربية و مضامينها متفتحة على العصر،في إطار الحضارة العربية الإسلامية،و متحررة من كل تبعية،فتتحرك الآلات الخفية،ويصطدم بديناصورات،تعرقل له كل خطوة يخطوها نحو تحقيق مشروعه،أما إذا تولاها تغريبي الثقافة،فرنسي التفكير،يقوم بردة فعل تمحو كل المكتسبات التي تحققت على يد سابقه وخصمه الفكري،لكن بمجرد المساس بأيدلوجية المدرسة،تتحرك القاعدة التربوية و تتصدى له،فتكبح جماحه وتفسد عليه مشروعه،و قد لاحظنا ذلك، في الخصومة التي كانت قائمة بين القاعدة التربوية و الوزيرة بن غبريط.،و نتيجة هذا الصراع،تبقى المدرسة الجزائرية حقلا للتجارب،وحلبة صراع،تتقاذفها الأهواء،وعندما تأتي الساعة الحاسمة فستكون الغلبة للأقوى.
وللتاريخ فإن الوزراء الذين تداولوا على وزارة التربية،في المدة التي الممتدة من 1962 إلى 2000 إن المنظومة التربية،تولاه الشريف بلقاسم الذي مهد الطريق لتحويل المدرسة من مدرسة فرنسية إلى مدرسة جزائرية،وعمل على فتح المجال أمام جميع الجزائريين،بإمكانات متواضعة،و من بعده بن حميدة،الذي أنصف المعلمين الأحرار الذين مارسوا التعليم في مدارس جمعية العلماء و مدارس حزب الشعب و بعض مدارس الزوايا المنتظمة،و قد استعان بهم في تأطير التعليم العربي كمفتشين و مستشارين ومنشطين للورشات التكوينية،ثم يأتي من بعده أحمد طالب الذي عرب العلوم الاجتماعية،و أسس الشعب العلمية المعربة في الجامعة باستثناء الطب،لأن التأطير فيه باللغة العربية كان ضعيفا في جميع الدول العربية،ثم جاء عبد الكريم بن محمود الذي عرب التعليم الثانوي جزئيا.
وبعد هذه الجهود يأتي مصطفى الأشرف،فصمم على محو المكتسبات المحققة،و إعادة نظام التعليم المزدوج،وتعليم المواد العلمية باللغة الفرنسية،على غرار التعليم المدرسي الفرنسي في عهد الاحتلال،بحجة التمكن من التحكم في العلوم العصرية،التي لا يمكن أن يتحكم فيها باللغة العربية، ،باعتبار اللغة العربية غير قادرة على استيعاب العلوم العصرية حسب رأيه ورأي أشياعه.
و لكن ردة فعل القاعدة التعليمة،و هجوم النخبة المثقفة المعربة على المشروع،و مساندة نتذكر ما كان يكتبه حول التعريب عثمان سعدي و عبد الله شريط و عبد الله الركيبي و الجنيدي خليفة وغيرهم كثير ، ثم أن القيادة السياسية التي تصدر عن قومية عربية إسلامية،انتبهت و تفطنت لما وراء مشروع الأستاذ الأشرف،فألغت المشروع،فجاء محمد خروبي الذي أقلعت في عهده المدرسة الأساسية و تطبيق أمرية 16 أفريل 1976،لتبطل كل تأويل، وسد كل ثغرة تمس بفلسفة المنظومة التربوية،وألغي التعليم المزدوج نهائيا،وأصبحت المدرسة الجزائرية جزائرية بأتـم معنى الكلمة بمضامينها و برامجها و إطاراتها التي تخرجت من الجامعة باللغة العربية في مختلف التخصصات، وحتى أساتذة الرياضيات باللغة الفرنسية و العلوم الطبيعية و الفزياء و الكمياء أكثرهم تحولوا للتدريس بالعربية و لم يجدوا صعوبة في ذلك،و أصبح منهم المفتشون العامون،و القليل تحول إلى تدريس اللغة الفرنسية، وقد أشرف على تطبيق المدرسة الأساسية مربون أنتجتهم المدرسة الجزائرية و خبراء جزائريون من أمثال الأساتذة:بن قادة و عبد القادر بن محمد و مولود حروش و عبد الرحمان شيبان و الطيب العلوي و عبد القادر فضيل و عبد الله غلام الله وغيرهم .
و هكذا دخلت المنظومة التربوية مرحلة جديدة من التغيير،دعمته إجراءات ثورية طموحة،ترجمت في قيام المدرسة الأساسية بأطوارها الثلاثة،وتطبيق أمرية 16أفريل1976بأهدافها الوطنية والعلمية،ولعل أهم مكسب تحقق منذ الاستقلال من خلال قيام المدرسة الأساسية هو"وحدة لغة التعليم" حيث أصبحت اللغة العربية هي الوسيلة الأساسية للتعلم،بها يفهم التلميذ كل موقف تعليمي،وصار التلاميذ جميعهم يفكرون بلغة واحدة هي اللغة العربية،وتحررت المدرسة نهائيا من التبعية الفكرية في المضامين وتوحد التعليم،من أجل تنشئة مجتمع موحد الأفكار والاتجاه،يؤمن بوحدة الوطن،ويتشبث بلغته ودينه،كبقية شعوب العالم المتحضر.
وبالمدرسة الأساسية توسعت ديمقراطية التعليم، فأتاحت الفرصة للجميع،وأجبرتهم على التعلم والاستفادة من التعليم،في أية نقطة من نقاط التراب الوطني، حيث أصبحت المدارس تنبت كالفطريات في الصحراء، وعلى رؤوس الجبال،و في القرى و المداشر والأرياف.
لكن بمجرد الدخول في تطبيق نظام المدرسة الجزائرية،حتى جن جنون الطرف الآخر، وتحرك خبراء التربية في بلد ما،لمواجهة هذه التجربة بتحريك الجهاز السياسي في الخفاء،للتصدي لما يجري في الجزائر،فحركوا بيادقهم في الداخل،وجندوا عملاءهم لتكسير البناء التربوي الجديد،والإجهاز عليه في مهده بكل الوسائل والإمكانيات،فأخذوا يتصيدون كل سلبية ليعمقوها وكل نقيصة ليروجوها سياسيا و ينشرونها إعلاميا، وحتى الإعلام المعرب شارك في تشويه المدرسة الأساسية .
وقد ركزوا في حملتهم على السلبيات والمشاكل الموضوعية التي برزت أثناء تطبيق المدرسة الأساسية،و قللت من أهمية تطبيقها،وهونت من قيمة المكتسبات التي كانت ستجنيها المنظومة الوطنية،نتيجة للتراكمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أثرت بمجملها على شح توفير الموارد المالية،والوسائل المادية التي يشترط توفيرها لنجاح هذا النظام.
ومن أهم السلبيات التي تبلورت أما الأصدقاء و الأعداء،وتجسدت في الميدان بفعل الفاعلين هي:
- تفاقم المشكلة اللغوية نتيجة انعدام التنسيق،و غياب التكامل بين مراحل التعليم،مما أدى إلى ظهور عجز بعض الطلبة على متابعة الدراسة الجامعية،في الشعب العلمية والتقنية المتخصصة،لأنهم وجدوا لغة التعليم والبحث العلمي لغة أخرى غير اللغة التي تعلموا بها.
- انعدام التنسيق والتناسب بين سياسة التعليم،وعالم الشغل فولدت عنه بطالة مقنعة،تسببت في احتقان الشباب المتخرج من الجامعات.
- الارتجال في بناء المناهج والبرامج،بلجان لا تنسيق بين أعضائها،ولا تعاون،و لا مستوى يؤهلهم لصياغة برنامج،فتولد عن كل ذلك تراكم في المواد،وكثافة في الدروس،وضغط في التوقيت و لم يراعوا تطور ذهن الطفل الجزائري وذكاءه،مما كون في نفوس التلاميذ نفورا وتذمرا من الدراسة،و إذا جاؤوا بمنهج جديد أو مقاربة تربوية حديثة،يأتون بقوالبها،لكنهم لا يفقهون فلسفتها،ولا يعرفون تطبيقها عمليا،و لو فتشت على أثرها في الكتب المدرسية،فلا تجد إلا المصطلحات.
- ضعف وسائل التقويم التي ظلت سائدة منذ عقود،ولم تتجدد بتجدد الأهداف، و عدم الاتفاق على معايير التقويم،هل نقوم الذكاء وطريقة التعامل مع المادة للتصرف فيها؟ ،أم نقوم الحفظ و الكم ليرددها ويعيد تكرارها،وباختصار شديد،هل نعلم ليعلم الطفل؟،أم نعلمه ليعمل؟،و بهذا التعليم،فإن تلميذنا اليوم لا يستطيع أن يُجري عملية حسابية،في تعامله مع صاحب دكان مواد غذائية بحيه.
و قبل تتخرج أول دفعة من المدرسة الأساسية،تفجر الوضع في الجزائر،فاختطفه المتربصون،و اتكئوا على تلك السلبيات،فاتخذوها مبررا،وذريعة لهدم بناء المدرسة الأساسية،في فلسفتها و أهدافها،والعمل للتخلص منها،ثم ألصقوا كل نقيصة باللغة العربية،التي أصبحت لغة التعليم،وحاولوا جهد أيمانهم استبدالها،بنظام جديد مغاير يتسم بالتعددية اللغوية،والتعددية اللغوية التعدد المقصود هو اللغة الفرنسية فقط،بجانبها اللغة العربية كمسكن وتهدئة،وترك اختيار لغة التعلم للأولياء.
و ثم يأتي الأستاذ علي بن محمد،وفي مشروعه مواصلة تدعيم المدرسة الأساسية، و استدراك السلبيات التي صاحبت تطبيقها،و الشروع في إصلاح التعليم الثانوي،والعزم على الإقلاع بالمدرسة الأساسية إقلاعا جديدا،يضعها في مصاف المنظومات الناجحة، و يخلصها من كل التبعيات،و يحسم المسألة اللغوية نهائيا،وتبقى اللغة العربية أساسية و الانتقال إلى اللغة الانجليزية كلغة علمية ثانية،و تكون اللغة الفرنسية في المدرسة كبقية اللغات مثل الاسبانية و الإيطالية و الروسية و الألمانية،و لما أحس الطرف الآخر بكشف الأوراق و السير على السكة،فجن جنونه،فتحركوا لوأد مشروعه في المهد،ولم يتركوه يكمله،فكبحوا جماح طموحه،فامتدت إليه الأيدي الآثمة الخفية،التي لا تقبل أن تكون المدرسة الجزائرية عربية،و لا يحبون أن تسود الثوابت الوطنية،و بتعاون مع الأيدي الخائنة المحيطة به،و بإيعاز من السلطة النافذة التي بيدها الحل و العقد،و قد استغلوا الاهتزاز السياسي في الجزائر،فضربوه في الصميم وصنعوا له فضيحة البكالوريا،و بهذا المبرر استولوا على قيادة المدرسة،و عزلوا المخلصين وعوضوهم ببني نعم.
و عادت المعركة من جديد،و احتدم الصراع بين طرفين،طرفاه وطنيون يريدون أن تتفتح المدرسة على جميع اللغات الحية في العالم،وتبقى اللغة العربية لغة المدرسة واللسان المشترك بين جميع التربويين .
و متفرنسون يريدون أن تكون الفرنسية هي لغة التعليم،وتبقى اللغة العربية لغة أدب وتاريخ و مراثي،ثم ظهر طرف ثالث يريد أن تكون المدرسة على نمطين،نمط التعليم المزدوج،ونمط التعليم المعرب،و يكون كل نمط في مدارس مستقلة و يترك للناس اختيار النمط الذي يتعلم عليه أبناؤهم.
و في هذه المعركة أنتصر المسؤولون النافذون إلى الطرف الثاني،فأوحوا إلى القائمين على المنظومة بالعودة إلى نظام التعليم المزودج،و فرنسة المواد العلمية،كون العربية لا تسع لعلوم التكنولوجيا الحديثة،و تحت طائل الإصلاح،و قبل الدخول في مرحلة الازدواجية صراحة،فرضوا على التلاميذ كتابة الرموز العلمية بالحروف اللاتينية،وكتابة العمليات،من اليسار إلى اليمين،لتحضير التلاميذ و تدريبهم لقبول الواقع،و تهجين اللغة العربية، في كتابتها،ومن خبثهم جعلوا الوظائف في الشركات و في المؤسسات الخدماتية،والتوظيف في أجهزة الدولة،يشترطون اللغة الفرنسية،مما جعل أولياء التلاميذ يفكرون في مصائر أبنائهم،فيضطرون إلى الدروس الخصوصية في اللغة الفرنسية،وتسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة،و الشبه الخاصة المنتشرة عبر الوطن،كانتشار الأسواق الفوضوية الموازية التي مهمتها جمع المالولا تعنيها التربية،وهذا النوع من التعليم زاحف بقوة لتعويض التعليم المعرب من جهة،و القضاء على ديمقراطية التعليم التي يشارك في تهديمها أساتذة استفادوا من ديموقراطية التعليم،و لولا هذا النظام ما وصلوا إلى درجة الأستاذية،و لكانوا خماسين وخدام لدى الليبراليين .
في خضم هذه المعركة جاؤوا بمن يهدم ما تحقق،والعودة إلى نظام المدرسة الكلونيالية،الذي تعلم عليه بعضهم،وأصروا على تهميش اللغة العربية،التي ألصقوا بها كل مآسي المدرسة،وأحيوا فكرة مصطفى الأشرف التي لم تعش طويلا،فجاءوا بجبار من فرنسا ليطبقها بحماس فياض و حمل فأس الهدم ليغير البناء بتصميم جديد لا يمت للمعمار الوطني لكنه لم يطل بقاؤه،و بعد عودة الاستقرار السياسي،جاء بعده ابن بوزيد و بابا أحمد،وهذان ليس لهما في الحقيقة مشروع تربوي،فهما عبارة على موظفين ينفذان ما يطلب منهم،ثم جاءت نورية بن غبريط سليلة الاندماجيين،ونسخة من محمد لوزير التربية الفرنسي لتستكمل تنفيذ إعادة هيكلة المدرسة من جديد ،أما بقية الوزراء الذين تداولوا على قيادة المنظومة التربوية،فلا فكرة لهم عن التعليم،إلا المنصب و التموقع في موقع وزير يستنسخون خططهم نسخا،من منظومات تربوية،لا يعرفون من أسسها إلا الإعجاب بها.
وقد اتسمت المنظومة في هذه المرحلة بالارتجال في هيكلة الإدارة التربوية وعدم الاستقرار التنظيمي،والتدخل في تعيين وتغيير المشرفين على المستوى المركزي، و توكيل الأمر لمن لا يؤمنون بالمدرسة الأساسية مطلقا دون النظر إلى الخبرة والكفاءة،وتطبيق سياسة "الكوطة " السياسية،باسم الأسرة الثورية مرة،و باسم الإطارات النقابية مرة،وتحت مسميات تارة أخرى،فيهم من لا يملك مستوى يؤهله لتأطير مدرسة ابتدائية،فقد عينوا على رأس مديريات تربية أشخاصا لا يحسنون كتابة رسالة إدارية،ومفتشين يفتقرون إلى الثقافة البيداغوجية،يجهلون المصطلحات التربوية،ولا يستطيعون كتابة فقرة تربوية،ولا يعجزون على تنظيم ندوة تربوية أو تكوينية مما أدى إلى ضعف التسيير الذي نتج عنه التسيب واللامبالاة،وفشت ظاهرة الغش في الامتحانات و المسابقات ، وقد تنافس الجميع على الغش،مسؤولون و إداريون و أساتذة، كل يغش ليحصل على المراتب الأولى الكاذبة،حتى وصل الأمر إلى إنتاج شهادات مغشوشة ونتائج صورية.
نعود ونقول:إن المعركة الآن في عنفوانها،والمسؤولية الحضارية في أعناق الأساتذة والمعلمين،ليدافعوا عن وجود المدرسة الجزائرية في أهدافها وتوجهاتها،ويعملوا على تقويم الاعوجاج الحاصل،بدعم الإيجابيات فيها،ومحو السلبيات منها ، فالمبالغة في ركوب سفينة العصرنة سيؤدي لا محالة إلى الغرق في بحر الأوهام،إذا كان الإقلاع في غير الوقت المناسب،و في وقت هيجان البحر،أو يكون قائما فقط على الإعجاب بالآخر.
و للحفاظ على وطنية المدرسة و استقرارها، و السير بها نحو التطور يرى بعض المخلصين أن نجاح التعليم في الجزائر لا تقوم له قائمة،ولا يمكن القضاء على سلبياته التي علقت به،من ضعف في المستوى العام،وتفكك في المنهاج وتناقض في الاتجاه الفكري،إلا إذا أدخلت تغييرات جذرية على البنية التنظيمية للمدرسة.
ومن اللبنات الأساسية التي تدفع إلى التطور والتحكم في الحركية،و تضع حدا لتغيير الأهداف الأساسية بتغير الأمزجة والأهواء السياسية،وتتبدل بتبدل الأشخاص هو تأسيس هيئة وطنية للتربية،تتولى صياغة السياسة التعليمية،والسهر على تطبيقها،وحراسة ثوابتها الدستورية،وتبت في جميع القضايا التربوية،و هذه الهيئة يجب أن تتشكل من علماء في التربية،وعلم النفس وعلم الاجتماع،وأساتذة ومؤرخين يتمتعون بتجربة رائدة و كفاءة عالية.
وحتى هذه لن يتهيأ لها النجاح،إلا إذا كانت مستقلة استقلالا فعليا،لا يتدخل في شأنها طرف نافذ،ولو كان رئيس الجمهورية نفسه،و إلا فلا فائدة من إهدار الأموال،فكم لنا من مجلس أعلى،لكنه لا فعالية له إلا الاسم فماذا قدم المجلس الأعلى للغة العربية لتفعيل اللغة العربية،بل ازداد تهميشها من المحيط، وماذا قدم المجلس الاجتماعي و الاقتصادي للاقتصاد الجزائري.
لأن الشعارات والخطب البليغة،لا تجدي نفعا،ولا تدل على حقيقة أصحابها،ولا تكفي للحكم من خلالها على الرجال، فالذي يقوم الرجال ويحكم على صدقهم،وعلى حسن نواياهم،هو القول المقترن بالفعل،والذي يضع الرجال في مواضعهم الحقيقية،هو المحك المادي والسلوك العملي الذي يحمله كل رجل
والدليل على ما أقول أن منهم من كان مسؤولا على التعريب،ويرأس لجان التعريب على مستوى ولايته أو دائرته أو بلديته،في الوقت الذي كان رجال الحل والعقد ماضين في عملية التعريب،يخاطبون الشعب بالعربية ويتحدثون ويكتبون ويوقعون بها، وعندما جاء مسؤولون آخرون يخجلون من الحديث بها،و يفتخرون بقدرتهم على استعمال اللغة الفرنسية،و راهنوا على فرنسة كل شيء حتى الشؤون الدينية،تنكروا للعربية،وكفروا بماضيهم وركبوا زورق المسؤولين والسير في ركابهم.و تعاونوا مع الذي يريد هدم لغة المدرسة و استبدالها بلغة أخرى.
و إننا نعقد الأمل في النظام الجديد،وننتظر منه،إعطاء الأولوية لهذا القطاع، و وضعه في أيدي أمينة إخلاصا و كفاءة،و تعطى مناصب التأطير و التسيير للأكفاء عن طريق المناظرات و الامتحانات النزيهة،التي تقوم على التقويم النزيه،و لا تقوم على المحسوبية و الولاء و الغش المنظم،قلنا هذا لأننا شاهدنا هذه الظواهر السلبية،و عرفها كل الناس، و من يحاول محاربتها تهمشه عقلية الفاسدين من كل عملية،وتبعده نزاهته من أن يشارك في الغش..
سيدي خليل في 13 كانون الثاني جانفي 2020

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 19 جمادى الأول 1441هـ الموافق لـ : 2020-01-14

التعليقات
عبد الرحمن
 لك كل الشكر و التقدير أيها الأستاذ الكريم ، على مقالك، الذي شرّح المنظومة التربوية، تشريحا دقيقا وصائبا فكشف معظم الإيجابيات ومعظم السلبيات. فالذين عرقلوا المدرسة الجزائرية ، وكادوا لها كل الكيد هم ،وبكل تأكيد، المستلبون حضاريا و فكريا و عقائديا ، فهم الذين يرفضون الانفصال عن الاستعمار كل الرفض ، ويرون في الاستقلال جريمة لابد من عقاب أصحابه، وقد قالوها بالفم الملآن: الفرنسية غنيمة حرب ، وليتهم شاركوا في هذه الحرب ، بل كانوا ضدها، وكانوا مع الاستعمار قلبا وقالبا، حيث صوتوا يوم الاستفتاء سنة 1962م ضداستقلال الجزائر ، بل قالوا وبكل وقاحة: الجزائر فرنسية وإلى الأبد. ولكن إرادة الشعب الجزائري كانت هي الأقوى وهي الفيصل. ولما انهزموا اندسوا و تسللوا ، وللأسف ، في كل مفاصل الدولة الجزائرية ، وكلهم حزم وعزم على تخريب الجزائر ، ما استطاعوا إليه سبيلا، وفعلا خربوا كل مقومات الشعب الجزائري ، سرا وعلانية ، وهم يفتخرون بذلك أيما افتخار.وكل ذلك خدمة لسيدهم المستدمر. وخرابهم ما يزال مستمرا، والأحداث الأخيرة خير شاهد على ذلك. ولكن اللوم كل اللوم يتحمله الشعب الجزائري عن بكرة أبيه ، لأنه لم يحرك ساكنا ، وبقي يتفرج على مأساته التي تكبر يوما بعد يوم ، حيث صارت اللغة العربية غريبة كل الغرابة في ديارها ، وصارت مجهولة كل الجهل عند أغلب الشعب الجزائري ، وعلى رأسهم مدرسوها من الابتدائي حتى الجامعي ، وخاصة المختصون فيها من لغويين وأدباء. فالمتتبع لألسنتنا تصيبه الدهشة و الحيرة والغرابة، فكلامنا خليط من ألفاظ عجيبة وغريبة ، وكأنها تعود إلى عصر ما قبل آدم عليه السلام . فكلامنا لا يشبه أي كلام ، فلا هو عربي و لا هو فرنسي و لا هو أمازيغي . وكأننا لم ندخل المدرسة ساعة واحدة في حياتنا. لقد أخذتنا رياح الديمقراطية شذر مذر ، وجعلتنا أوراقا ، كأوراق الخريف ، واعتقدنا أننا تحررنا من الديكتاتوريةالمزعومة ، وفرحنا كل الفرح بالديمقراطية التي أبعدت عنا الانضباط و الصرامة و الحزم و العزم ، والعقاب و الثواب ، ودفعت بنا إلى أحضان كل أنواع التسيب و اللامبالاة و اللامنطق و اللامسؤولية ، فعثنا باسم الديمقراطية ، بأرض الشهداء ، فسادا و خرابا ، وضيعنا كل مقوماتنا التي ضحى من أجلها الشهداء الأبرار ، ولم تسلم حتى لغة القرآن الكريم . فالجزائر تحتاج إلى ثورة فكرية أصيلة جبارة يقودها أبناؤها الوطنيون المخلصون ، ويحققون لها استقلالا تاما غير منقوص. فوسائل التواصل الاجتماعي كفيلة بتحقيق ذلك. والسلام على كل جزائري وطني أصيل كريم شريف أبيّ.  




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

نهر الطفولة

زبير دردوخ
مواضيع سابقة
زمن الجزائر..زمن كورونا..لن يسقط الوطن..لن يسقط
الدكتور : وليد بوعديلة
زمن الجزائر..زمن كورونا..لن يسقط الوطن..لن يسقط


الإنسان في عصر فيروس كورونا..
بقلم : الصحفي فريد بوشن
الإنسان في عصر فيروس كورونا..


نداء منظمة "آفاز" الدولية و هيئة الأمم المتحدة
بقلم : علجية عيش
نداء منظمة


ابن خلدون و أثر الأمراض في انحطاط التاريخ: هل ما يحدث اليوم هو موت لعالم قديم وإيذان بولادة جديد !؟
بقلم : مصطفى محمد حابس : جنيف / سويسرا
ابن خلدون و أثر الأمراض في انحطاط التاريخ: هل ما يحدث اليوم هو موت لعالم قديم وإيذان بولادة جديد  !؟


ياعلي
بقلم : الدكتور ابراهيم الخزعلي
ياعلي


مسلوبة الحق في الطفولة محطمة الأحلام في ربيع العمر
بقلم : الأستاذ الحاج نورالدين بامون
 مسلوبة الحق في الطفولة محطمة الأحلام في ربيع العمر


متابعة نقدية في ديوان "رحيق الزنبق" للشاعرة عبير البحر
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
    متابعة نقدية في ديوان


إلى شعراء الحجاز
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
إلى شعراء الحجاز


دور المدرسة في بعث مفهوم التّعايش وترقية المُوَاطَنَة في وقت الأزمات
بقلم : علجية عيش
دور المدرسة في بعث مفهوم التّعايش وترقية المُوَاطَنَة في وقت الأزمات


المقامـــــة الكاvــــــيّة *
بقلم : البشير بوكثير
المقامـــــة الكاvــــــيّة *




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com