أصوات الشمال
السبت 23 جمادى الأول 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * نافذة على المنظومة التربوية   * كلمات الى زينب بنت قاسم سليماني   * كيف تكتب رواية جيدة   * هنيئا لك يا أرض الجزائر الطيبة..   * ديمقراطية   * جماليات النص الشعري عند سمير خلف الله-في ديوانه ترانيم عاشق الحمراء-   *  الألم والإبداع / الروح في حضرة الموت    * (الإتفاق على الحرب ) بما يشبه (الإتفاق على الكذب)   *  هل حراك الطلبة بعد النزيف الداخلي، اليوم يدعم صفوفه بمختلف الفئات العمرية؟!   * أحلام منسية   * ابن سبعين نَزيلُ بجاية...فكره وفلسفته   * الى الاديب اسامة فوزي   * قصة مسار التغيير في الجزائر وانتصار إرادة الشعب   * فوق سطوح الغربة للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي   * تحية لإيران   * أسئلة المعنى ورهانات الرمز - -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- بوقربة عبد المجيد   * رثاء البطل الشهيد قاسم سليماني   * بلوزداد، حكاية البطل وقصة العلم(9-10)   * جذور المعضلة الفكرية في بلادنا   * -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ    أرسل مشاركتك
جذور المعضلة الفكرية في بلادنا
بقلم : الأستاذ عبد الحميد إبراهيم قادري
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 430 مرة ]
عبد الحميد قادري

يقول المثل الأصولي " الاختلاف رحمة"و يقابله"الخلاف شر ونقمة"و انطلاقا من هذا نقول:إن تعدد الثقافات في بلاد نا هو علامة صحة،و غناء ثقافي يزيد في قوة المجموعة الوطنية،و التنوع في التركيبة البشرية هو قوة تحافظ علىسلامة المجتمع،و الاختلاف في الأراء الأفكار،هو عنوان للتقدم و التطور،و صيانة للمجتمع من الانحراف الديموقرطي و الاستبدادالسياسي بشرط أن تجمعنا قواسم مشتركة نعمل على التمسك بها و عدم الخروج عنها،و لانخالف بعضن فنتفتت و تذهب ريحنا ونكون لقمة سائغة في أعدائنا.في هذاالإطار سنشخص في الموضوع الآتي جذور المعضلة الفكرية في بلادنا، و للقارئ الكريم أن يحكم هل نحن في اختلاف أو في خلاف.

إن الشعب الجزائري الأمازيغي منذ فجر التاريخ نشأ على قيم،لازمته عبر تاريخه،تميزت بالإباء و رفض الهيمنة و الرضوخ لكل دخيل مهما كانت قوته،ولم يقبل أن يعيش مع كيان غير كيانه،و يندمج في أرومة غير أرومته،إلا من وجد فيه المماثلة في الحياة،والتشابه في العادات والتقاليد والمساواة في المعاملة،يقاوم كل من يحتل أرضه،حتى أصبحت المقاومة جزءا من حياته،جاءهم الفنيقيون فحولوهم إلى أمازيغ،وصبغوهم بصبغتهم فتحولوا إلى بونيقيين،ولم يبقوا فنيقيين وأسسوا دولة قوية مستقلة عن الفنيقيين، قادتها وجنودها كانوا أمازيغ.
وعندما جاء الرومان غزاة،ورأوا فيهم الصلف و الاستكبار،قاوموهم مقاومة عنيفة،ولم يخضعوا لهم طرفة عين،ولم يعيشوا معهم عيشهم مع الفنقيين،فالتجئوا إلى قمم الجبال،و بغاز الصحاري ولم يخضعوا لهم،ولم يسالمهم من الأمازيغ إلا القليل ،وعندما جاء الوندال و البزنطيون تعاملوا معهم ،نفس المعاملة التي تعاملوا بها مع الرومان، فلم يختلطوا بهم و لم يتأثروا بثقافتهم.
و جاء العرب المسلمون إلى أرض الجزائر،وعرف الأمازيغ نيتهم،أنهم جاؤوا مبشرين لا مستعمرين،وفاتحين لا محتلين،فاعتنقوا الإسلام،و رحبوا بأهله،وتعاونوا معهم على تحرير الأرض من هيمنة الروم،وبعد انتشار الإسلام صار الأمازيغ هم من يحملون راية الإسلام،ينشرونه في أوربا وإفريقيا،واستعربت الأكثرية من الأمازيغ،و تمزَّغت الأقلية العربية،حتى أصبحوا خليطا لا يفرقهم فارق،كلهم يتكلم العربية ويتعلم بها مختلف العلوم،محتفظين بلهجاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وخصوصياتهم الإقليمية،و لم يقفوا يوما ضد العربية،بل أصبحت العربية و الأمازيغية وجهين لعملة واحدة هي الإسلام عملة،وقد قال ابن باديس الأمازيغي أصلا وفصلا:"فلما جاء العرب وفتحوا الجزائر فتحا إسلاميا لنشر الهداية،لا لبسط السيادة،وإقامة ميزان العدل الحقيقي بين جميع الناس،لا فرق بين العرب الفاتحين و الأمازيغ أبناء الوطن الأصليين ...دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام ، وتعلموا لغة الإسلام العربية طائعين،فوجدوا أبواب التقدم في الحياة كلها مفتوحة في وجوههم،فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة،و نافسوهم في مجالس العلم،وشاطروهم سيادة الملك و قيادة الجيوش،وقاسموهم مرافق الحياة،فأقام الجميع مسرح الحضارة الخالدة،فاتحدوا في العقيدة و النحلة،كما اتحدوا في الأدب واللغة فأصبحوا شعبا واحدا عربيا متحدا غاية الاتحاد،ممتزجا غاية الامتزاج، وأي افتراق يبقى،بعد أن اتحد الفؤاد و اتحد اللسان" هكذا كان الجزائريون يرى أنفسهم.
لم يظهر التصنيف العرقي،والتقسيم اللغوي،وتكوين النعرات القبلية،إلا عندما ابتلي الشعب الجزائري بالاستدمار الفرنسي،الذي وظف كل إمكاناته،المادية المعنوية،لهدم الوحدة الوطنية،وطمس الهوية الجزائرية،لكن هيهاتـ أن يتحقق لهم ما كانوا يمكرون،بفضل تماسك هذا الشعب أيام المحنة الاستعمارية. وبفضل المقاومة الحضارية.
و قد جرَّب الجزائريون السياسة السلمية،مع الاستعمار لكن تبين أن الاستعمار الاستيطاني لن تهزه المطالب السلمية،ولا الشعارات السياسية،ولم تؤثر فيه الخطب والقصائد الشعرية،فانتقلوا إلى المواجهة المسلحة، فخاضوا ثورة عارمة أعادت لهم حقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية.
و في الكفاح المسلح لبى الجميع نداء الجهاد،وتنازلت الجمعيات السياسية التي كانت تشكل الحركة الوطنية عن مناهجها،وتخلت عن أساليبها و اتجاهاتها الفكرية،لصالح الثورة المباركة،فاجتمعت كلمة الجميع،حول نقطة واحدة،هي الاستقلال،واستعادة الدولة الجزائرية،بحدودها وكيانها السياسي والمعنوي والثقافي والاقتصادي.وذابت مؤقتا في تنظيم واحد هو تنظيم جبهة التحرير بجناحيها السياسي العسكري،الجميع يكافح،و لسان حالهم يلهج بالاستقلال الوطني الكامل.
وكل واحد من رجال الثورة كان يحمل في ذهنه - و لا يصرح به- فهمَا خاصا للقواعد التي تنبني عليها دولة الاستقلال و له تأويله الخاص،لما يتعارض مع أهداف التحرير.
في هذا الجو من التصور الوحدوي،استمرت الثورة تنمو وتتوسع،و تتجذر في أوساط عامة الشعب الجزائري،فقيرهم وغنيم،كبيرهم وصفيرهم،رجالهم ونساؤهم،بقيادة موحدة ممثلة في جبهة التحرير.التي هُيكلت بعد مؤتمر الصومام،وسيلتها الكفاح،بشقيه المسلح و السياسي،القائم على تعبئة شعبية،مدعمة بعمليات فدائية،تشد من أزر السياسيين،و مواجهة صارمة لكل المناورات الاستعمارية،بعيدا عن التنظير الإيديولوجي والعقائدي والتفكير السياسي الكلاسيكي،و التخلي عن الغوص في صياغة القوانين التي تسير الدولة الجزائرية بعد الاستقلال،باستثناء الاتفاق على الثوابت الوطنية التي تعتبر مضمونا فكريا للاستقلال،وقد دونت في بيان نوفمبر لتكون مرجعا ومرتكزا في بناء الدولة.
وقد حاول بعض القادة صياغة المذهب السياسي الذي ستكون عليه الدولة الجزائرية،وفق تيار من التيارات السائدة في العالم،واعتماد أنموذج من النماذج الاقتصادية المعتمدة في بعض الدول،لكن تلك المحاولات لم تجد صداها في أوساط المجاهدين،و القادة العسكريين الفاعلين.فبقيت تلك المحاولات محاولات فردية ،و قناعات خاصة بأصحابها،وأحيانا وجدت معارضة قوية من قبل الأغلبية،وحتى مؤتمر الصومام الذي يعتبر المنظم المباشر لحركية الثورة،لم يحسم في المسألة الفكرية والعقائدية للثورة،بل دفع ثمنه بعض من أصروا،على الخوض في تلك المسائل المؤجلة.
لأن الأغلبية أدركوا أن الخوض في عقيدة الثورة وبعدها الفكري،يؤدي إلى تصدع الصفوف،وإلى تسرب الأفكار المتباينة المثبطة،وربما يجد فيها الجهاز الاستعماري،ضالته فيتمكن من تفكيك عرى الثورة،وتشتيت رجالها،وكاد أن يقع،لولا حنكة القادة الفاعلين،وتماسك الثوار في الداخل، ويقظة الشعب المتلاحم مع جيش التحرير لوقع ما وقع.
لهذه الأسباب مجتمعة اتفقت الأغلبية أن تستمر الثور موحدة معبأة،ومحصنة بأبناء الشعب،و تأجيل أمر طبيعة تسيير الدولة، إلى حين الاستقلال،يومئذ يكون للشعب الحرية في اختيار النظام الذي يناسب أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية.
ولكن في خضم العمليات الفدائية،و المواجهات التي كان يخوضها الشعب الجزائري،وردود الأفعال الاستعمارية أيام الثورة،تكوَّنت لدى الشعب رؤى اجتماعية،وفكرية لم يعرفها قبل الثورة،خصوصا لدى الفلاحين وسكان المداشر والأرياف،الذين لم يحترفوا السياسة من قبل،فقد تغيرت نظرتهم للحياة،وتعمقت تصوراتهم للثورة،وصاروا يدركون المضامين السياسية و الحضارية التي كان يستهدفها الاستعمار منذ وطئت أقدامه أرض الجزائر.
وقد تجلى ذلك الإدراك،في توظيف الموروث الحضاري،توظيفا واعيا أيام الثورة،كالكرم والإيثار والأخوة و التضامن،وتحصنوا بها عن الرذائل وأوحال النفاق،و الجبن والبخل،و بمقتضى الثورة تكون مجتمع ثوري صعب المراس،لا يسهل ترويضه و توجيهه إلى نمط من الأنماط الحضارية الخارجة عن إطاره العربي الإسلامي و رفض رفضا قاطعا كل فكر دخيل عليه.
وبعد أن تحقق النصر للجزائر وخرج الاستعمار من البلاد بعد ثورة عارمة، اتجهت أنظار قادة الثورة لبناء الدولة الجزائرية الحديثة،والتفكير في شكل النظام الذي يسير دواليب الحكم واختيار طبيعة السلطة التي تتحكم في النظام،وكان لخبث الاستعمار يد ماكرة في تسويق مسألة الإيديولوجية السياسية،فوضع إرهاصات للنظام الذي يحل بعد الاستقلال،عن طريق مفاوضات إيفيان،التي فرضت نمط التسيير بصفة ضمنية،فبالرغم من بنود تلك الاتفاقيات،تضاربت آراء الفاعلين،وتباينت أفكارهم،وأخذ الاختلاف يتوسع بين الأطراف الفاعلة،في مجلس الثورة،على قبول ما ورد في برتوكول الاتفاقية ور فضها.
وبعد جولات وجولات،لم يتمكنوا من الوصول إلى صيغة ترضي الجميع،فراح كل طرف يبحث عن الشرعية التي تمكنه من الاستيلاء على زمام السلطة،لتنفيذ توجهاته السياسية،و تطبيق أفكاره العقائدية،و صار الكل يغازل الشعب،ويستعمل شتى الوسائل والطرق،لافتكاك التأييد والمساندة،وهذا ما رأيناه في مؤتمر طرابلس الذي شكل المجموعات الإيديولوجية. وصنف الرفقاء إلى أعداء. و ساقهم إلى المواجهة العسكرية بين الولايات،ولايات تناصر بن بلة و خيضر و بومدين و ولايات تناصر الحكومة المؤقتة،و من يتعمق في سبب المواجهة، يجد سببها الانتصار إلى الأشخاص،و تحركها الجهوية، وليس الانتصار للشرعية،و في الأخير وقع الانقلاب كما يتصوره بعضهم،و بحكم العلاقة الوثيقة بين الجيش والشعب أيام الكفاح،حسم الأمر للعسكريين فتغلبوا على السياسيين المدنيين.
فاتجه الفريق الذي مسك بزمام السلطة لبناء هياكل الدولة و مؤسساتها،ووضع الأسس الاقتصادية و الاجتماعية،وعمق الوحدة الوطنية التي كرستها الثورة، و الأهم من كل ذلك،الحفاظ على الوحدة الترابية،التي حاول الفرنسيون تمزيقها،مما أعطى للانقلابيين بعض الشرعية للتحكم في الوضع.
ولتمتين دعائم الحكم،استعان العسكر بالإداريين الذين عملوا في الإدارة الفرنسية،بحجة أن لهم تجربة في تنظيم الإدارة ،و إن كانوا لا يملكون ماضيا ثوريا،إلا الولاء لمن يعينهم،و لا يملكون رأيا في بناء الدولة،إلا ما يملى عليهم والدهاء في المداورات و المراوغة.
في هذا الواقع الذي فرضته الشرعية الثورية،و تحكم الجهاز العسكري في القرارات السياسية،استسلم الجميع للواقعية السياسية،فشارك الجميع في تسيير دواليب الدولة ،سواء من تحمس للحكم العسكري،ورضي به،أو من قبله على مضض،الكل انضوى تحت النظام الناشئ،وشاركوا في تسيير المؤسسات،بعقلية ضمان الموقع،و كل واحد يعمل بتقية يخفي وراءها قناعته الفكرية والسياسية،واندمجت في التسيير كل فئة من الفئات المنتمية إلى تيار بعينه،لكن كل فئة كانت مصممة على تمرير مشروعها الاجتماعي والثقافي،إذا كان لها مشروعا،منتهجة في ذلك عقيدة الكتمان في ممارسة أعمالها.
بهذا الخليط نتج تنافر خفي،تقوده محسوبية في تعيين الأشخاص،على المؤسسات المدنية،فكل شخص تم تعيينه على رأس مؤسسة هامة،قرب إليه أشخاصا تتلاقى أفكارهم مع أفكاره، وتصوراتهم السياسية مع تصوراته،وتمكنت كل فئة من تحقيق جزءا من مشروعها عمليا بطرقة خفية و أحيانا بطريقة علنية.
في هذا التناقض في التعيين والتسيير،انقسمت المجموعات المتحالفة من الناحية السياسية والفكرية والثقافية إلى ثلاث فئات:
1 - وطنيون قوميون:هؤلاء اتخذوا من العروبة كيانا سياسيا وهوية وطنية،و من الإسلام والثقافة العربية مرجعية حضارية،اعتبروها ثوابت لا يمكن التخلي عنها،وما سوى ذلك فيحكمها تبادل المصالح،وأعتقد أن أصحاب هذا الاتجاه ورثوا أفكارهم من أدبيات الحركة الوطنية التي كانت تناضل من أجل التمكين لهذا الاتجاه من الانتصار،متمثلين قول عبد الحميد ابن باديس:
شعب الجزائر مسلـم و إلى العـروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله أو قـال مات فقد كذب
أو رام إدماجـــا لـه رام المحـال من الطلب
وما يجسده نشيد الحركة الوطنية في فترة النضال:
ولتحي الجزائر مثل الهلال ....و لتـحي فيها العــربية
****
فلسنا نـــــرضى الادمتزاجا ....و لن نــرضى التجنيسا
ولسنا نـــــرضى الاندمـاجا.... و لا نــــرتد فــرنسيسا
رضـــــينا بالإســلام ديـنا.... كــفى الجهـــال تدنيسا
ومتشبثين بخطب ومقالات قادة حزب الشعب وصولا إلى بيان أول نوفمبر.ويصرون سبب تخلفنا و عدم تحقيق طموح استقلالنا،وهو بقاء ارتباطنا بثقافة المستعمر وبلغته،وتهميش اللغة العربية من الحياة السياسية و الاقتصادية،لغة السواد الأعظم من الشعب الجزائري.
2- وطنيون ترابيون:هؤلاء آمنوا بالوطن التراب بحدوده الجغرافية وبموارده الاقتصادية وعاداته الاجتماعية،وتنكروا أن يذوبوا في الهوية الثقافية العربية،ولم يولوها كبير اهتمام،لا يهمهم في رأيهم أن تكون الجزائر عربية اللسان،بقدر اهتمامهم أن تكون الجزائر دولة موحدة بعلم واحد وسلطة واحدة،تدخل في عالم التطور باللغة العلمية ،رفضوا رفضا قاطعا أن تكون الثقافة الجزائرية جزء من الثقافة العربية الشاملة،وفيهم حتى من طرح الفدراليات حسب اللهجة و العرق،وفي خطوة متقدمة ناصبوا العداء للعربية والعروبة،بالرغم من إخلاصهم للوطن،وكرههم للاستعمار والمشاركة في محاربته ومواجهته،وكانوا شوكة في حلق الاستعمار،و عناصر فعالة في الحركة الوطنية،لكنهم لم يتعلموا العربية،ولم يحاولوا تعلُّمَها،إلى درجة أنهم لا يحبون يتخاطبوا حتى بالعربية الدارجة في حياتهم اليومية،وفضلوا عليها استعمال الفرنسية.
3- مستغربون أو إندماجيون:هؤلاء يعتقدون أن لا تقدم ولا تحضر للجزائر،إلا في إطار الحضارة و الثقافة الغربية،خاصة الثقافة الفرنسية،بها تنتقل الجزائر من التخلف إلى التقدم،ومن ثقافة العصر الوسيط – حسب تصورهم- إلى ثقافة العصر الحديث،ومن حياة البداوة إلى حياة التمدن الغربي،حتى أنهم جعلوا فرنسا مرجعا لهم في كل شيء، في أكلهم و شربهم ،و اتخذوا من الحملة الهلالية أنموذجا عربيا للتخريب التدمير. وقالوا في كتاباتهم وترجموا في آدابهم أن سبب تخلفنا وعدم تحقيق بناء الدولة المنشودة هي اللغة العربية و انتمائنا للعالم العربي .
وقد امتزج بين هؤلاء وهؤلاء فئة أخرى يحتكمون إلى الأيديولوجية الاقتصادية و السياسية وقد انقسموا هم كذلك إلى ثلاث فئات أيضا:
1- فئة اشتراكية اجتماعية: هؤلاء دعوا إلى هيمنة الدولة على دواليب الاقتصاد والتحكم في تسيير مؤسسات الإنتاج و انتصروا للطبقات الفقيرة والكادحين من عمال و فلاحين صغار،والعمل من أجل تغيير وجه الأرياف وتقويم سكانها باعتبارهم هم من تحمل العبء الأكبر أيام الثورة،وضاقوا مرارة ظلم نظام الاستعمار الاستيطاني،هؤلاء لم يجدوا وسيلة أنجع من اختيار النظام الاشتراكي،ولم يجدوا بدا من توزيع الدخل الوطني على جميع المواطنين توزيعا اجتماعيا عادلا،تجسده مجانية التعليم والحق في العلاج المجاني،والشغل الذي يعتبر حقا و واجبا،وقد استساغ أغلبية الشعب توجه هذا النظام،ورضوا بالحلول الاقتصادية والاجتماعية،التي تمس مباشرة الأغلبية الساحقة من الشعب،فكانت هذه الفئة هي ذراع النظام الحاكم في تطبيق إرادته السياسية،وقد وجد الثقة فيهم، فقربهم المسؤولون إليهم دون أن ينظروا لثقافتهم و مواقفهم تجاه الثقافة العربية و الهوية الإسلامية.
2- فئة شيوعية المعتقد:هؤلاء اختاروا دكتاتورية العمال عقيدة سياسية في تسيير الدولة،وناضلوا من أجل فرضها بقوة،ولم يعبئوا بطبيعة الشعب الجزائري وتركيبته الثقافية و الاقتصادية،فضحوا بكلل شيء يتعارض مع خطتهم،وحاربوا كل شيء يعترض طريقهم،ولو كان هذا الشيء هو الثوابت الأساسية للشعب،كاللغة والتاريخ والدين،وكان بينهم بين الاشتراكيين الاجتماعيين مسافة التوافق قريبة جدا،وأعتقد أن هؤلاء هم الذين كانوا ينظرون للسياسيين في غفلة منهم،ويسطرون لهم السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي وجدت توافقا،مع السياسة الاجتماعية التي اعتمدها النظام السياسي.
3- فئة ليبرالية: هؤلاء كانوا منذ الاستقلال يراهنون على التعددية السياسية والاقتصادية،واستنساخ الديمقراطية الغربية،التي تدعو إلى الحياة الليبرالية في كل شيء،وتحرير السوق بحيث تتخلى الدولة بموجبه عن التسيير الاقتصادي والخدماتي وترك حرية المبادرة المنافسة هي التي تسود.وهذا التيار هو أقوى تيار في انتهاج أسلوب التقية و الكتمان،والصبر والتحمل و انتظار الفرص،وعدم اليأس من احتلال الساحة الاقتصادية،لأن هذه الفئة نشأت في الإدارة الفرنسية،وتملك قدرة الاستقطاب لجر الانتهازيين،وجماع الثروة ومبيضي الأموال المشبوهة.
وبطبيعة الحال أن في كل مجموعة من المجموعات السالفة الذكر متطرفون يصرون على بسط نفوذهم وإنجاح مشاريعهم السياسية والاقتصادية،ومعتدلون يتحركون بهدوء للحفاظ على تماسك الدولة، والحفاظ على الوحدة الترابية،والابتعاد عن كل ما يسبب الفتن التي ينتظرها أعداء الاستقلال،وسد كل الثغرات التي يعوِّلُ عليها المتربصون بالجزائر.
و بين هؤلاء و هؤلاء ينشط انتهازيون يتحينون الفرص لقضاء مآربهم الشخصية،والاحتفاظ بمناصبهم ومصالحهم الاقتصادية،و مراكزهم الاجتماعية على حساب مصلحة الوطن،فيميلون حيث يميل النافذون في السلطة،ويتغيرون مع تغير السياسات،لا مبدأ لهم إلا مبدأ النفعية،وأظن أن هؤلاء هم بلاء الجزائر ومصيبتها منذ الاستقلال إلى اليوم،فهم الذين يشكلون الخلل في الجهاز التنفيذي،و يتحركون بمكيافيلية مشينة،فقد ميعوا تنفيذ قرارات مصيرية،وعطلوا سياسات وطنية وبسببهم لم ينجح في الجزائر أي توجه اقتصادي لا اشتراكي و لا ليبرالي، وتركوا الجزائر تعيش اقتصادا هجينا،عود الشعب على الاستهلاك و احتقار العمل.
و نضيف إلى بلوانا المرجعيات الفكرية،فالمرجعيات الفكرية المتعددة فالتباين الفكري الحاصل،وتعدد الأنماط الثقافية التي أثرت على عدم وضوح إيديولوجية الدولة الجزائرية،وعدم الاستقرار على نمط ثقافي واحد،يجمع الجزائريين على ثقافة واحدة، أدى إلى درجة التشكيك في هويتنا،و نما التساؤل بيننا من نحن؟
و في حقيقة الأمر أن هذا الصراع الخفي،كان نتيجة لمرجعية ثقافية و تكوينية نشأت عليها كل مجموعة من المجموعات الآنفة الذكر،وقد تجسدت تلك الملامح الثقافية والفكرية في التركيبات الاجتماعية المتباينة،و ظهرت في المدن وفي التجمعات الحضارية،ويمكننا أن نحدد تلك المرجعيات في الآتي: .
1- فئة من تعلمت في الكتاتيب القرآنية والزوايا والمدارس العربية الحرة، ومن أسعفهم الحظ التحفوا بالمعاهد العلمية،كالزيتونة والقرويين وجامعات المشرق العربي،ومعظم هؤلاء من أبناء الأرياف وهم الأكثر،ومن ثمة تعمقت ثقافتهم القومية،وتشبعوا بالقيم الإسلامية والثقافة العربية،فتكوَّنت لديهم قناعة نهائية أن الشعب الجزائري جزء لا يتجزأ من الأمة العربية،وأن هويته هي الثوابت التي دافعت عليها،وناضلت من أجلها الحركة الوطنية،في شقيها الإصلاحي والوطني ( الإسلام- العروبة - الوطن - التاريخ)،وأن العادات والتقاليد و اللهجات،كلها روافد للثقافة الوطنية،فإذا انتقص ثابت من تلك الثوابت،تصبح الوحدة الوطنية مهددة،يستوجب على الأمة المقاومةُ،و أنهم آمنوا إيمانا راسخا أن الجزائر لا تكون حرة كاملة السيادة،إلا في إطار الحضارة العربية الإسلامية،وقد أخذوا على عاتقهم مسؤولية الكفاح والنضال،من أجل التمكين لهذا الاتجاه،و على هذا الأساس أسسوا علاقاتهم بالشعب،إلا أن عملهم اتصف بالسطحية و سياسة المسالمة مع الآخرين،.واتسم برفع الشعارات و المهرجانية،وتركوا لغيرهم أن ينفذوا ما يؤمنون به عمليا.
2- و فئة تعلموا في المدارس و المعاهد العليا الفرنسية،وقد ساعدهم وضعهم الاقتصادي والاجتماعي،في مرحلة من المراحل على الاندماج في المجتمع الفرنسي،عن طريق الوظيفة في الإدارة الفرنسية، هؤلاء منهم من يرى أن الجزائر لها كيانها المستقل عن العالم العربي، وعلاقاتها به كعلاقاتها بالأفارقة،والأوروبيين،في إطار الحركة التاريخية،وانتسابها العربي هو انتساب تعسفي، ففي زمن الحزب الواحد،عملوا في الخفاء ما في وسعهم،لإبعاد الجزائر عن انتمائها العربي،وإخراجها من الدائرة العربية،بشتى الوسائل والحيل،ولكنهم لم يجرؤوا على الإعلان عن آرائهم صراحة،أولا لقلة عددهم،و ثانيا خوفا من ردة فعل الجماهير ضدهم،و بهذه التقية حققوا كثيرا من مشاريعهم الثقافية خصوصا الاحتفاظ بفرنسة الإدارة،في قطاع الصناعة و قطاع البنوك و المالية،وعندما تمكنوا و وجدوا النصير في رجال السلطة ،أفصحوا عن فكرهم صراحة ،وتجرؤا على تخوين كل من كان يدعو إلى عروبة الجزائر،وألصقوها بهم واعتبروها تهمة،مثل القومية المتعصبة و الديكتاتورية الشفونية.
3- ومنهم من تعلموا في المدارس الأهلية الفرنسية في مستويات دنيا،لكنهم في مسيرتهم التعليمية ضاقوا مرارة الظلم الاجتماعي،والعقاب المعنوي من المعلمين الفرنسيين العنصريين،فتكون لديهم حقدا لكل ما هو استعماري،فتمردوا على الأوضاع،وقادهم تمردهم إلى المشاركة في خوض معركة التحرير،و أصبحوا رمزا للوطنية ولم ينسلخوا من جسم شعبهم في حياتهم اليومية،وانتصروا للثقافة العربية الإسلامية بالرغم من جهلهم لها.
4- بين الفئات الثلاث المدرسيون: جل هؤلاء من أبناء الطبقة الأورسطوقراطية تعلموا في مدارس التعليم الفرنسي الإسلامي،أو ما يسمى بـ"franco-missilman"حيث تعلموا اللغتين الفرنسية كلغة للإدارة و تدريس المواد العلمية،بما فيه الجغرافيا و التاريخ،و اللغة العربية كلغة للأهالي،لاستعمالها في ترجمة التقارير الإدارية المتعلقة بالأهالي،و توظيفهم في الإدارة و التعليم، و في قضاء الأحوال الشخصية، وهؤلاء انقسموا في أرائهم إلى فئتين:
فمِن المدرسيين من انتسب إلى الثقافة العربية الإسلامية وتعمق فيها،ودافع عنها دفاعا مستميتا،فكانوا من دعائم التعريب في الجزائر،وغلَّبوا الحرف العربي في كتابتهم على الحرف الفرنسي،وجعلوا من الفرنسية لغة عمل لا لغة ثقافة،و قد تحملوا الأذى من خصومهم،أكثر مما تحمله غيرهم من المعربين،و قد كان لهم دور فعال في تعريب المدرسة،وتحالف قوي مع المعربين.
ومِن المدرسيين من انتصر للثقافة الفرنسية،و هؤلاء أصبحت الفرنسية هي لغتهم في حياتهم اليومية،و ربما و قفوا عائقا في طريق التمكين لها بعد الاستقلال،بل هم الذين لعبوا من الداخل على ذبذبة تعريب المدرسة.
وبعد الاستقلال فالمدرسيون هم الذين سيطروا على أجهزة التعليم،فكان لهم نفوذ فعال في توجيه سياسة التعليم في الجزائر،لما يملكون من ثقافة حديثة وتجربة في حقل التعليم قبل الاستقلال،وهم من قاد المعركة اللغوية في الجزائر سلبا و إيجابا.
و بالإضافة إلى مرجعية التكوين فهناك مرجعية لا تقل أهمية في توجيه السياسة الإدارية والحركة الفكرية في بلادنا،وكانوا طرفا قويا في معركة الانتماء،وتأثيرهم في صياغة الحياة اليومية للشعب الجزائري كان بينا،وصنعوا التباين الفكري في أوساط الطبقات المثقفة وهما فئتان :
- فئة الفلاحين والعمال:هذه الطبقة التي عاش أفرادها حياة الاضطهاد،ومورس عليهم العنف المعنوي والجسدي ، وعندما اندلعت الثورة واشتد لهيبها التحقوا بها أفواجا وجماعات، يدعمون الثوار بأموالهم وأنفسهم،وقد حاولت فرنسا بكل وسائلها النفسية،أن تمتص غضبهم وتعزلهم عن المجاهدين،فاستعملت معهم الإغراءات المادية فلم يصدقوها ولم يأمنوها على أنفسهم، و استعملت معهم العصا الغليظة فزادتهم إصرارا وتصميما على افتكاك حريتهم و نزع استقلالهم، الذي ينظرون إليه على أنه هو المساواة بين أبناء الشعب،في الحقوق و الواجبات،والتميز الاجتماعي عن فرنسا في الثقافة والقيم.
- فئة الإداريين والموظفين: هذه الفئة التي عملت في جهاز الإدارة الاستعمارية،فتعلموا قوانينها و اصطبغوا بصبغة مرؤوسيهم،وبعد الاستقلال عملوا من أجل الاحتفاظ بمواقعهم الإدارية، و السعي للارتقاء إلى الطبقة المسيرة كبديل للإطارات الفرنسية التي غادرت البلاد، وتركت الإدارة الجزائرية وشأنها في الظاهر.
وفي تقديري أن من هؤلاء تشكلت طبقة الإطارات الإدارية التي تحكمت في زمام التسيير الإداري، وعوضت الأطر الفرنسية، وفي هذه الوضعية كانت آراءهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية مشدودة لأسرهم ومحيطهم الاجتماعي و الطبقي، فإذا كانت أسرته من طبقة شعبية يكون تفكيره يتجه إلى خدمة الشعب وربما مال إلى التطرف اليساري،واندمج في فكر اليسار الفرنسي بتوجهاته وأدبياته،وإذا كان ينحدر من أسرة متفتحة على الحياة الغربية ومعجبة بقيمها،اتجه فكره إلى النمط الغربي،وعمل على تكريس النموذج الفرنسي،و بذل كل ما في وسعه لنشر الأفكار الفرنسية وثقافتها.
وقد وجدت كل فئة مَن ينتصر إليها من المثقفين ،و يدافع عنها في كتابتهم وشعرهم و أدبهم وفكرهم .
بهذه التركيبة البشرية والاتجاهات السياسية و الفكرية المتباينة سيرت مؤسسات الدولة و مورست السلطة الإدارية، كل يريد أن يشكل المجتمع الجزائري على شاكلته،و وفق منظوره الفكري و السياسي،وقد تباينت الأفكار و تعارضت المصالح ،وصار كل يهدم ما يبنيه الآخر،ومن وصل منهم إلى موقع القرار أصدر قرارات تنظيمية تناسب اتجاهه الفكري والسياسي،ويلغي غيره على حساب التماسك الاجتماعي و الاستقرار الإداري،وأحسب أن هذه واحدة من الأسباب التي جعلت المراسيم التنظيمية والقرارات الهيكلية ترتجل ارتجالا، فتأتي تلك المراسيم و القرارات غير مؤسسة، مما يجعلها غير قابلة للتطبيق أحيانا،فتصطدم بالواقع القائم ، وربما تجد معارضة قوية من الطرف الآخر فيفشل تطبيقها،ويعود بالسلب على مصداقية الدولة ومؤسساتها، ولنا في قانون تطبيق اللغة العربية خير مثال على ذلك.
و نتيجة لتلك الصراعات،و في خضم المواجهات المعلنة في بعض الأحيان والخفية في أكثر الأحيان،تكوَّن جيل جديد متباين في ثقافته وعقائده و متناقض في اتجاهاته وأفكاره ومؤشر تلك المواجهة ظهر على مستوى منظومة التربية و التعليم،الذي تنوع بتنوع الأفكار والاتجاهات، وتعددت فصائل المتخرجين من المدرسة الجزائرية بتعدد التكوين.فكان:
التعليم المتفرنس: وهو التعليم الذي سموه تعليما مزدوجا تجاوزا وتقية،وتغليفا للمضمون التعليمي،و هذا التعليم يعد امتدادا للتعليم الفرنسي،يتعلم فيه الطلاب مختلف المواد العلمية باللغة الفرنسية،بما فيها الفلسفة والجغرافية،وحصصا في مبادئ اللغة العربية،وقد وجد هذا النوع من التعليم دعما ماديا ومعنويا من داخل البلاد وخارجها.
التعليم المعرب: و هو التعليم الذي يتعلم فيه الطلاب مختلف المواد باللغة العربية،وحصصا في مبادئ اللغة الفرنسية كلغة ثانية،ويعد هذا النوع من التعليم امتدادا للتعليم العربي الحر الذي كانت تقدمه مدارس جمعية العلماء ومدارس حزب الشعب أيام الاحتلال.
التعليم الأصلي:هذا التعليم لا يختلف كثيرا عن التعليم المعرب،يتلقى فيه الطلاب مختلف المواد باللغة العربية من آداب ولغة و علوم شرعية وبعض المبادئ في المواد العلمية.
وقد وجد هذان النوعان من التعليم دعما من الدول العربية،فمدته بالأساتذة خصوصا من مصر و العراق وسوريا و الأردن.
وقد نتج عن هذا التنوع في التعليم مجتمع مركب تركيبا متنافرا،كون بين المتخرجين مع مر الزمن عداوة خفية ،جراء التعامل الجائر والتمييز المنحاز لفئة دون فئة،فالرخاء التي تعيشه الأقلية على حساب الأكثرية التي تمثل الشعب الجزائري.
ومن هؤلاء انبثقت نخبة منتقاة،هيمنت على دواليب الاقتصاد والإدارة،في مختلف المؤسسات،بينما لم يجد المعربون العمل إلا في التعليم كمعلمين ومدرسين وأساتذة مرؤوسين،بعضهم في جهاز القضاء بعد تعريبه،وبهذه السياسة ازداد اتساع الهوة بين الطبقات المتعلمة،وبدأت بوادر الصراع،تأخذ منحى آخر.
انبرى الكل يدعو لتوحيد التعليم ويحذرون من تعدده و تنوعه،وتفطنت السلطة العليا للخلل الاجتماعي،واستجابت لمطالب النخبة المثقفة،فراجعت سياسة التعليم،واتجهت به نحو توحيد التعليم،في لغته ومضامينه وهياكله بطريفة تدريجية، وكان للوطنيين والقوميين دور فعال في تسيير هذه المرحلة،و كان بطلها أحمد طالب و عبد الكريم بن محمود فعربت المواد العلمية في مختلف مراحل التعليم الإلزامي،وعربت العلوم الاجتماعية في التعليم العالي من فلسفة و تاريخ و جغرافيا و علو سياسية وحقوق.
لكن هذا التوجه و هذه القيادة،وجدت معارضة قوية،من فئة لا تقبل أن تكون الإدارة في الجزائر عربية،ولا تقبل أن يطيح بسلطتها الإدارية،وقد تستروا تحت شعار التفتح على العلوم و العالمية،معتقدين أن اللغة العربية لا تصل بالطالب الجزائري،إلى العالمية، و لا يتحكم في العلوم إلا باللغة الأجنبية الموروثة عن الاستعمار،فعملت هذه الفئة في الخفاء على تكسير حركة التعريب،وتمييعه بالكيد والدهاء،وتشويه ما تحقق وتهميش الإطارات المعربة بوسائلهم الخاصة، و إبعادهم عن مواقع التسيير، فجاء مصطفى الأشرف، وعزم على القيام بانقلاب جذري على ما تحقق، و العودة بالمدرسة إلى ما كانت عليه في سنوات الاستقلال الأولى.
وفي الوقت نفسه وقف الطرف الآخر بالمرصاد،و كانت إرادتهم متحفزة،وعزيمتهم قوية للتصدي لما ينسج في الخفاء، وقد كشفوا المؤامرات التي كانت تحاك ضد جزأرة المدرسة وتعريبها، وفضحوا من كانوا وراء فرنستها و تغريبها،فانتصروا ظاهريا في توجيه مضمون التعليم و قوننته.
وسدا للذريعة و تحصينا للمضمون الفكري،وتوحيد لغة التعليم،قررت السلطة أن تتخذ إجراءات ثورية خطيرة،لا تعادلها خطورة منذ الاستقلال،إلا خطورة قرار تأميم البترول،و قرار تطبيق الثورة الزراعية،وقد تجسدت تلك القرارات في تنصيب المدرسة الأساسية،التي تضمن مجانية التعليم عبر جميع مراحله،وإجباريته لكل طفل بلغ سن الدراسة،وفرض وحدة التعليم وتنشئة الأطفال على القيم الخالدة،مع الانفتاح على اللغات الحية في العالم.وكان فارس الوثبة الأولى محمد خروبي تحت الرعاية السامية للشاذلي بن جديد،و مؤازرة علي بن محمد،وعبد القادر بن محمد وأبو عبد الله غلام الله،ومحمد الطيب العلوي،وعبد الرحمان شيبان،وبن قادة وجموعي مشري وعبد القادر فضيل و عبد الله حوجال وغيرهم.
وبمجرد الشروع في تطبيق المدرسة الأساسية،ثارت ثائرة المناوئين لإفشالها،فجندوا وسائلهم النفسية والاجتماعية و المادية،و وقفوا بقوة أمام نجاحها،وخوفا من نجاح المدرسة الأساسية التي تهدد اللغة الفرنسية،و تزحزح الفعاليات الفكرية و الثقافية،التي تتحكم منذ الاستقلال في القرارات الإدارية و الاجتماعية، ،وخوفا من أن يسقط نفوذ وهيمنة الطابور الخفي،الذي كان له امتداد إلى المدرسة الفرنسية قبل الاستقلال،وبقي يمسك بخيوط التسيير،فجندوا خبراء و مستشارين و فنيين، ليس لهم من الخبرة إلا تنفيذ ما يملى عليهم من تجارب تخلى عنها أصحابها.
ففي الجانب النفسي و الاجتماعي،حملوا المدرسة كل المآسي التي عاشتها الجزائر في العشرية الأخيرة من القرن العشرين. وضخموا وهولوا انحدار المستوى التعليمي،و أوعزوا ذلك إلى لغة التعليم التي هي العربية حسب زعمهم.
وفي الجانب الإجرائي،كلفوا بيادقهم المتواجدين في القاعدة،أن يقوموا بحملة واسعة في أوساط أولياء التلاميذ ضد تدريس اللغة الانجليزية،في المدارس.كلغة ثانية اختيارية بعد العربية،بحجة عدم توفر الوسائل ونقص المؤطرين.
و قبل أن تتخرج أول دفعة من المدرسة الأساسية،تفجر الوضع في الجزائر،فاختطفه المتربصون وليحرضوا السياسيين و أضجاب القرار على مراجعة نظام التعليم،و اتكئوا في تحريضهم على السلبيات التي أفرزها نظام المدرسة الأساسية،فاتخذوها ذريعة و مبررا للهدم،ثم العمل للتخلص من هذا النظام ،وألصقوا كل نقيصة باللغة العربية،و حاولوا جهد أيمانهم استبدالها بنظام جديد سمي بالتعددية اللغوية،وفي الأخير وجدوا مصطلحا جديدا ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب، هو إصلاح المنظومة التربوية و تجديدها، هذا المصطلح الذي لا يختلف عليه اثنان،فالكل ينشد الإصلاح،و يبحث عن التطور،لكن الذين صنعوه بدهائهم،جعلوه قرآنا يرددونه في كل مناسبة، واتخذوه وسيلة لاستغفال الرأي العام الوطني،ليمرروا به مخططاتهم الخفية،فيستبدلون النظام التعليمي الحالي،بنظام تعليمي جديد،يفتح الباب أمام سيطرة اللغة الفرنسية من جديد وبتمرير الإصلاح ،دخلت المدرسة الجزائرية مرحلة خطيرة يتقاذفها طرفان:مستغربون فركوفيليون ووطنيون معربون .
طرف يريد الإصلاح و التطوير الجذري،في إطار القيم الغربية والعولمة الحضارية التي لا يضبطها ضابط،وانفتاح مطلق للمدرسة خارج الثوابت التي اصطلحوا عليها الطوباوية،وأن تكون اللغة الفرنسية هي لغة تعليم المواد العلمية والإدارية،وإذا تم ذلك تكون المدرسة عرضة لأي تيار يدخلها في زكام مزمن.
و طرف يدعو للإصلاح والمراجعة في إطار القيم والثوابت الوطنية،والبقاء على المكتسبات التي أحرزتها المدرسة،و أن تتفتح المدرسة على اللغات دون المزايدة على اللغة الوطنية،و الاقتباس من تجارب المنظومات التربوية الناجحة في العالم،دون الذوبان و التلاشي فيها.
المعركة بين الطرفين لازالت في عنفوانها،والغلبة ستكون للأذكى و للثابت على المبدأ،والذي يؤسفني ويؤرقني،أن بعضا من المعربين المحسوبين على الثقافة العربية، فبدل أن يدافعوا و يرافعوا عن التعريب،و يتعاونوا مع من ينافح عن أصالة المدرسة، ويناضل من أجل التمكين للعربية، مهما كان لونه السياسي،أو على الأقل لا يساهم في خذلان زملائه،و ذلك أضعف الإيمان،فإذ بهم ينقلبون على أعقابهم ،ويتولون على أدبارهم،فنراهم يتحالفون مع أعداء تعريب المدرسة،ويكيلون لهم التهم و النقائص ويحملون التعريب فشل المدرسة،ومن هؤلاء من كان مسؤولا ساميا في وزارة التربية،ومنهم من كان مشرفا على حركة التعريب،على مستوى ولايته أو دائرته أو بلديته، متحمسا له في الوقت الذي كان فيه أصحاب الحل والعقد،يخاطبون الناس بالعربية،ويكتبون يوقعون بها .
وعندما جاء آخرون يخجلون من الحديث بالعربية،و يفتخرون بقدرتهم على استعمال اللغة الفرنسية، وراهنوا على فرنسة كل شيء حتى قطاع الشؤون الدينية،ركبوا موجة السباب، وساروا في ركاب المسؤولين يتقربون منهم باستعمال اللغة الفرنسية في تصريحاتهم،و أصدق وصف ينطبق على هؤلاء هو وصفهم بـ" المعربين الحركى" كما يصدق عليهم فكرة القابلية للانهزام،بتعبير المفكر مالك ابن نبي، لأن الواقع يخبرنا،أن المعرب إذا استلم منصبا ساميا في الدولة،ينسى ما كان يدعو إليه من قبل،و يتحول إلى مدَّاح يتزلف لمن يعمل على هدم بنيانه،و يصير عرابا يسوق العربة بمن سيدمره،وقد تفطن الطرف الآخر لهذه الظاهرة في المعربين،فاستعانوا بهم لتمييع التعريب،وتحميلهم مسؤولية فشله،ولا أريد هنا أن أقدم لكم بعض النماذج من هؤلاء المعربين،فأنتم أعرف بهم مني و أدرى بهم.
فالمعركة قائمة وهي الآن في عنفوانها ،و إذا كانت المعركة في العقود الأولى من الاستقلال خفية و فيها شيء من حسن نية،فإنها الآن معلنة،والغلبة ستكون للأقوى و الثابت على مبادئه،و تبقى المسؤولية منوطة بالنخبة الوطنية المثقفة،من أساتذة ومعلمين وكتاب،يدافعون عن وجود المدرسة الوطنية بأهدافها وتوجهاتها و يعملون على تقويم الاعوجاج فيها،ومحو السلبيات منها،منظومة تخرج لنا أجيالا متماسكة.
لأن المبالغة في العصرنة بدون وعي،والإعجاب بالآخر من غير فهم مسؤول يؤول بنا إلى قطع الصلة بماضينا،أو التيه في غياهب الجهل و الضلال،والسير وراء سراب الفكر الملغم،يكوَّن فينا قلوب غير نابضة بالوطنية،وعقول عاطلة لا تعمل،وربما نتحول إلى حيوانات كحيوانات السيرك، تروض وتسمن ا دامت صالحة لجلب المتفرجين،وإذا هرمت وعجزت تخلصوا منها،وأطعموها للحيوانات الكاسرة السليمة.

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 11 جمادى الأول 1441هـ الموافق لـ : 2020-01-06



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

.

الإنتخابات الرئاسـية الجزائرية 12 / 12 / 2019

.
مواضيع سابقة
هل حراك الطلبة بعد النزيف الداخلي، اليوم يدعم صفوفه بمختلف الفئات العمرية؟!
بقلم : محمد بونيل
 هل حراك الطلبة بعد النزيف الداخلي، اليوم يدعم صفوفه بمختلف الفئات العمرية؟!


أحلام منسية
بقلم : فضيلة معيرش
أحلام منسية


ابن سبعين نَزيلُ بجاية...فكره وفلسفته
بقلم : محمد بسكر
ابن سبعين نَزيلُ بجاية...فكره وفلسفته


الى الاديب اسامة فوزي
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
الى الاديب اسامة فوزي


قصة مسار التغيير في الجزائر وانتصار إرادة الشعب
الدكتور : محمد عبدالنور
قصة مسار التغيير في الجزائر وانتصار إرادة الشعب


فوق سطوح الغربة للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي
بقلم : خالدي وليد
فوق سطوح الغربة للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي


تحية لإيران
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
تحية لإيران


أسئلة المعنى ورهانات الرمز - -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- بوقربة عبد المجيد
السيد : عبد المجيد بوقربة - مثقف من الجزائر
أسئلة المعنى ورهانات الرمز - -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- بوقربة عبد المجيد


رثاء البطل الشهيد قاسم سليماني
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
رثاء البطل الشهيد قاسم سليماني


بلوزداد، حكاية البطل وقصة العلم(9-10)
بقلم : مهند طلال الاخرس
بلوزداد، حكاية البطل وقصة العلم(9-10)




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com