أصوات الشمال
السبت 15 شعبان 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * انتخابات جامعة بير زيت وتراجع حركة " حماس "    * توظيف الامثال الشعبية في الثورة السلمية الجزائرية   * النهضة العربية الحديثة ... من أوهام النجاح إلى حقائق الفشل   * يوميات نصراوي: ضعيف يقاويني قصير يطاول   * كأنّه الشِعر ...   * الطلبة يُسقطون الباء الأولى.. تماما كما أسقطوا بوتفليقة !    * كن ظلي أيها المنفى   * قصة قصيرة جدا / وسوسة   * فلسفة الجمال والقُبح   * الحب في زمن الحراك ( ما لون عينيك نانا ؟!.)    * الوطن ..بين سلطة لا تريد الرحيل وشعب مصر على التحررير؟؟   * الجولان... أغنية حبٍّ وصمودٍ *   *  منطقة سوق أهراس ومؤهلاتها السياحية   * هديتي في معرض الكتاب   * انتصار الارادة الشعبية في السودان    * الحراك الجزائري وحرية الأفكار   * الشاعر علاء الغول يؤسطر لـ (غزة) في ديوانه "توقعات محايدة"   * رحيل الأرض   * مع التشكيلي الفلسطيني زكي سلاّم   * بعد توبة علي بابا .. الأربعون لصّا أمام العدالة !     أرسل مشاركتك
صندوق أمي
بقلم : عفراء. م. حيدر
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 151 مرة ]
 صندوق أمي

م أطمئن قط، إلا وأنا في حجر أمي
(سقراط)

ـ بيت ترابي قديم إذا ما دخلته لتتوضأ بهالات النور القادمة من فتحات الجدران... تطالعك دمعة أمي وهي تعجن التراب بالقش لتسد جوع جدرانه... حينها... كانت الدموع مرسال الفرح بإعادة الحياة لجدران البيت من جديد...
ـ قال أبي: ما إن دخلت أمي البيت حتى حلت البركة فيه... كان يدرك أنها تنجب الخير والسلام كما تفعل أرضه دائماً...
ـ على الجدار الجنوبي سند ظهره... جلس كأمير يطل على كل ما حوله... يلبس رداءً من المخمل الأحمر المطرز بعناية فائقة بأزهار لا مثيل لها في الواقع... وعلى أطرافه شريط مذهب تتدلى منه خيوط من حرير... إنه صندوق زفاف أمي... رائحة خشبه معلقة على كل مساحات ذاكرتي... كلما كنت أفتحه تنطلق منه أفكار الصنوبر وأطياف البخور واللافندر، وكأنها أحجية صعبة الاختراق.

صندوق أمي
عفراء. م. حيدر
لم أطمئن قط، إلا وأنا في حجر أمي
(سقراط)

ـ بيت ترابي قديم إذا ما دخلته لتتوضأ بهالات النور القادمة من فتحات الجدران... تطالعك دمعة أمي وهي تعجن التراب بالقش لتسد جوع جدرانه... حينها... كانت الدموع مرسال الفرح بإعادة الحياة لجدران البيت من جديد...
ـ قال أبي: ما إن دخلت أمي البيت حتى حلت البركة فيه... كان يدرك أنها تنجب الخير والسلام كما تفعل أرضه دائماً...
ـ على الجدار الجنوبي سند ظهره... جلس كأمير يطل على كل ما حوله... يلبس رداءً من المخمل الأحمر المطرز بعناية فائقة بأزهار لا مثيل لها في الواقع... وعلى أطرافه شريط مذهب تتدلى منه خيوط من حرير... إنه صندوق زفاف أمي... رائحة خشبه معلقة على كل مساحات ذاكرتي... كلما كنت أفتحه تنطلق منه أفكار الصنوبر وأطياف البخور واللافندر، وكأنها أحجية صعبة الاختراق.
ـ ترى أمامه حارساً لا يكل ولا يمل الوقوف... عمود البيت (الساموك) يرفع يديه حاملاً سماء المكان... كان يوماً ما شجرة صنوبر تسند زرقة السماء على أغصانها... كان يملك كل أخضر الغابة... ذاكرة الساموك مرئية... كلما نظرتُ إليه أرى خواطره وأحلامه القديمة... من قال إن ذاكرة الأشجار تموت؟!!! ها هي تشتعل في كل جزء من أجزاء البيت.
ـ صندوق أمي لم يكن يضم أشياءها فقط... وإنما كان يضم أماناتنا وأمنياتنا... في كل زاوية منه كان يختبئ صندوق صغير يحتوي أشياء خاصة بأحدنا، وفي زاويته الغربية كانت تقبع علبة فيها محتويات تثير الدهشة حتى أنا كنت أستغرب لما كنت أحتفظ بها... نواة دراق كان أخي قد أحضرها من بيروت،وبعض القطع المعدنية الأثرية كان أبي يهبها لي...إضافة إلى بعض الأثواب التي كنت أخيطها لدمية كنت أحلم بامتلاكها ولم يتسنَّ لي ذلك... في كل يوم كنت أطمئن على أشيائي وأعيدها إلى زاويتها... حيث كان يرقد الحنين ويزهر على صورة أمي المخبأة في الصندوق... وجهها في كل أرجائه... صدى كلماتها وضحكاتها الخجولة تتردد في بهو الصندوق أهزوجة عيد... فساتينها المصفوفة بعناية كانت مواعيد فرح... في كل مرة كنت أرتدي إحداها يتسرب الدفء إلى قلبي كما لون الشمس... نعم... من الشرق تشرق أمي ومن صندوقها تشرق الذكريات...
ـ في بداية كل عام كانت ترمم البيت من الخارج بوضع طبقة من الطين والقش على جدرانه وتستخدم المدحلة (المعرجلينة) لرصف السطح من أجل الشتاء وماء المطر... كان أكثر ما يؤرقها الابتعاد عنه... كانت تدرك أن البيت الذي يبتعد أهله عنه يحزن... ومع مرور الوقت يتهدم... لذلك كانت تحنو عليه جيداً
ـ ما حدث تماماً... أنّ أمي مرضت... حاولتْ المقاومة كثيراً... إلا أنها كانت فكرة فاشلة... ابتعدتْ عن البيت كل مدة مرضها وعلاجها الذي لم يثمر أبداً عن نتيجة... وبعد صراع طويل ومضنٍ أسلمَتْ عينيها لنوم عميق...تاركة ذاكرتها وذكرياتها أمانة على أجنحة الريح
ـ الزهايمر لا يعرف الشفقة... بعدما ضرب ذاكرة أمي؛عاث فساداً بجدران البيت وسقفه... أصيب بيتنا القديم بالزهايمر بعد فراقه أمي... انغلق على نفسه وانطبق سقفه على أرضه ناسياً أن صندوق أمي هناك... بين حناياه...
ـ الدوري الذي طالما سكن أرجاء البيت تفجر قلبه من الحنين... نعم... يبدأ الحنين من حيث تنتهي الأشياء... وقف طويلاً على حطام صندوق أمي يطلق تغريداً أشبه بالنداء المرير من دون مجيب إلا الصدى... كانت أغرودته الأخيرة...
ـ مرّ زمن طويل على زيارتي الأخيرة لبيتنا القديم...لسبب موجع سافرت إلى قريتي فمررت به...كان الشتاء قد رحل بعد أن زار المطر عقر البيت... تعاقبت الفصول عليه... تاركة بصماتها على كل الركام الذي فيه... كان الباب هو المنتظر الوحيد يسند يديه وخاصرته على دعامتين مثبتتين بالأرض... كانت أمي تقول: لا تطرق الباب مرة أخرى عندما تشعر أنهم سمعوك من الطرقة الأولى... الأبواب مثل القلوب... ونبضها طرق أصابعنا...
ـ على الرغم من أنني أستطيع الدخول من أي مكان إلا أني آثرت أن أدخل من الباب... طرقته ولم أنتظر أن يفتح لأحد...بهدوء بالغ وضعت يدي على قلب الباب الذي تزايدت نبضاته ما إن لمسته... دفعته برفق بعد أن تعرّف على يدي... طاوعني ورحب بي كصديق قديم... وما إن انكشف أمامي كل المكان حتى تراءت لي أمي وهي مشغولة بمغزلها... والوقت كان عشباً... كل شيء شاهد على ما مضى... جوهر المكان مقاوم للزمن والخراب... إذاً... الذكريات شابّة لن تشيخ...
ـ دفعت بنفسي داخل الباب... وأول ما عانق عينيّ أمانتي التي تركْتها في صندوق أمي... كانت تقف بلهفة تفتح ذراعيها،وكأنها تود أن تركض لعناقي... من فرط سعادتي ركضتُ وحضنتها بكامل حنيني...انهالت عليّ بزهرها وعبقها...عرفتها وعرفتني...بذرة الدراق... أصبحت شجرة تحرس ذكرياتنا وبقايا صندوق أمي... ومن الزوايا المنسية بدأت أسمع ضحكة البيت الكبير... الذي أسرني... ومنذ ذلك اليوم وأنا عالقة هناك...
النهاية

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 3 شعبان 1440هـ الموافق لـ : 2019-04-08



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
فلسفة الجمال والقُبح
موضوع : ابراهيم امين مؤمن
فلسفة الجمال والقُبح


الحب في زمن الحراك ( ما لون عينيك نانا ؟!.)
بقلم : نادية نواصر
الحب في زمن الحراك ( ما لون عينيك  نانا ؟!.)


الوطن ..بين سلطة لا تريد الرحيل وشعب مصر على التحررير؟؟
الدكتور : وليد بوعديلة
الوطن ..بين سلطة لا تريد الرحيل وشعب مصر على التحررير؟؟


الجولان... أغنية حبٍّ وصمودٍ *
بقلم : عفراء. م. حيدر
الجولان... أغنية حبٍّ وصمودٍ *


منطقة سوق أهراس ومؤهلاتها السياحية
بقلم : الدكتورة شادية بن يحي
 منطقة سوق أهراس ومؤهلاتها السياحية


هديتي في معرض الكتاب
بقلم : غـــزال عبد الــكريـــــــم


انتصار الارادة الشعبية في السودان
بقلم : شاكر فريد حسن
انتصار الارادة الشعبية في السودان


الحراك الجزائري وحرية الأفكار
بقلم : د. محمد عبدالنور
الحراك الجزائري وحرية الأفكار


الشاعر علاء الغول يؤسطر لـ (غزة) في ديوانه "توقعات محايدة"
الشاعر : عبد الكريم عليان
الشاعر علاء الغول يؤسطر لـ (غزة) في ديوانه


رحيل الأرض
بقلم : خديجة عبدالله
رحيل الأرض




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com