أصوات الشمال
الخميس 8 ربيع الثاني 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * احذروا الفتن   * تَاهَتْ الْمَرَاكِبُ...فِي مَبَاهِجَ الأذَى..!    * يوم المعاق العالمي    * في الطريق الى المكتبة الوطنية الجزائرية   * الخطاب النقدي في ملتقى بقسم الادب العربي-جامعة سكيكدة   * صلوات غير صالحة   * دراسة نقدية لرواية امرأة افتراضيّة للرّوائية ليلى عامر   * في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة    * مظاهرات العراق والطرف الثالث   * جزب فرنسا سوسة الجزائر   * الحركة الإصلاحية في الفكر الإسلامي المعاصر للدكتور محمد طهاري.. مقاربةٌ فلسفيةٌ في أوجه الاتفاق والاختلاف   * عابرون في وطن    * عبد الكريم بوصفصاف كتب عن الظاهرة المصالية في 16 حلقة   * قصيدة الركض على الماء يسير   * الجزائر العنوان وتفاعل القارئ في رواية وعلى الرمل تبكي الرياح للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي   * كريم القيشوري وحوار مع المبدعة فاطمة الشيري.   * أبقيتَ القلوب دواميا   * أنا حنظلة يا أبي    * جارة القمر   * أبوابٌ موصدة في موسم الرق    أرسل مشاركتك
صلوات غير صالحة
بقلم : سامية رحاحلية
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 349 مرة ]
سامية رحاحلية

غيمٌ رماديّ! يتقدٌم بكل اتجاه كأنه ماردٌ هاربٌ يتلفّتْ..يُفلِت رداءه الأملس فينفتح بوجهي كالشراع

في رعشات بطيئة خاملة تحملها نسائمُ الصيف حتى سقفِ حارتنا الموحشة..

تيك تاك

تيك تاك..

ينفرد عِقد

غيمٌ رماديّ! يتقدٌم بكل اتجاه كأنه ماردٌ هاربٌ يتلفّتْ..يُفلِت رداءه الأملس فينفتح بوجهي
كالشراع في رعشات بطيئة خاملة تحملها نسائمُ الصيف حتى سقفِ حارتنا الموحشة..
تيك تاك
تيك تاك..
ينفرد عِقد النهار..تتجمع نقاط السواد آهاتٍ متفحمةً تطفئ عيون الشباك..
الظلام!..يا لهذا الكوكب المتفجّر بلا نزفٍ ولا لهب ولا شظايا ! السفر المتحوّل في العصيان والفوضى والصخب والذهول والأحزان ،
أحبك جدا وأنت تدري..أنت عالمي الموازي الذي لا تفصلني عنه سوى ساعاتٍ مغلفة بقشرة الضوء والعقل والثرثرة...
- " كيف تتحملين البقاء لساعاتٍ في غرفة شاحبة شبه مظلمة؟!"..
" يا غريبة الأطوار"!! أحب ابتسامة أمي وهي تُغمّسها في طبق الحيرة،ثم تنصرف لعالمها المضيء تُسبّح وتُحَوقل في التمتمة..
العتمة أوسع أفقاً يا أمي! وأكثر حياة وصدقا و وضوحًا من كل الشموس والمصابيح !
صلّي إن شئت لأجلي!..اسألي السماء أن تمُد يدها المقدسة وتقومَ بنتف دماغيَ الأرعنَ شوكةً شوكة..خيبةً خيبة،غربةً غربة،ثم تفتح به ممرا آمنا ومضيئا..السواد أصدق المرايا في ترجمة الدواخل المجروحة، الليل أنيس المشرَّدين على حواف الذبول،أما ستائر القائلة هاته فهي حارس وحدتي ونديم أحزانيَ الفاخرة..
لست حزينة جدا كما ترين! مع أنني أختنق طوال النهار وأنتظر أن تنتهي أشغال البيت المؤبدة كي ألتحق بروحي هنا، بهذي العليّة المظلمة الضيقة..إني أتساءل كيف تمكنت حجرةٌ بهذا الضيق أن تستوعب ثيران غرابتي وشلّالات جنوني وأفكاري المتمردة الواقفة وسط رأسي كأبنية رومانية!؟ كيف لحُجرتي أن تتحمّل هذه الكائنات الفضائية التي تغادر السطور كلما أظلم المكان، لتتجوّل معي بحُرية بين رفوف المكتبة؟!..لكن،غُرفتي الآن تبدو فسيحةً ومرتبة على غير العادة ،باردةً مثل قبوٍ مهجور..خاليةً منّي تمامًا، " تُراني نسيتُني هناك"؟
كأني ألجُ مغارةً منبوذة تحت المحيط أو مسرحا ملعونًا امتصّت الحجارةُ مُريديه بشهقةٍ واحده و بقيتْ أرواحهم هائمةً تتربّص بالمغامرين الفضوليين، و تتوعدُ أوّل الوافدين...
واسعةٌ غرفتي، ساكنة و مريبة و آمنة كليّا من خطر الحياة..وجودي بها لا يُنقصُ منها إلا كما يُنقصُ ظلُّ فرخٍ مهاجرٍ من سواد المحيط..
أُحكِم إغلاق النافذة،الباب مغلق..ساعةُ الحائط ذاهلةٌ على زمن بعيد يئسَ من رجوعي فانتحرَ واقفًا..
أردتُ الهدوء، السكينة..مع هذه الظلمة المحببة أريد جرعةً زائدة من الصمت..
" الصمت!؟ أين الصمت؟ من ذاك الذي يدّعي أن اسمهُ "صمت "؟ وكُنيَتهُ سكينة و هدوء؟..دلّوني عليه لأخلع رأسه عن جسده..وأفتّت بقية أعضائه بأصبعيّ هاتين ...!"
أسدُّ أذنيّ بالسبّابتين فيسقط هرجُ العالم دفعةً واحدةً داخل رأسي ثم يتسرّب كأفعى مذعورةٍ عبر الأوردة، ويهتز مع إيقاع النبض بلا توقف...كأن قطيعا من حُمر الوحش تركض بساحة الدماغ..ثيرانٌ هائجة،ترفس بوّابات الإدراك،يُحدث صوتها طرقا مدويّا يرفض التناغم مع الأنفاس..يتلعثم قلبي يتعثر في عواطف مبهمة..يهزّني بكل اتجاه أتشبثُ بحافة السرير فينقلب الفراش مُهراً متمرّدا راقصا على وقع الحوافر المدويّه.. أتمسك بالوسادة فتسحبُني معها داخل معبرٍ سرّي يضيق مع كل طرقة يضيق يضيق يطبق على رأسي..
- " آه بينوكيو..! ألا يمكن أن تكون مفيدا بشيء هنا؟، الكل يعلم أنك إذا قلتَ كذبة تمددّ أنفُك..أريد أن أكذب الآن وبشدة لكن لا ليطولَ أنفي بل ذراعي، فتسدّ أناملي كل شرخٍ لا أراه، وتُبقي هذا الضجيج بعيدا بعيدا جدا أو تلمّهُ تلفُّه في خرقةٍ مع الطَرَقات الجارحة وتلقي به في قاع البحر.." لنرَ الآن:
-" الأرض محميةُ الإنسان...أنا سعيدة جدا..غرفتي هادئة..جيراننا غاية في اللطف و الطيبة..يُراعون راحة بعضهم البعض ساعة القائلة..لا يتلصّصون أبدا على بقية الأبواب..لا يسكنون بالتناوب ثقوب الأقفال..." يا إلهي! يا إلهي ! نجح الأمر! نعم.. ذراعاي تمتدان أمامي بطول حبل مزدوج طريّ لكنه مستقيم..وكلما كانت الكذبة أكثر صدقا ازدادت ذراعي طولا بسلاسة، وبيُسرٍ عجيب.. كذبة أخرى فقط و أصل النافذة ألحِم دفّتيْها بالجدار.. كذبة أخرى..و يخرس هذا الطرق المجنون..من يُسعفني بكذبة ؟كذبة أخيرة، واحدة فقط؟ كدت أصل..
ألا توجد الآن كذبة متاحة واحدة ؟أين كل الكذب الذي في العالم؟ أين كذب الرجال و كذب النساء؟ أين أكاذيب التاريخ وادعاءات الجغرافيا..أين؟ أحتاج أصدقَ كذبةٍ في الكون.. والآن!.. لا بأس، سأجرّب :
- " حياتي سلسلة نجاحاتٍ باهرة! " يااه..قاربتُ على الوصول مدهش!
أجرّب مرة أخرى..
- " الرجل كائن فضائي.." لا!؟ لا! ذراعاي لا تتحركان هذه المرة..ليست كذبة كافية؟ طيب.." أيها الطارق المخبوووول !احمل الطرق معك إلى الجحييييييم..!"..
_" لا غير ممكن ..غير معقول! إلاّ هذه الفكرة..لا!! بُعدا لكِ أيتها الفكرة ُالمجنونة تلهّيْ عني بالصداع أو الحمى أو بقصيدة عارية ،تلَهّيْ بهذا الصخب مثلا لكن دعيني، أخرجي من رأسي..لا أريد أن أنطقك أو أتلفّظ بك.. لو فعلت سينمو أنفي كطحلب مجنون..لو قلت هذي الجملة ستمتد أطرافي، وتثقبُ ذراعي الشباك والجدار وقد تصل عمود الكهرباء المقابل ثم...ثم يحترق الحي بمن فيه..لا..هذه كذبة قاتلة.. كيف أنطقها كيف أقولها! يا ويلتي لا لن أقول !...(😊),سأكتفي بقراءتها على لوح الخاطر بنصف عين ونصف وعي ونصف حظٍ ونصف عمرٍ ونصف وطنٍ ونصف موتٍ ونصف حياة..سأقولها الآن..نعم ..أحم..
- أ..أمم..
- " حُكامنا..
- " جدا..
- " طيبون..." أشششت!
أطبقُ شفتيّ على الحرف الأخير أبتلع ريقي خفيةً متجاهلة مرارة الكذب الصادق، تسحبُني ذراعي دفعة واحدة بقوة وغضب..تنفلتُ في الطول تكاد تنفصل عن كتفي..أتكوّر على الفراش كي أغافلها، كدت أمسك بدفّة الشباك يا ربي أخيرا...أصابعي تتحسس حافة المِقبض البارد يا إلهي! يا رب السماواتِ و الطرقِ وبينوكيو وأنفِهِ المطّاط ، يا رب السواد و ظهيرةِ تموز و هذا الصداع الذي يتغوَّلُ في رأسي.. لكن، م الذي أقوله؟ما هذا الهراء؟! و كيف أكلم الله بهذي الطريقة؟! أوووه.. لا!..
ترتدّ ذراعي إلى صدري بسَحْبةِ قوس مطّاطي، تتلاشى أطرافي من ثقلٍ عجيب كأنها أكياس رمل معلّقة بالجو تثقبُها سيوفٌ حانقة فتنفجر و تضيع مع الهواء يتبعها بقيةُ الجسم المحموم..
آه بينوكيو ! لمَ جعلتَ أنفَكَ هو الذي يتمدد مع كل كذبة ؟ لماذا الأنف وليس أصابع القدم أو الذراعين أو الأنياب ؟ هراء! لا فائدة ترجى منك أبدا بينوكيو..سأسحبُكَ من طفولتي و لتذهبْ إلى الجحيم بأنفك وكذبك الذي لا يجدي "!....
أريد أن أتحسس جسمي لأعي أنه بمأمنٍ من الكدمات وآلام الصخب الحانق الموزون الذي لا يهدأ ،بل يتكاثر ويتسارع يتجمّع داخل جمجمتي كرصاصات مُسَوّمَة..
- أهي الحرب من جديد؟!.."
أستعيد أطرافي واحدا تلو الآخر، أعيد تركيبها بحركة بطيئة أتذكر وجهي فجأة..أعثر عليه مغروسا داخل وسادة ندت من تزاحم اللعاب والأنفاس، وشفّتْ من خدر المنوّم وخمول الظهيرة... أتقلب شبه عارية وقد التصقت تنورتي الشفافة بجسمي النحيل المتعرّق..أدور حول نفسي وسط ظلمة وحرٍّ خانق..يائسة كأنني آخرُ الراحلين،ينتظر دوره في رواق الجحيم...
أترجّل من السرير يلسعني البلاط، تتجه قدماي آليا صوب النافذة.. أغلق دفّتيْها بإحكام أسنِدُ رأسيَ المحموم إلى الزجاج المنعش وأدرك رفاهةَ التنفس بعد ساعاتٍ من الاقتتال و الاختناق..تغادر الكائناتُ الهائجةُ علبةَ رأسي مباشرة صوب الفناء المقابل.. وأكتشف أن الطرقَ يصبح أقلّ عنفا وأقلَّ تهديدا ما دمت تَسمعهُ من وراء الشباك..!
تسحب أناملي طرَف الستار الخشن وتغتال ظلمة الغرفة بسَهمَيْن من شمس تموز الحارقة..
خلف الزجاج الآمن، ينحني جارنا على خشبةٍ عند عتبة منزله و قد ... توهّج العرق على سمرةِ كتفيْه كبقعة زيت ملتهبة.. بيدين عريضتيْن، يدق مسامير سمينة أسفل الباب، يُسلم أسفل ظهره العاري لشمس الأصيل، ويُهدي الناظر نصفَ مؤخرة أطلّتْ من انزياح ال « تي شيرت» الأبيض و السروال العريض...
يقترب طفله الأصغر يريد التقاط قطعة خشب مهملة فينهره بدمدمةٍ مُشفّرة و يُزمجر ملوّحا بالمطرقة..يتراجع الطفل إلى الداخل ويعاود السؤال الباذخ دغدغة عقلي من جديد!
- " لماذا يتعرّق أغلب الرجال و يتوترون لدى قيامهم بتصليح مصباح ناعم أو تركيب حنفية بريئة أو إيصال طرف خيط مسالم ٍ بطرفه الآخر؟! لماذا يلهثون و يصرخون و يشتمون! لماذا يتذمّرون من مجرد دق مسمار مستقيم في خشَب يابس؟! لماذا يفقدون أعصابهم سريعا ويُحدثون أعطابًا كثيرة في انطباع المرأة بشأنهم؟!...
يلامس خدي طرَف الستار الناعم..أتحسس جبهتي أسوّي خصلة شعري بأصابع آمنة وأتراجع تاركة جارنا اللاهث يُصلح باب منزله ويخرّب ظهيرتي..يمسح جبهته بذراعه الغليظة يتمخّط يسعل يزفر يغيّر جلسته يتمتم ويواصل ضرب الخشب الأعزل ببسالة " محارب طروادي"..
كأن بينه وبين الشجرةِ ثـأرًا قديماً./

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 2 ربيع الثاني 1441هـ الموافق لـ : 2019-11-29



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com