أصوات الشمال
الثلاثاء 22 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * أنا حنظلة يا أبي    * جارة القمر   * أبوابٌ موصدة في موسم الرق   * لهب   * وهج المشاعر... !    * قراءة عاجلة في العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة    * الرئيس التركي أردوغان ومأساة الطفلة الجزائرية ملاك لكحل   * قراءة إعلامية في سلوكات المؤسسة العسكرية أثناء إدارة الأزمة في الجزائر    * تصور الأخرة عند العرب في الجاهلية والإسلام. عنوان المؤلف الجديد إصدار لسعادة الدكتور عبد الله شادة بفرنسا.   * صورة الحاكم في رواية مملكة الموز للكاتب بوعلام بطاطاش   * المواطنة والتعليم في الجزائر ... الواقع والمآلات.   * أريد أن أخون الرمانة   *  صابرحجازي يحاور الكاتب والاعلامي المغربي حسن سليماني   * اصدار جديد   * دموع من أجل النبي- صلى الله عليه وسلم   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي للثانوية يحتفيان بالعيدين   * شعرية البياض في مجموعة " بحيرة الصمت " للمغربية نعيمة زايد   * الحِوَارِيُّونَ و المُعَلِّم..   * الثورة الجزائرية والشعر    * بمناسبة إعادة نشر كتبه بالعربية و ذكرى رحيله الـ 46 ... مالك بن نبي والساحة الثقافية الفرنكوفونية.     أرسل مشاركتك
سـردنـة القلق والإتجاه نـحـــو الموت
بقلم : الكاتبة رشا الفوال
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 463 مرة ]
رشا الفوال



بافتراض أن الكتابة عن أشخاص تاريخيين من(الناحية السيكولوجية) يُعادل خصخصة التاريخ، فنحن أمام رواية(تنكرية) تستخدم الطابع التاريخي كستار لرصد مشكلات إجتماعية حالية؛ ذلك أن التاريخ يُعد ميدانًا فسيحًا يستطيع الكاتب من خلاله رصد(الصراع) دون أن يتعرض للعقاب السُلطوي والإملاء الثقافي، فنرىَّ الكاتب استند إلى ثلاثة ملامح تجنيسية جوهرية، الأول: يعني بالتعايش(الرمزي) لشخوص وأحداث وأماكن مبتدعة بشخوص وأحداث وأماكن من قلب التاريخ، الثاني: تأريخ العناصر المميزة للحقبة التاريخية مثل صورة الأماكن ونمط الحياة
الثالث: المسافة الزمنية الصريحة بين الماضي الذي تقع فيه الأحداث المروية وحاضر المُتلقي؛ لذلك جاءت الرواية كَنص مفتوح على كل الإحتمالات بين الحقائق والأوهام من خلال(الذاكرة) و(فوبيا الهُوية) وهو الأمر الذي جعلنا نستقبل أحداث الرواية من خلال عدة تساؤلات:
(1) الرواية والتاريخ ، أى منهما يُنتج الآخر؟
(2) ما الدلالة التي تنتجها الرواية في حكيها لأحداث متحققة؟



سـردنـة القلق والإتجاه نحو الموت في رواية "موجيتوس"
للكاتب/ منير عتيبة
قراءة نفسية
للكاتبة/ رشا الفوال

سـردنـة القلق والإتجاه نحو الموت في رواية "موجيتوس"
للكاتب/ منير عتيبة
قراءة نفسية
للكاتبة/ رشا الفوال
مـــــــدخــــل:
بافتراض أن الكتابة عن أشخاص تاريخيين من(الناحية السيكولوجية) يُعادل خصخصة التاريخ، فنحن أمام رواية(تنكرية) تستخدم الطابع التاريخي كستار لرصد مشكلات إجتماعية حالية؛ ذلك أن التاريخ يُعد ميدانًا فسيحًا يستطيع الكاتب من خلاله رصد(الصراع) دون أن يتعرض للعقاب السُلطوي والإملاء الثقافي، فنرىَّ الكاتب استند إلى ثلاثة ملامح تجنيسية جوهرية، الأول: يعني بالتعايش(الرمزي) لشخوص وأحداث وأماكن مبتدعة بشخوص وأحداث وأماكن من قلب التاريخ، الثاني: تأريخ العناصر المميزة للحقبة التاريخية مثل صورة الأماكن ونمط الحياة
الثالث: المسافة الزمنية الصريحة بين الماضي الذي تقع فيه الأحداث المروية وحاضر المُتلقي؛ لذلك جاءت الرواية كَنص مفتوح على كل الإحتمالات بين الحقائق والأوهام من خلال(الذاكرة) و(فوبيا الهُوية) وهو الأمر الذي جعلنا نستقبل أحداث الرواية من خلال عدة تساؤلات:
(1) الرواية والتاريخ ، أى منهما يُنتج الآخر؟
(2) ما الدلالة التي تنتجها الرواية في حكيها لأحداث متحققة؟
ولذلك أيضًا فضلنا التعامل مع أحداث الرواية بوصفها نصًا سرديًا؛ لأن السرد هُنا أقام علاقة جدلية مع الحياة ومع التاريخ، ولأن التمييز بين الرواية والتاريخ يعتمد على أساس أن"التاريخ ضرب من المحكيات ذات النزوع إلى الحقيقة، فيما السرد محكي تخييلي"، وأن هناك مشتركات تجمع بين الرواية والتاريخ تتلخص في(شكل السرد)، و(العمق الزمني للتجربة البشرية)، ومن أجل فهم أكثر نرىَّ ضرورة ضبط المفهوم الذي تأسست عليه الأحداث وتأسست عليه أيضًا رؤيتنا للرواية وهو(سردنة القلق)
_ سردنة القلق:
بافتراض أن الخطر الذي من الممكن أن يتعرض له الإنسان نوعان، أولهما: خطر موضوعي، معروف، سوى، طبيعي، مصدره خارجي، والثاني: هو الخطر(العصابي) ، داخلي المصدر، غير المحدد، وغير المعروف كنتيجة لإعمال(الكبت) وبالتالي فإنه يستثير(قلقًا عصابيًا)، وانطلاقًا من تفسير"فرويد" للقلق مؤكدًا على وظيفته كإشارة إنذار بالتهديدات الغريزية التي توشك أن تجتاح قدرات(الأنا) الدفاعية؛ فنحن" لانستطيع أن نجد للقلق أية وظيفة أخرىَّ سوىَّ أنه إشارة لتجنب حالة الخطر"(1) كان منطقيًا إذن أن نجد الكاتب لم يتقيد بالمرويات التاريخية في رسم ملامح شخصياته؛ فهو يعرض صور أبطاله بما يوائم الفكرة التي يريد أن يوصلها للمتلقي، علاوة على أن(الغموض السردي) أدىَّ إلى تفخيم(الأثر الدرامي)؛ فالرواية قدمت لنا(الهوية السردية) من خلال وظيفة التمثيل التي تحققت بواسطة معرفة الكاتب التاريخية للماضي، ووظيفة الدلالة التي أقامت علاقة بين عالم النص وعالم المتلقي، كما أن مفهوم(السردنة) يحيلنا إلى "إخضاع الموضوع إلى السردية"؛ فالواقعة التاريخية حاضنة للتاريخ لكنها "قد تتحول من فضاء التاريخ إلى فضاء السرد من خلال تفكيك ثباتها وإعادتها إلى فضاء جديد وفق التصورات الإجتماعية للكاتب"(2)، كما أن العلاقة بين الرواية والتاريخ "قائمة على عنصر(التخييل) لكن جوهرها لايمنعها من أن تتخذ من الواقع مادة حكائية"(3)، وحيث أن الكاتب قام بـــ(سردنة القلق) وصياغته بطريقة ما ، بحيث وضع أحداثًا (مقلقة) بوصفها أسبابًا لأحداث أخرىَّ ، وانتقىَّ وقائع وغيّب أخرىَّ، فلاحظنا انعكاس الحاجات النفسية والإجتماعية والسياسية للأبطال على الأحداث، كل ذلك فعله الكاتب من أجل إضفاء مسحة من الإثارة في محاولة منه لتركيز انتباه المتلقي على (الفعل السردي)، من خلال هذا المدخل يمكننا البدء في عرض قراءة نفسية لرواية"موجيتوس" للكاتب: "منير عتيبة" الصادرة عام 2018م عن مؤسسة حورس الدولية، والحاصلة على جائزة إتحاد الكتاب باسم الأديب الراحل"يوسف أبو رية" عام 2019م عبر عدة مباحث هى:
المبحث الأول: صورة المرأة والسعى نحو الفردانية
المبحث الثاني: صورة الرجل وجدلية الصراع مع الآخر
المبحث الثالث: فوبيا الهوية وتبني فكرة الخلاص
المبحث الأول: صورة المرأة والسعى نحو الفردانية
بافتراض أن مفهوم(الفردانيةIndividualism) يقابل مفهوم(الجمعنةSociability) الذي يعني الحالة التي يكون فيها الفرد صورة أو نسخة متكررة من(الجماعة السيكولوجية) التي ينتمي إليها، يمكننا الحديث عن(الفردانية) بوصفها الحالة التي يكون فيها الفرد قادرًا على اتخاذ قراراته، تجلىَّ ذلك المعنىَّ بوضوح في شخصية"ماريا" التي خاضت مغامرتها بوصفها امرأة مستقلة تتجاوز الظلم والقهر الذي تعرضت له، والتي كان لديها وعيًا إنسانيًا بالقدرة على الإختيار والفعل، ومايترتب عليهما من مسئولية، فتقول:"وسط كل هذا الموت كان لدى يقين أننى لن أموت، فالعذراء معى وسوف تحمينى"، في حين أنه كان هناك نماذج نسائية إرتضت بحياة الهامش، مثل شخصيات"عجب" حبية بطل الرواية"مجاهد" و"صبح" حبيبة الشاعر"عبد الرحمن بن سالم"، وشخصية "مريوزا" أم"ماريا" التي ارتضت بسباب أم زوجها لها طوال الوقت، والتي تقول عنها"ماريا" : "انها ماتت في نفس الليلة التي مات فيها ابنها مارك" وهناك شخصيات نسائية ثانوية لم يخبرنا الكاتب عنها إلا معلومات ضئيلة مثل شخصية"أسماء" بنت الفقيه"إبراهيم العمري" التي كان يحبها"عبد الله البلوطي" ولم يستطع أن يتزوجها بسبب جفوة أبيها، وأيضًا شخصية"روكسانا" البنت التي رباها أبوها كولد، والتي لم يخبرنا الكاتب بمعلومات عنها سوى أن"عبد الله البلوطي" أحبها وكان يصحبها إلى الكنيسة الصغيرة كل يوم أحد، وشخصية"روجينا" التي وهبت نفسها لــ"خلف الصقلبي" في أولىَّ معاركه الشتوية في الأحراش القريبة من"مرسيليا"، ونرى الشخصيات النسائية الشرسة متجسدة في شخصية"سارة" التي أعجب"ابراهيم بن عامر" بنظرة التحدي في عيونها والتي لم تكن خائفة من الموت والتي قتلت أحد الجنود بعد أن نام معها، والتي أصبحت تتدخل في شئون إدارته للحصن وأبعدت رجاله المقربين عنه في غزوات لايعودون منها، وأمرت بحبسه في الحصن، وشخصية"كريستينا" جدة"ماريا" "ذات القسمات الحادة والشخصية المتجبرة"، التي تقول عنها"ماريا": "لم أكن أعرف من قبل ماهى الكراهية، لكننى عندما أنظر إلى جدتي أشعر بأنني أكرهها"،وشخصية "أم على وصفى" التي تتسم بالقوة والتحدى، التي مات لها ثلاثة أبناء شهداء عندما حرق "القشتاليون" قريتها على الحدود الإسلامية المسيحية ، وأسروا زوجها ،فربت أبنائها "على" و"صفى" على فكرة الجهاد والشهادة والإنتقام، فكانت معظم الشخصيات النسائية قادرة على تحريك الأحداث، إلا أن الكاتب كان يُحرك الزمن من خلال استرجاع علاقة الرجال بالنساء؛ فالتاريخ والتخييل يشتركوا في(مستوى التصوير) ويعتبر ذلك حلًا لمعضلة التجربة الزمنية عبر آلية تسمىَّ(إعادة تصوير الزمن)(4)
المبحث الثاني: صورة الرجل وجدلية الصراع مع الآخر
على افتراض أن السرد هو" الطريقة التي يصور بها الكاتب جانبًا من جوانب الزمان أو المكان اللذين يدور فيهما الأحداث، أو ملمحًا من الملامح الخارجية للشخصيات أو قد يتوغل إلى الأعماق فيصف عالمها الداخلي ومايدور فيه من خواطر نفسية"(5)؛ نجد أن(رحلة الصراع) لها أبعاد ثلاثة: أولها هو لحظة الوصول وبداية تبادل الرؤى الفكرية ومايقابلها من(صراع داخلى مع الذات) فيقول"مجاهد": "بعد ما وصلوا للشاطىء الصخري شيدوا حصنًا سيطر على كل المدن والطرق حتىَّ أصبح أمراء أوروبا يحتمون بهم ويلجأون إليهم، ثم بدأوا يحسد أحدهم الآخر، ويحقد أحدهم على الآخر"؛ فجدلية(الأنا) تبدأ مع بداية رحلة(الذات) المأزومة لتجعل منها(أنا متشظية)، فالفرد"يمكن أن يكون آخر حتى بالنسبة إلى نفسه"(6)، والبعد الثاني يتضح في إستحضار أحداث الماضي القاهر لنفوس معظم الرجال، لنجد"مجاهد" "يحمل أحزان العالم، وهموم قلب هارب من أبيه ومن"عجب""، و"عبد الله البلوطي" حفيد الكاهنة الذي خرج للمعارك "هربًا من طيف "أسماء" وجفوة أبيها"، ليحب"روكسانا" من أجل البحث عن الحرية فيقول عنها"كان جسدها عالمًا كاملًا من الحرية"، يتفق ذلك مع قوله "ليست أسماء من كنت أريد، بل نفسي، اليقين" و"عبد الرحمن بن سالم" الشاعر عاشق"صبح" هرب من العشق إليه، والتي" لم يقل شعرًا في غيرها أبدًا"، والبعد الأخير يتمثل في تجاوز الأبطال لأحداث الماضي واستبدال الواقع(مؤقتًا) سعيًا منهم للإندماج في الحياة الجديدة والتخلي عن مآسي الماضي(ظاهريًا)؛ فأمير البحار"يوسف" يعتبر البحر صديقه الحميم الذي استطاع ترويضه، والذي خرج للجهاد طمعًا في الجنة فيقول: "عشرون رجلًا سيغزون صقلية ويعودون ملوكًا ويضمنون مكانهم في الجنة"، و"عيسىَّ بن أحمد" عازف العود الذي كان كـــ"مصعب ابن عمير" في النصف الأول من حياته، حيث كان معروفاً بأنه أعطر أهل مكة، يقول"الجسد هو آلة الإنسان وسفينته، وقد استخدمت آلتي كما لم يستخدمها أحد، وأبحرت بسفينتي إلى مناطق لم يصلها قبلي أحد"، و"حسان الغافقي" حفيد بطل موقعة"طالوشة" المجاهد"عبد الرحمن الغافقي" الذي زرع الرعب في قلوب الفرنجة، والذي كان يرىَّ نفسه أحق بإمارة الحصن، وهو الأمر الذي دفعه إلى الصدام مع"الطماشكة الزناتي" بائع الأقمشة في سوق"قرطبة" والذي كان يقول عن نفسه" بداخلي قائد عظيم"؛ هنا يلتقى النقد الأدبي والتحليل النفسي من خلال التركيز على(اللاشعور) وتحليل(الصراعات) الكامنة واستخلاص بنيتها، (الصراع) هنا عنصر مُحرك لعناصر الرواية بين (المجتمع والذات) من جهة وبين( الذات ورغباتها) من جهة أخرى فإذا بنا نجد عناصر نفسية متجاذبة ومتصارعة تنتشر في أجزاء الرواية محدثة تفاعلًا يبدو أحيانًا في شكل(تعارض) وأحيان أخرى فى شكل (تقارب) لترتفع حدة التوتر والتصادم بين الأمس والغد فالحاضر يتأرجح بين الماضي حيث(الرفض والقمع) وبين الانطلاق بشغف نحو الغد حيث(تحقيق الذات)، نجد أيضًا اختلافات جوهرية في(صورة الأب) التي أسست لحالة من(القمع السلطوي) أحيانًا، وحالة من الحث على (العنف)أحيان أخرىَّ؛ فها هو"مجاهد" يقول"أبى يضربني بعنف لأنى لا أحب العمل معه في تجليد الكتب، ويحتقر عشقي للنباتات والزراعة"، (صراع) "مجاهد" مع ذاته بدأ عندما رأىَّ أباه"يفترش عجب، ويلهث بكرشه الضخم فوقها، يفتضها وهى تصرخ" فعندما قفز عليه حاملًا خنجره، و(الخنجر) هُنا يعتبر رمزًا للعضو الذكري فيقول" أراني في شوارع قرطبة بعد أن سقط خنجري من يدي، أجري تقودني صورة عجب"، ولا نغفل ضرورة الإشارة إلى جملة وردت في بداية الرواية حيث أخرج من الصندوق"محبرة فضية على هيئة خنجر في جرابه" فمازال"مجاهد" يشعر بالعجز إزاء تهديدات الماضي، ويبحث طوال الرحلة عن(أب بديل) فيعتبره "أمير البحار يوسف" إبنه الذي لم ينجبه، في حين أن"خلف الصقلبي" علمه أبوه منذ الصغر أن ينظر في عينى من يحادثه ويقول له"نصف النصر يأتي من النظرة العميقة التي تخترق قلب الخصم وتريه كم أنت قادر على هزيمته"، ورغم ذلك كان يبدو كشجرة تبحث عن جذور ضائعة، وكان صموتًا، وصورة"جاى" والد "ماريا" التي تمثل (الإغتراب والضياع)، إذ تقول عنه"لم ير أبي نفسه، لكنه كان راضيًا للغاية"، وخروج"صفى" و"على" للجهاد (بتحريض) من أمهم التي حرق "القشتاليون" قريتها وقتلوا أبيها وأبنائها الثلاثة، وأسروا زوجها، في حين أن"موسى بن الحكم" قرر أن يخالف أبيه الذي غادر"الأندلس" وهو في بطن أمه، فلم يرغب في مغادرة الحصن و"رغب في تدوين يوميات الحصن ولم يفعل"، و"إبراهيم بن عامر" الذي يعد نموذجًا لشخصية المحب السلبي، شارب النبيذ ، الذي أحب"سارة" التي أصدرت قرارًا بحبسه داخل الحصن، وشخصية" هشام بن عبد المعين" الطبيب الذي ظل طوال أحداث الرواية في حالة(صراع داخلي) وتساؤل دائم فيقول: "حتى أنا خرجت من الأندلس مع مجموعة هدفها الأول هو القتال، فلماذا لم تبق يا ابن عبد المعين في بلدك تعالج المزارعين وربات البيوت؟"، و"حماد" البحار العجوز الذي عاد إلى"الأندلس" لينعم بالحياة مع أولاده، من خلال عرض الشخصيات الذكورية نستطيع أن نصل إلى أن شخصية الرجل(السلبي الإنسحابي) قائمة على فكرة الإبتعاد وتجنب المواجهة، والسعى نحو" تدمير ذاتها نتيجة الإحساس بالعجز أمام القوىَّ الإجتماعية الضاغطة التي تعارضها"(7)
المبحث الثالث: فوبيا الهوية وتبني فكرة الخلاص
بافتراض أن أحداث الرواية جاءت كأطر خارجية لتحريك الشخصيات وكشف دواخلهم، من أجل رصد أزمات الحاضر من خلال الماضي، ولأن"التاريخ هو رواية ماكان والرواية تاريخ ماكان يمكن أن يكون"(8)، نجد أن كل محاولة للربط بين المدار النصي للرواية والمسار التاريخي المتخيل الذي أنتجت فيه تُفضي إلى فكرة(فوبيا الهوية) التي سيطرت على الشخصيات، رغم اختلاف الأسباب المؤدية إلى السلبية والشعور بالإنهزام، مثل(كبت العقد المؤلمة) في (اللاشعور)، إذ لا يوجد(صراع) أشد ضراوة من(الصراع) بحثًا عن الهوية، بالتالي يمكننا استنتاج أن(فوبيا الهوية) تظهر في المجتمعات التي تتفاقم فيها الأزمات الفكرية والإحباطات المستمرة والهزائم النفسية فيلجأ الإنسان إلى(الإنطواء) وتفضيل الغياب على الحضور عبر رؤية(تشاؤمية) للحياة ككل، وبالتالي يصبح مفهوم (الآخر) مفهومًا سلبيًا ،(فوبيا الهوية) ناتجة أيضًا"عن السقوط تحت ضغوط (التهميش) والتبعية والإستسلام وصولًا إلى الإنعزال عن الآخر"(9)؛ لذلك جاءت فكرة(الخلاص) كنتيجة حتمية لإحساس (الأنا) بالعجز حيال التهديدات المستمرة، ليصبح(القلق) هو الإستجابة الأصلية للعجز في حالات الصدمات، ولا ننسىَّ ذكر كيف تغلبت الشخصيات على الشعور بالعجز الذي عبر عن يقين مؤلم بانتصار اليأس، عبر تبني فكرة(الجهاد) لدى معظم الشخصيات الذكورية في الرواية، فنجد اللجوء إلى الزهد والتصوف كما فعل"مجاهد"، ونجد إدمان شرب الخمر كما فعل"إبراهيم بن عامر"، أو العزف والتغني بقيمة الجسد كما فعل كل من"عبد الرحمن بن سالم" و"عيسى بن أحمد"، أو اللجوء إلى الصمت كما فعل"خلف الصقلبي" و"أمير البحار يوسف"، أو اللجوء إلى تجريب طريقة هروب مقبولة اجتماعيًا كالعمل الشاق في حالة"جاى" والد"ماريا"، فما يبدو لأول وهلة على أنه أفظع الهموم يمكن استيعابه، ويمكن إعادة توجيهه ليصبح أحد أقوى الديناميات المحركة للحياة
_ خاتمة
في رواية"موجيتوس" الكاتب قام بإعادة صياغة التاريخ، إلا أن المتلقي لم يستطع التعرف على شخصيات الرواية بوصفها تنتمي إلى التاريخ، وعليه تم التعامل معها على أنها شخصيات تخيليه، ولأن(التخييل) الأدبي مرهون بالصدق الفني الذي يشعر به المتلقي، استخدم الكاتب آلية(الوصف)"الذي يعد الآلية الأكثر فعالية في رسم صور مجازية"(10) عن الأماكن والشخصيات لإثارة المتلقي وجعله يعتقد أن النص محاكاة حقيقية لواقع كان موجودًا، خصوصًا وأن الكاتب يمتلك معلومات جيدة حول الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث بخل علينا بتوثيقها، لنجد أنفسنا أمام استنساخ التاريخ بواسطة خطاب روائي يتجادل فيه الواقع مع التأويل، كما أن(العمق المأساوي) الذي استند إليه الكاتب تمحور في أهمية القرار الشخصي الذي يوحي بإسناد دور البطولة لكل شخصية من الشخصيات، وعرض المغامرة الإجتماعية من داخل الحصون، وتفاقم (الصراع) عن طريق الخصومة المضطردة إلى أن تلاشت الشخصيات نفسها تدريجيًا، نجد أيضًا أن الرواية حاولت رصد العلاقة بين(القلق) و(غموض أحداث المستقبل)؛ فنحن "نصبح قلقين عندما لايمكننا فهم الأحداث" (11)، تجلىَّ ذلك في حالة"هشام بن عبد المعين" وتساؤلاته الدائمة ، وقلق"ماريا" الذي كان دافعًا لتوكيد الذات في مواجهة التهديدات؛ (القلق) هنا أتاح لها فرصة تشكيل هويتها، ولعبت مهارات الكاتب وخبراته في مجال كتابة القصة دورًا رئيسيًا في ربط الصور التي ابتكرها معتمدًا على خياله والتي سخرها لخدمة معلوماته التاريخية باعتباره ليس مؤرخًا ؛ بل مبدعًا يجتهد في كشف الحاجات النفسية الإنسانية ورصد إحساس(الآخر) بالقلق إزاء القمع والتهديدات، كأن هناك قصدية أخرىَّ عند الكاتب تجاوزت مجرد الحكى عن الواقع وإنما ربط خيوط(الصراع) من أجل تحقيق التشويق كغاية فنية، وكأنه يريد إخبارنا أن التحاسد والتنافس المشوب بالأنانية أخطر من القمع والتهديد


_ المراجع
1_ سيجموند فرويد(1983)، "الكف والعرض والقلق"، ترجمة: محمد عثمان نجاتي،ط3، دار الشروق، صــ114
2_ على أحمد محمد العبيدي(2017)، "سردنة الواقعية التاريخية"، مجلة دراسات موصليه، جامعة الموصل، ع 46، العراق
3_ مفيد الزيدي(1999)، "إشكالية الخطاب التاريخي العربي المعاصر"، مجلة البحرين الثقافية، ع21، صـــ33
4_ Paul Ricoeur:Temps et recit.T3 Le temps raconte.Op.Cit, P252
5_ على حسن الفواز(2017)،"العقل العربى:استبداد العصاب ومحنة الهوية"، مجلة مؤمنون بلا حدود للدراسات، العدد 4703
6_ صلاح صالح(2003)، "سرد الآخر: الأنا والىخر عبر اللغة السردية"، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، صــ10
7_ عبد السلام عبد الغفار(1981)، " مقدمة في الصحة النفسية، دار النهضة العربية، القاهرة،صـ 112
8_ سعد محمد رحيم(2008)، "السارد والتاريخ"، مجلة دبي الثقافية، ع43، صــ92
9_ عبد الله التطاوي(2006)، "الحوار الثقافي: مشروع التواصل والإنماء"، الدار اللبنانية المصرية، ط1، صــ41
10_ ثيليا فرنانديث بريتو(2017)، "شعرية الرواية التاريخية بوصفها جنسًا أدبيًا"، ترجمة: نادية جمال الدين، مجلة فصول، ع 98، الهيئة المصرية العامة للكتاب
11_ Hergenhahn,B.R.(1994):An Introduction to Theories of Personality(4 th ed)prentice_Hall,Inc. New Jersey,P461

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 14 صفر 1441هـ الموافق لـ : 2019-10-13



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com