أصوات الشمال
الجمعة 13 شوال 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ومضة في زمن كوفيد19   * قَصِائدُ وَرَوَائِعْ نهاد هاشم النقري ومحسن عبد المعطي محمد عبد ربه فِي حضرتها    * نبض الحروف    * وهم السعادة   * “خمس مرحيات أندلسية للكاتب أنطونيو جالا نموذجا”   * تغريدة: فلْنَسْألْ ولنَسْتَأْنِسْ وفي ذلك خيرٌ   * هو أنا هو عيدي هو أنت   * كان حلما    * ليس لي من دنيا البشر إلا شبر..؟   * رسالة الى الشعب الامريكي   *  عيد طفولة عالمي سعيد 20 20وكل عام وأنتم أحبتي بخير تحية طفولية أزفها إليكم أحبتي بكل أرجاء المعمورة وجميع الأقطار   * حلم   * في مجابهة الجائحة...........................   * ظلوا يعتبون   * دمعة تائب   * " انبعاث الغولة وبقايا أساطير"   *  الذكرى الأولى لرحيل فقيدة الجزائر محاربة محو الأمية وتعليم الكبار عائشة باركي.   * - قراءة في كتاب: الأيام الأخيرة لمحمد " Les derniers jours de Muhammad " للكاتبة التونسية : هالة وردي ، دار النشر ألبان ميشال 2016 ، باريس   *  ((اللصوص أولى بالإبادة))!!!   * الى الكُتَّاب العبيد     أرسل مشاركتك
البروليتاريا في الأدب والمواقف الرأسمالية : قراءة في قصة المغفلة لــــــ"أنطوان تشيخوف".
بقلم : والعبدو خليد
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 279 مرة ]

إن البروليتاريا كما عرفها الألماني "كارل ماركس":" هي تلك الطبقة من طبقات المجتمع التي تكسب قوتها من بيع عملها حصرا، وليس من الربح الناجم عن رأسمال ما. فسعادتها وشقاؤها، وحياتها وموتها، ووجودها كله، أمور مرهونة بطلب العمل، وبالتالي بتتـابع أزمـات الـسوق وانتعاشها، وتأرجحات مزاحمة لا يردعها رادع. فالبروليتاريا، أو طبقة البروليتاريين هي، بكلمة واحدة، الطبقة الكادحـة فـي القرن التاسع عشر" (مبادئ الشيوعية، ص:2.).

في هذه القصة المعنونة بــــــ ( المغفلة) تتجسد البروليتاريا في شخصية "يوليا فاسيليفنا"، وهي مربية أطفال، لدى السارد ( الكاتب الروسي) "أنطوان تشيخوف"، المجسد لشخصية الرأسمالي"صاحب البيت".
يستهل الكاتب قصته بدعوتها إلى غرفة مكتبه ليدفع لها حسابها، وهنا تجسيد لموقف رأسمالي، وهو أن البروليتاري يقدم الخدمات وفور وصول موعد أخذ أجرته عليه أن يقصد مكاتب مرؤوسيه، كأنه يستجديهم، ويطلب أموالا دون مقابل، متناسيا أن تلك الأموال هي جزء بسيط من حقوقه المهضومة. توجهت المربية "يوليا" إلى المكتب، فأمرها صاحب البيت "أنطوان تشيخوف" بالجلوس، لكي يتحاسب معها، وهنا يتجسد الموقف الرأسمالي الثاني، المتمثل في كون الرئيس دائما ما يتحاسب مع العامل، كأنه سيمنحه نصف أرباحه، وخلال تلك العملية يمارس عليه شتى أنواع التهديد والترهيب، والاحتقار والاستهتار.
وذكرها بأنه على علم بحاجتها الشديدة للمال، وبخجلها من طلبه، إنه الموقف الرأسمالي الثالث؛ فالرئيس دائما ما يذكر العامل بفقره المدقع ويذكره كذلك بخجله؛ أي بخوفه من التعبير عن رغباته، والدفاع عن حقوقه، وما قيامه بهذا إلا بغية تكريس نفسية الخنوع والخضوع في ذات الكادحين. ثم ذكرها بالمبلغ المتفق عليه معها، متعمدا أن يخصم منه "عشر روبلات" ( العملة النقدية الروسية)، فقال: " ثلاثين روبلا" بدل " أربعين"، حاولت التصحيح، وهذه عادة البروليتاري، فهو دائم محاولة التصحيح، وتقديم التبريرات للرأسمالي، بالرغم من أن هذا الأخير هو المخطئ وهو من عليه التبرير.
وغالبا ما يواجه البروليتاري بالقمع من طرف الرأسمالي، وهو ما قبلت به " يوليا" من طرف " تشيخوف"، مستشهدا بأن ذلك مسجل عنده، وبأنه المبلغ نفسه الذي كان يدفعه للمربيات دائما، فما كان عليها إلا الرضى والقبول، بقولها: " حسنا". هنا تهبط نفسية البروليتاري إلى أدنى المستويات، ويصبح حينها عديم القيمة، ويتحول من إنسان إلى مجرد آلة لخدمة الرأسماليين، فينفذ كل ما يأمر به، فيمحى مصطلح الرفض من قاموسه.
بعدها تتوالى المواقف الرأسمالية الواحدة تلو الأخرى بدءا بخصمه لخمسة أيام من مدة عملها، فتحاول المربية التصحيح، وتواجه ثانية بالقمع، والاستشهاد بالسجل. فيطفو مصطلح القبول ثانية وتتفوه، المربية بكلمة: "حسنا".وتتكرر عملية الخصم ذاتها، بخصم تسعة أيام آحاد، ثم ثلاثة أيام أعياد بدعوى أنها لم تعلم ابنته فيها. تضرج وجهها لسماع ذلك، وعبثت بأهداب فستانها، ولم تنطق بأي كلمة، هكذا يتصرف البروليتاري حينما يرى حقوقه تهضم أمام عيونه، يبتلع لسانه ويكتفي بالاضطراب وكتمان مشاعره. فتجد الرأسمالية الجو الملائم للبروز والتمادي، فيقوم " صاحب المنزل" بمتابعة مسلسل الخصومات، فيخصم أربعة أيام، ثم بعدها ثلاثة، فقابلت " يوليا" الخصم باحمرار العينين وامتلائهما بالدموع، لكنها لم تنطق بأي كلمة. ماذا للبروليتاري غير الدموع والسكوت؟؟؟ استمر السارد بالخصم ( خصم ثمن فنجان وطبق كسرتهما، وثمن سترة ابنته التي مزقت بسبب تقصيرها، وثمن الحذاء المسروق من قبل خادمة أخرى، ثم بعض النقود التي استلمتها آنفا)، حاولت المربية الحديث، لكن عبارة " ذلك مسجل عندي" ردعتها، فامتلأت عيناها بالدموع وتعرق أنفها. فانتقل المبلغ من "ثلاثين روبلا" إلى " أحدى عشر روبلا"، قبلتها بيد مرتعشة، كيف لا ترتعش أيادي البروليتارين وهم يعملون الساعات الطوال، في ظروف قاسية، وتحت القهر النفسي؟؟؟ لكنه لا يتذمر ولا يعارض، بل أكثر من ذلك، يقدم عبارات الشكر والامتنان لجلاده، وهو ما قالته المربية " يوليا" ل" صاحب البيت": " شكرا".
في هذه اللحظة سينزع السارد " تشيخوف" قناع الرأسمالي ويرتدي قناع الثوري، فيقف غاضبا، ويسألها: عن سبب شكرها له؟
أجابت:" على النقود". إن الظروف الاقتصادية التي يعيشها البروليتاري تجعله يرضى بأبخس الأشياء، بل ويشكر من سرق رغيفه وأعطاه كسرة منه على حد تعبير" غسان كنفاني". يردف " تشيخوف" موضحا لها بأنه نهب مالها وسرقه، فلما عليها أن تشكره. تجيب " يوليا" بعبارة تلخص واقع الإنسان الكادح، وتعامل الرأسماليين معه، بقولها: " في أماكن أخرى لا يعطونني شيئا". استغرب السارد من قولها، وأكد لها أنه كان يمازحها ليس إلا، سعيا منه لتلقينها درسا تتعلم منه الدفاع عن حقها. أعطاها نقودها كاملة. ووجه لها أسئلة ينبغي لكل إنسان كادح أن يجيب عنها:
هل يمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟
لماذا لا تحتجين؟
لماذا تسكتين؟
هل يمكن في هذه الدنيا ألا تكوني حادة الأنياب؟
هل يمكن أن تكوني مغفلة لهذه الدرجة؟
ابتسمت، ابتسامة تبدي عجزها، فبدا على وجهها جواب مفاده: يمكنني!!
طلب منها الصفح، فشكرته بخجل وخرجت، وختمت القصة بعبارة تبرز بشاعة الضعف أمام نظام رأسمالي لا يهتم بالعاجزين، الذين لا يحتجون، ويسكتون، لا يهتمون بمنكسري الأنياب، بالمغفلين إن شئنا التحديد. قال: " ما أبشع أن تكون ضعيفا في هذه الدنيا".
كل البروليتاريين هم نسخة عن المربية " يوليا" سواء عمال المصانع أو المناجم، المزارعون، عمال النظافة، عمال البناء، وغيرهم من الذين يجيبون عن أسئلة الكاتب " أنطوان تشيخوف" بالكلمة نفسها، التي أجابت بها المربية " يوليا"، ويعلنون عجزهم عن التحلي بالشجاعة في الدنيا، ويكتفون بقول كلمة: " شكرا".

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 27 رجب 1441هـ الموافق لـ : 2020-03-22

التعليقات
محسن قرطاس
 أجدت أستاذ في هذه الورقة بكشفك عن المكنون في هذه القصة، من خلال ملء فراغاتها والنص عن ما وراءها... شكرا لك 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

/

كل اليمن والبركات للامة العربية والاسلامية بمناسبة حلولحلول الشهر الفضيل

/
مواضيع سابقة
كان حلما
بقلم : الأستاذ كمال راجعي
كان حلما


ليس لي من دنيا البشر إلا شبر..؟
بقلم : الأستاذ/ ابراهيم تايحي
ليس لي  من  دنيا البشر  إلا شبر..؟


رسالة الى الشعب الامريكي
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
رسالة الى الشعب الامريكي


عيد طفولة عالمي سعيد 20 20وكل عام وأنتم أحبتي بخير تحية طفولية أزفها إليكم أحبتي بكل أرجاء المعمورة وجميع الأقطار
بقلم : الأستاذ الحاج نورالدين بامون
 عيد طفولة عالمي سعيد 20 20وكل عام وأنتم أحبتي بخير تحية طفولية أزفها إليكم أحبتي بكل أرجاء المعمورة وجميع الأقطار


حلم
بقلم : فضيلة معيرش
حلم


في مجابهة الجائحة...........................
بقلم : باينين الحاج
في مجابهة الجائحة...........................


ظلوا يعتبون
بقلم : الدكتور المهندس عبد يونس لافي
ظلوا يعتبون


دمعة تائب
بقلم : محمد محمد علي جنيدي
دمعة تائب


" انبعاث الغولة وبقايا أساطير"
الدكتورة : زهرة خدرج



الذكرى الأولى لرحيل فقيدة الجزائر محاربة محو الأمية وتعليم الكبار عائشة باركي.
بقلم : الأستاذ الحاج نورالدين بامون
 الذكرى الأولى لرحيل فقيدة الجزائر محاربة محو الأمية وتعليم الكبار عائشة باركي.




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com