أصوات الشمال
الأحد 15 شوال 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الإعلامي والكاتب الفلسطيني الرحل جاك خزمو كما عرفته ..!   * تغريدة: سرقوك يا مسروق   * ترانيم البوح   *  صابرحجازي يحاور الروائي والقاص السوري محمد فتحي المقداد   * العصابة الهامانية ... في العهدة البوتفليقية   * رماد العمر   * لروحك السلام جاك خزمو   * كورونا والنظام الدولي    * ومضة في زمن كوفيد19   * قَصِائدُ وَرَوَائِعْ نهاد هاشم النقري ومحسن عبد المعطي محمد عبد ربه فِي حضرتها    * نبض الحروف    * حاتنا في خطر   * وهم السعادة   * “خمس مرحيات أندلسية للكاتب أنطونيو جالا نموذجا”   * تغريدة: فلْنَسْألْ ولنَسْتَأْنِسْ وفي ذلك خيرٌ   * هو أنا هو عيدي هو أنت   * كان حلما    * ليس لي من دنيا البشر إلا شبر..؟   * رسالة الى الشعب الامريكي   *  عيد طفولة عالمي سعيد 20 20وكل عام وأنتم أحبتي بخير تحية طفولية أزفها إليكم أحبتي بكل أرجاء المعمورة وجميع الأقطار    أرسل مشاركتك
عندما يعلو صوت الجماعة السيكولوجية عن صوت الذات
بقلم : رشا الفوال
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 331 مرة ]
رشا الفوال

عندما يعلو صوت الجماعة السيكولوجية عن صوت الذات

الانسانية هي الطبيب الألماني الذي رفض تسويق اختراعه لأمريكا التي تريد اللقاح لشعبها فقط ، امريكا هيروشيما امريكا العراق امريكا افغانستان
أما ما تكتبه أنت من بغض للدول المتخلفة والشيتة للدول المتغولة فهو لا يساوي براز كرونة ، روح ترڨالانسانية هي الطبيب الألماني الذي رفض تسويق اختراعه لأمريكا التي تريد اللقاح لشعبها فقط ، امريكا هيروشيما امريكا العراق امريكا افغانستان
أما ما تكتبه أنت من بغض للدول المتخلفة والشيتة للدول المتغولة فهو لا يساوي براز كرونة ، روح ترڨد فلا أنت الماني ولا أنت أمريكي ولا يقبلون بك حتى ان تدافع عنهم د فلا أنت الماني ولا أنت أمريكي ولا يقبلون بك حتى ان تدافع عنهم في "مملكة الأصوات البعيدة" للكاتب / أحمد الزلوعي
مقاربة نقدية من منظور نفسي
للكاتبة/ رشا الفوال

مقدمة لابد منها:
النقد النفسي للأدب يتم من خلال تفسير النصوص الأدبية بهدف الكشف عن جمالياتها وحتى نستطيع الوصول إلى الشخصية اللاشعورية للكاتب ومدى قدرته على التنفيس عن عاطفته وتوصيلها إلى الناس، " ففي دراسة الأدب والفن بعامة ثلاثة تيارات / الأول :يسمى الدراسة الموضوعية للأدب التي تحاول تكميم الظاهرة الإبداعية مستعينة فى ذلك بمنهج العلوم الطبيعية والإحصاء، والثاني يسمى التيار التحليلي الذي يهتم بنظرية التحليل النفسي والاستفادة منها في فهم الأعمال الأدبية بهدف الكشف عن البناء النفسي للمؤلف وعلاقته بالعمل الإبداعي، والثالث التيار النفسي الاكلينكي التحليلي الذي يسعى للإستفادة من التراث النفسي وعلم النفس المرضي والاكلينكي بنظرته للشخصية داخل العمل الأدبي من حيث قربها أو بعدها من الحالة المرضية وصلتها بالمؤلف (1)، الكاتب: أحمد الزلوعي من مواليد محافظة دقهلية عام 1970م ، درس الكيمياء الحيوية والفيسيولوجي بجامعتي المنصورة وقناة السويس، عمل بالمكاتب العلمية لشركات الادوية مندوبا ومشرفا ومديرا بمصر والسعودية، نشرت قصصه في العديد من المجلات و الصحف المصرية والعربية، مهتم بالحقب التاريخية و الميثولوجي وله فيه دراسات ومقالات بحثية، أحد مؤسسي مختبر سرديات المنصورة المعني بدراسة و تحليل الأعمال الإبداعية وطرح القراءات النقدية، المجموعة التي سنتناولها بالدراسة النقدية من المنظور النفسي حملت عنوان
"مملكة الأصوات البعيدة" صدرت عام 2016م عن دار روافد للنشر والتوزيع

أولًا: الإسترجال كمشكلة جوهرية في العُصاب
كل سلوك إنساني يرجع إلى نزعة أصلية في النفس هى(تمجيد الشعور بالشخصية) وتحقيق تفوقها تعويضًا لشعور كامن بالنقص له شكله العام لدى البشر جميعًا، (العصاب) إذن يرجع إلى اختلال يُصيب اتزان التضاد القائم بين الرجولة والأنوثة لدى الإنسان، ويرجع ذلك إلى الطابع الأنثوى الكامن في كل ذكر والطابع الذكري الكامن في كل أنثى، ذلك أن" الحاجة إلى التكميل تنبع من عدوانية داخلية موروثة" (2) ، فنجد "المعلم سلامة" في قصة "لون يمنع الحسد" باحثًا عن الفحولة الوهمية "هرع سرا إلى عطار شهير عاد من عنده محملا بنوع جبلى من العسل أوصاه بلعقه كل صباح.. قال له أن العسل فيه شفاء من كل داء, وأن الجماعه الخواجات من زمن كانوا يطعمون منه العرسان فى شهر الزواج الأول لذا سمى بشهر العسل .. أعطاه العطار أيضا كميات من البهارات والمكسرات والقرفة والزنجبيل, ونوعا من الأعشاب اسمه شرش الزلوع قال له أنه ينبت فى أعالى جبل بالشام, ونوعا آخر لا يذكر اسمه قال له أن الهنود الحمر كانوا يأكلونه .."، لتتضح النزعة التعويضية للقصور الضمني في الإنسان عبر(إنكار) الضعف، والإيقاع البنيوى الدال هنا يتوافق بشكل كبير مع الحالة الإجتماعية الشائعة فهاهو "المعلم سلامة" يطلي البيت باللون الأزرق منعًا للحسد "فى اليوم التالى ذبح المعلم عجلا أمام عتبات البيت, وجلس فى مقهاه يتابع العمال على السقالات وهم يطلون المبنى كله باللون الأزرق.. سأله الجيران والاصدقاء عن سر الدهان الجديد, واللون الازرق بالذات فابتسم قائلا فى نشوة، اللون الأزرق يمنع الحسد.."، أضف إلى ذلك الحقيقة البيولوجية الأكيدة وهى(خنوثة البشرHermo Phrodism) ولا يختلف الذكر عن الأنثى في ذلك إلا فى النحو الذي يعلنان به ذكوريتهما، إلا أن النزعات التعويضية الإسترجالية تحيل النشاط الجنسي إلى وسيلة للعدوان حتى وإن كان عدوانًا على الذات، وهو الأمر الذي يتضح في قصة " جدايل نجلا" فنراها "ترفع طرفي ضفيرتيها تضعهما على شفتها العليا يبدوان كشارب ملكي مرفوع.. تستخدم طرفا واحدا كشارب خطى مقوس .. تظل أمام المرآة تشكل شوارب عدة، العريض والغزير والنحيف والمعقوف والمتدلي.. صارت اللعبة هواية ليلية دائمة تلعبها أمام المرآة فتضحك لمناظرها الغريبة ضحكات حزينة.. بدأت تجرب ثياب زوجها وهى تغير شواربها.. كانت أضيق قليلا من ثيابها إلا أنها شعرت فيها براحة عجيبة.." فيصبح (الإسترجال) عاملًا مشتركًا في القصتين حتى وإن أتى مرة كوسيلة (لتوهم الفحولة) "فى اليوم التالى ذبح المعلم عجلا أمام عتبات البيت, وجلس فى مقهاه يتابع العمال على السقالات وهم يطلون المبنى كله باللون الأزرق.. سأله الجيران والاصدقاء عن سر الدهان الجديد, واللون الازرق بالذات فابتسم قائلا فى نشوة ، اللون الأزرق يمنع الحسد.."
ومرة أخرى كوسيلة(لإنكار الأنوثة)، "بدأت تجرب ثياب زوجها وهى تغير شواربها.. كانت أضيق قليلا من ثيابها إلا أنها شعرت فيها براحة عجيبة.. يوما بعد يوم بدأ صدرها يطامن من شموخه.. خفتت زعقات الأنوثة فى استدارات جسدها.. عقفت جديلتيها تحت الطرحة التي أحكمتها فأشبهت عمامة, ولم تنتبه لصوتها الذي جدت عليه خشونة طارئة, لكنها لاحظت أن بابها لم يعد مقصدا لأياد طارقة, وأن جاراتها عدن لزيارتها كما كن يفعلن من قبل.." في محاولات مستمرة لإرضاء(الجماعة السيكولوجية) التي تتمثل في المجتمع المحيط بـ "نجلا" التي بات لزامًا عليها أن تواجه المأساة وتحل الصراع بنفسها و نظرة المرأة للرجل التي تعكس موروثًا اجتماعيًا يحاصر "المعلم سلامة"
ثانيًا: اللاشعور والحُلم
"فرويد" يرى فى الأحلام تحقيقًا لرغبات قديمة بينما يرى "آدلر" فيها تحقيقًا لأهداف مستقبلية، فنجد في قصة " الحلم السابع" مايتناسب مع التفسيرين إذ يروى البطل حلمه على لسان الراوي ".كان حلما عجيبا.. رأى نفسه يعدو بسرعة حصان برى فى سهوب خضراء واسعة كالتى يراها فى أفلام طرازان.. توسط الوادى الفسيح ثم تلفت حوله ثم انكمش على نفسه يستحث أنفه كجرينوى فى فيلم العطر الذى شاهده منذ أسابيع.. نهض فجأة وقد حدد مصدر الرائحة فعدا تجاهه حتى وصل بغير لهاث .. بحيرة بجع ليس فيها إلا بجعة واحدة.. المدرسة الشابة حديثة التعيين.. خرجت من البحيرة تتراقص وحولها نثار الماء.. حملها فتحى وصعد إلى شجرة كثيفة استقرا فيها حيث الغصن فراش وثير.. طرحت الفتاة كل ثمارها فى أحضانه فأقبل ينهل بقوة ودربة حتى ثمالة الثمالة من نشوة لم يعرفها من قبل .."
والحقيقة أن الحلم إذا كان محققًا لرغبة فإن ذلك تم من خلال نزعة السيطرة والقوة، وإذا كان محققًا لأهداف مستقبلية فنراها تتضح في الشفاء من الآلام الجسدية والفوز أيضًا بإقامة علاقة مع المعلمة الجديدة في المدرسة، هو الأمر الذي يدفعنا أيضًا لملاحظة معالجة الكاتب لعلاقة الأنثى بالمجتمع عبر الحُلم بوصفه نصًا سرديًا على مستوى تخييلي ، فيشعر: من خلال الحُلم بقوته المفقودة خلف الآلام الثقيلة، هنا يضيف الحلم بعدًا موازيًا للنَص السردي لأنه غير محكوم عليه بالمنطق الواقعي فيمثل نوعًا من الهروب وتنفيسًا للآلام التي تلازمه في الصحو والمنام، ذلك أن الإنسان في لحظات الحُلم يفقد قدرته على الوعى وتسيطر عليه حالة من اللاوعى العبثي المشبع بتراكمات(الصراع)، كما أن الحُلم أضفى على النص حالة من الثراء التأويلي من خلال التنقل بين مستويين سرديين لكل منهما خصائصه الزمنية، لنجد الأستاذ "فتحي" يبتهج لأن هناك أحلام أخرى ستتكرر فيقول "فى طريقه إلى بيته تساقطت الأفكار فكرة تلو أخرى.. فتح الباب ودخل ولم تتبق فى ذهنه إلا فكرة واحدة مسيطرة واعدة متألقة رددها بينه وبين نفسه مبتهجا ، لسه باقى أربع أحلام ...... " وكأنما الحلم أصبح ملاذًا له ومخلصًا من الآلام الجسدية والنفسية ودلالة على لجوء الإنسان المعذب إلى أى طريق يضمن له النجاه حتى وإن كان طريقًا وهميًا، في حين أن الحلم أتى كوسيلة (لجلد الذات) على غفلتها في قصة "طاقة القدر" "ومن ثنايا نفسٍ تعجُ بالأشواق والمنى - رأى شيخه حميش واقفا في غرفة خالية ينظر إليه بأسى عاضا على يده, خلفه كوة صغيرة ينسرب منها ضوء شحيح.. حاول إبراهيم مخاطبته لكن صوته لم يسعفه, جاهد حنجرته فلم يفلح.. انتبه بعدها من نومه محسورا.. نهضَ يحوقلُ وهو يتلمس طريقه للوضوء.. كانت رؤيا صادقة كفلقِ الصبح لا شيةَ فيها .. أوشكتَ على الهلاك يا إبراهيم, شيخُك عليك غاضبٌ, وأنت عنه محجوبٌ , انقطع صوتك فأنت طريدٌ غيرُ مأذونٍ لك, لا حول ولا قوة إلا بالله, ماذا جنيتَ يا مسكين؟.. توضأ على عجلٍ وهرع يستلم القبلة بعينين دامعتين, كان لسانه يتلو الآيات فيما هو غارقٌ فى توبيخ نفسه.." لابد هنا أن نربط بين أحداث القصة ومافيها من ارتكاز على الموروث وإهداء الكاتب مجموعته لروح جده فيقول "إهــداء / إلى جدى فى سماوات الرحمة
لعل الملائكة تسعد بحكاياك كما كنت أسعد.."
وهو نفس الفعل الذي قام به حفيد" ابراهيم المغربي" في ختام القصة "بعد قرن ونصف من الزمان كان ثمّ مهندسٌ نابغ مسئول عن إضاءة إحدى أكبر المدن الجديدة يجلس في غرفة المراقبة يطالع صورا تبثها الأقمار الصناعية للمدينة يوم افتتاحها.. تبدّى الطريقُ الدائريُ حولها مكللا بالأنوار فيما تسطعُ إضاءاتٌ أقوي فى قلب المدينةِ الدائرةِ.. علت وجهَ المهندس ابتسامةُ طفلٍ منبهرٍ.. أسند ظهره للمقعد وعيناه لا تتحولان عن مشهد النور وهو يتمتم
الله يرحمك ياجدى إبراهيم.. "
ثالثاً: الأساطير واللاشعور الجمعي
كما يرى الفيلسوف السويسري المعاصر"كارل جوستاف يونج" فإن اللاشعور الجمعي يعتبر لاشعور يشترك فيه الناس جميعًا وتدل عليه أنماط عبارة عن صور قديمة؛ ذلك أن الأساطير فنًا آخر فوق التاريخ وتعتبر معينًا للمعرفة الأولى والأدب الأول، (فالأسطورة الطقوسية) ترتبط بالعبادات، وهو الأمر الذي تجلى في قصة " طاقة القدر"في الأيام التالية عاد يتساءل هل من الممكن أن تظهر له طاقة القدر مرةً أخرى , وماذا عساه كان يطلب وليس له في الدنيا من حاجة .. ألم يكن أولى أن يطلب لأولاده الهدايةَ أو الستر.. حكي إبراهيمُ البشارةَ لولديه؛ فأما عرفان ففرح واستبشر بأنها ستكون فاتحة خير وبركة عليهم وعلى ذريتهم, وسيحرص في قابل الأيام على توريث الحكاية إلى أبنائه كما رواها جدهم حرفيا, وأما وهدان فلم يهتم لخرافات الشيخ, وتعجب كيف استطاع هذا الرجل جمعَ ثروةٍ كبيرة وتدبيرَ تجارةٍ واسعة .."
والأسطورة التعليمية تتعلق بخلق الكون، فنرى في قصة "شجرة الإنتظار" التي اعتمد فيها الكاتب على آلية(الإزاحة) التي تعنى إعادة تمثيل الإنفعالات المحبوسة تجاه الأشخاص أو المواقف أو الأفكار بغير الأشخاص والمواقف والأفكار الأصلية التي سبقت الإنفعال، فنرى التناص مع قصة نبى الله سليمان والنمل "توزعت مشاعرهم.. نمال تبكى خوفا, وآخرى فرحا.. هل يمكن أن يحيوا فوق وجه الارض يوما.. هل تفسح لهم الضفادع و العناكب والسحالى والحشرات لهم مكانا للحياة فى نور الشمس .. هل سيأمنون على أقواتهم وبيضهم المخبأ فى جوف الارض.. هل يرتاحون من حمل الأاثقال و قطع المسافات وسطوة الخوف يوما .. واذا أمكن ذلك فهل سيكون هنا فى ذات الغابة التى لا يعلمون سواها أم هناك وراء الجدار الحجرى فى مستعمرة أقاربهم الأقوياء.."(3)
و(الأسطورة الرمزية) تتعلق بدفاع الإنسان عن نفسه بأسلحة جديدة على(المستوى التخييلي)، نلاحظ ذلك في قصة " كفر الشجرة" حيث استسلام الناس لفكرة قطع الشجرة التي كانوا يصفونها بالبركة والتي سمى الكفر بإسمها فى العلن، مع اعتراضهم على فعل القطع فى السر، وبالتالى لابد من استخدام أسلحة جديدة لا يعاقب عليها القانون ولا البشر" كانوا قد ألقوك في العراء قريبا من موضعك القديم.. ذهبوا فرحين يخططون لإقامة بناء مكانك حتى يطمسوا حرمك.. ولما عادوا بعد الليالي الثلاث لم يجدوا لك أثرا.. لقد تسلل أهالي العزبة ليلا إلى حيث ألقوك إلى مثواك الذي لم يكن الأخير, اقتطع كل منهم جزءا.. ذهب يحمله إلى بيته بإجلال.. زرع الرجالُ أغصانك في باحات البيوت, ونواصي الطرقات, وزرع النساءُ أعوادك فوق الأسطح, وفى المناور"
و(الأسطورة التاريخية) تجعل الأبطال عظماء وترفعهم إلى مرتبة مغايرة، فنرى في قصة "مذاق الماضي" التأكيد على الموروث التاريخي السائد بأن (البنت أم أبيها) فيقول الكاتب "أسائل نفسي هل من المعقول ألا يوجد من بين فناجين زوجتي واحد فقط يشبه فنجان أمي" وما يلبث أن يجد الإجابة فيقول " وفيما كنت منهمكا في القراءة وضع أمامي فنجان شاي.. بحركة آلية مددت يدي إليه.. ما إن رشفته حتى أحسست أنني وجدت شيئا طال بحثي عنه, رفعت وجهي فإذا هي ابنتي الصغيرة.. قالت وهى تعابث ضفيرتها، بالأمس تعلمت صنع الشاي يا بابا.." فالكتابة الأدبية هُنا تتحدى الضغوطات وسلطة المجتمع عبر اللجوء لإستخدام (الرمز)" في محاولة لتجنب الرقابة والاضطهاد المجتمعي "(4)
رابعًا: بين التفرد والمسايرة
السواء النفسي في نظر "ايريك فروم" يتميز بالقدرة على الحب والخلق والتحرر من الإرتباط البدائي بالمحارم والعشيرة والأرض والإحساس بالذات القائم على أساس حرية الفرد، فكون الفرد سويًا أو غير سوى أمر يتوقف على ظروف المجتمع، بالتالي فالشروط اللازمة لحل أزمات الإنسان النفسية تتبلور في شكل(الصراع) و(الوعي الأليم) وتغيير نظام حياة الإنسان نفسُه، إذن الصراع " هو القاعدة الأولى التي تقوم عليها الكتابة الدرامية " (5)
ففي قصة " انفجار إطار أمامي" نجد السلطة المطلقة للوقت مما ساهم في كشف الانفعالات المتباينة من شخص لآخر، وإقامة العلاقات الشخصية لا على أساس تقدير الناس بعضهم لبعض، بل على أساس(العلاقة المكانية)، تلك الانفعالات التي كانت بمثابة تنبؤًا ما بالنتائج "فيما كان المسعفون يحملون الجثتين إلى السيارة كان محروس قد غادر بيت أمه, واتخذ طريق هروبه الذي سيكون موفقا.. وكان مستر عزت يشطب بقلم أحمر اسم رانيا من كشف طويل أمامه.. رئيس التحرير كان قد دفع بمقال إضافي له عوضا عن مقال الصحفي مجدي.. دخلت الجثتان السيارة, وأغلقت عليهما.. رن هاتف الدكتور فخري .. كانت الممرضة تطمئنه.. فقد قام الدكتور الشاب وائل بإجراء الولادة القيصرية بنجاح .. أكدت له أن سعاد بخير فيما كان صوت الوليدين واضحا تماما فى أذن الدكتور.. كانا يضجان ببكاء عصبي حاد.."، النهاية هُنا تحيلنا إلى عمق واقع المجتمع بعاداته وانعدام تقديره لقيمة الوقت، وكذلك تحيلنا إلى علاقة الإنسان بأنساق المجتمع، ولأن الميكانيزم الذي تعمل بواسطته سلطة المجتمع غير السوية هو(المسايرة) Conformity يؤدي إلى تقنين الذوق والقدرة على الحكم وإلغاء التوازن بين(العام والخاص)، كانت أحداث قصة " يوم سعيد" التي تدفعنا للنظر في مركزية قيم (الأنا) والاعتقاد بعجز الثقافة المجتمعية عن حماية الإنسان فنرى "سعيد" وقد " أغلق التلفزيون وطوح بالريموت بعيدا.. اتصل بأصدقائه.. أسامة الذى يكافح منذ خمس سنوات ليهاجر إلى كندا.. عمرو الذى يقضى إجازة قصيرة يعود بعدها الى الخليج.. خالد الذى نقل إقامته الى القاهرة ليتسنى له الاختلاط بمثقفى العاصمة, ويحلم بنشر ديوانه الوحيد (أرجوحة قد لا تتسع الا لفرد واحد).. وجد الجميع مشغولا فى ظروف مختلفة"
خامسًا: الحوار الضمني بين الفتور والتوهج
النَص يرتكز على(الحوار الضمني) بين الشخصيات عبر الإنتقال خلال نقاط مختلفة على خط الزمن فنرى "صبري" الذي لايملك القدرة على الإنفلات من أفكاره، فى قصة " تجوال ليلي" والتعبير عن وطأة (الأنا) المقهورة أمام شهوتها ونظرة المجتمع لها "الرفاق تبخروا, والظروف ضنت بثمن يعدل المزاج؛ حتى نوال ابتلعها الليل.. تواردت على رأسه أفكار شتى .. علقة حامية من أمه في طفولته حين سرق تفاحة من بيت الجيران.. عشرة طاولة كسبها بالأمس من صديق محترف.. أثر جرح قديم فى إبهام كفه الأيسر.. عمله فى ورشة سيارات فى سن السادسة.. وجه زوج أمه الغاضب دائما.. سنوات العمل فى العراق.. ضاق بأفكاره.. لا سيجارة تزيح الوساوس.. ولا نوال تريح نفسه القلقة.." فالإنسان هنا تتحكم فيه غريزتان أساسيتان، (الأولى: الأنانية)، و(الثانية: الغيرية)، فهو لايرضىَّ بحياة العزلة، وعندما يحافظ على حياته بدافع من(الأنانية) يسعى في الوقت نفسه للعيش في المجتمع
ونرى المحبوس في مكانه عبر لغة تتسم بالتكرار، "يرى اللوحات من داخلها كأنه موجود وسط أبعادها الثلاثية لذلك يراها كل مرة بعين جديدة, وتتبدى له من زوايا لا نهاية لها.." نحن هُنا أمام كتابة تعتمد على(الاختزال اللغوى)، وهو تكنيك يبرر معالجة الكاتب للأبعاد المعقدة للعلاقات الإجتماعية وتأثيراتها على شخصية الفرد وهو الأمر الذي يتفق مع رأى الفلاسفة حين عرفوا الشخصية على أنها " الذات الواعية لكيانها المستقلة في إرادتها"(6)
، والشخصية عامل أساسي يطلق عليه(التصرف الإنساني) "والتصورات الفكرية التي دفعت إليه، هى التي تميز الإنسان عن جماعته التي يشبهها في الأصل وينتمي إليها؛ فيكون لديه أسلوبه المختلف في التعامل مع تجاربه الخاصة"(7)، التصورات الفكرية في قصة "هروب" أدت إلى العزلة "فلن يخرج كالعادة من غرفته إلا صباح اليوم التالي..غرفته فى أقصى الطابق العلوي معزولة عن البيت.. يتمنى لو كانت معزولة عن العالم.. يغلق بابها يخلع ملابسه كلها.. يقف وسط الغرفة يهتز متجاوبا مع الأغنيةI want to cry"
سادسًا: أساليب السرد
استخدم الكاتب أسلوب السرد المباشر القائم على وصف المشاهد والشخصيات في إطار زماني مكاني واضح، وهو الأسلوب التقليدي الذي أتى في مواضع متعددة ليكون السرد بمثابة تهيئة لفكر المتلقي، فنرى في قصة "مالاعين رأت" تداخل الأزمنة السردية وهو الأمر الذي يعكس "براعة الكاتب في تحويل الحكاية إلى قصة "(8)، فيقول" جلس يخطط لإقامة معرضه بما أنجز من صور.. سيحفل المعرض بصور شكسبير وأبطاله والوجوه فى شتى اللحظات إلى اليمين, وصور معالم المدن ووجوه الطبيعة إلى اليسار, وفى صدر قاعة العرض سيعلق الكاميرا التى طال تعلقها بعنقه تعلوها علبة بلاستيكية صغيرة منغلقة على عشر صور للدنيا, تخيل بعينه اللاقطة الصورة الأولى لافتتاح المعرض.. كان اسم المعرض مكتوبا على لوحة كبيرة فى المدخل.. ( ما لا عين رأت ).."، واستخدم كذلك أسلوب (تيار الوعى) ليكشف لنا انفعالات الشخصيات المترددة من خلال تصوير النفس الإنسانية التي باتت أسيرة الصراعات، متبعًا في ذلك إثارة(الدراما الذهنية) فنراه يتجنب أسلوب(المونولوج) ويتجنب الإنطباعات الحسية، وقد وجد من خلال هذا الأسلوب متسعًا من الحرية في تسخير الشخصيات لرؤاه وغايته الفكرية محافظًا على المصداقية في التعامل مع صراعات الأبطال ذلك أن " العمل الأدبي من أرقى وأعلى المستويات الدرامية"(9)
سابعًا: أنساق بناء النصوص
النسق هو" النظام البنائي للأحداث حيث يتم ترتيبها وفق تتابع زمني سببي" (10)
فالكاتب وضعنا أمام نسقين متوافقين هما نسق(التناوب) ونسق(التضمين)، نسق التناوب يتضح من خلال القصص التي تحمل أزمنة وأماكن مختلفة مثل قصص " الحلم السابع" و" انفجار الإطار الأمامي" و" تجوال ليلي"، فالأساس هو كسر التتابع المنطقي في بناء الأحداث، فالمجموعة تضم عدد ثمانية عشرة قصة بعضها مستلهم من الأحداث الحالية والبعض الآخر مستلهم من التراث عبر عنها من زاوية(الرمز)، فنراه يبرر فكرة الإسترجال في قصة "جدايل نجلا" ، ويبحث عن الفحولة في قصة " لون يمنع الحسد"، ويبحث عن الصحة ليخفف من وطئة العجز بإلقاء اللوم على الذات فى قصة " الحلم السابع"، أما نسق التضمين فيعني أن الكاتب ضمن قصصه كقصص مستوحاه من خارج محيط البناء السردي، لكنها مرتبطة بموضوعه، وهو النسق الذي يستند عادة على الموروث الأسطوري أو التاريخي مثل قصة "عازف الناى" وقصة "كفر الشجرة" وقصة " شجرة الانتظار"، مع ملاحظة أن(نسق التضمين) يأتي في أعطاف (نسق التناوب) لتحقيق قدرًا وافرًا من التشويق في بناء الأحداث، مع مايقدمه من متعة وحكمة منشؤها استحضار الموروث ذي القيمة الرمزية في نفس المتلقي، فنجد أنه تم (تضمين) الصراع عبر مشاهد القصص كخلاصة للواقع المؤلم المخزى الذي يتنكر له معظم الناس
ثامنًا: توظيف معطيات الرمز التاريخي
يظل توظيف الرمز التاريخي واستلهام القصص المختلفة من أزمنة وأماكن متباينة من أهم الوسائل في معالجة النصوص الأدبية فيما يخص علاقة الإنسان(بالجماعة السيكولوجية)، ويتم ذلك من خلال(الموروث التاريخي) واستشراف النهايات في خطوط رمزية أفقية وعرضية تتقد بإيحاءاتها العميقة، فنجد الكاتب يبحث في دفاتر التاريخ ويلتقط المشاهد الأكثر إيلامًا وضررًا في النفس وهو مشهد(الكبت) الملازم لمعظم المصريين، يتضح ذلك في قصة " كفر الشجرة" عندما تسلل أهل الكفر وجمعوا غصون الشجرة المقطوعة وإعادة زراعتها في بيوتهم كنوع من التحدي الغير معلن لقيود وسلطوية الجماعة
تاسعًا: الإيقاع
الكاتب عن طريق توظيف تقنية الحُلم قد أضاف للنص سمة جمالية فنية هى إيجاد نوع من(الإيقاع) في جسد الأحداث، ليقوم بعمل المهدىء حينًا والمحفز حينًا آخر، ونتلمس شيئًا من هذا الإيقاع في تقطيع بدايات بعض النصوص، فيقول مثلًا في قصة " طاقة القدر" "يا هيا براهيا أدوناى أصباؤت آل شداى" ويقول فى مطلع قصة "مملكة الأصوات البعيدة" "تك تك تك رتيبة , بم بم بم متقطعة, زززززز لحوحة, طاخ مفاجئة , كر كر كر كر متصاعدة , دب دب دب قوية , ممممممممم مكتومة, زنننننننننن متواصلة , رنننن مجلجلة , سسسسس خافتة, آآآآآآه زاعقة, سك سك سك صاخبة, رررررر معافرة, كاك كااااك معترضة , سو سو سو حادة, عععععع ناعقة..."، وهو متأثر هنا أيضًا بالحروف المتقطعة في النص القرآني؛ ليقدم لنا المفارقات الدرامية مستندة لشىء من الواقع وهى الحقائق التاريخية عبر مسارات الحدث الخيالي وانتهائه في مجرد حلم
عاشرًا: القصور والتعويض Inferiority and Compensation
فكرة(القصور) من الأفكار المبكرة في نظرية " آدلر" ، لذلك وضع نظريته في علم النفس على أساس مبدأ(تعويض القصور)، فالقصور العضوي لا يعوض في المجال العضوى وحده بل قد يجد في النشاط النفسي مادة تعويضية، هذا التفسير يثبت لنا أن(التعويض المرضي) تعويض غير مباشر يؤدى إلى تشويه النشاط الأصلي وخلق نشاطًا جديدًا ليصبح النشاط الأصلي نفسه قاصرًا، وهو الأمر الذي يتفق مع وجهة نظر"أرسطو" الذي يعتبر أول من أوضح أن الإنسان حيوان اجتماعي، وهناك طائفة من العلماء المحدثين حاولوا تصوير هذة العلاقة على أساس اعتبار المجتمع كائنًا عضويًا تتعاون فيه الأعضاء، فنرى في قصة " عازف الناى" ان الكاتب اعتمد على آلية(التوحد) فتبنى صفات أضفىَّ عليها هالة من القداسة فيقول "رنا عازف الناى إلى الشراع وقد توحد بنصف القرص المنكفىء فى المدى" ثم أتبعها بآلية (الإنسحاب) فيقول " لم يجد فى فمه هواءا, ولا فى صدره نغما.. ألقى الناى جانبا.. ومضى.." فالكتابة الأدبية نشاط إنساني ذو قدرة كبيرة على سبر غور الحقائق النفسية، كما أن الصور الفنية التي تشكلها القصة والقيم الدلالية فيها ناتجة عن الظروف النفسية للكاتب ، التى نتج عنها مايسمى الجو العام للنَص، كما أن(الفردية) في جميع مراحلها ليست في الواقع إلا درجة من درجات الحياة الإجتماعية، ففي قصة "الكرسيولوجي" تتجلى الشخصية المتسلقة "لم يمر وقت طويل حتى جلس على أكبر كرسي في إحدى الوزارات.. أيقن الجميع أن الأمر لم يكن مجرد عبث أو دعابة, وأن علم الكرسيولوجى لا يقتصر على أنواع الكراسي الخشبية وأشكالها؛ وإنما يشكل الوصول إليها بابا عظيما من أبوابه.. انتبهوا إلى طريقة معاملته التى كانت تختلف مع أصحاب الكراسى وفق مراتب كراسيهم .. انحناءة رأس تكفى أمام بعض المدراء لكنها تصبح انحناءة ظهر أمام الأعلى فالأعلى, وابتسامة لطيفة فى وجه البعض تصبح احتفاء متوهجا أمام آخرين.. كل إشارة ولفتة وكلمة كانت بمقدار معلوم حسب موقع الكرسى.." لنجد أنفسنا أم الحالة الوسط بين السلطة والتبعية فالخضوع يكون أشد وضوحًا كلما ازدادت وقاحة السلطة ووحشيتها وطغيانها أو كلما كان جشعها يدفع الإنسان لامتهان ذاته، نميز هنا بين شكلين من أشكال الإرادة؛ الإرادة العضوية(إرادة الحياة) و( الإرادة العقلية)، مع ملاحظة أن (إرادة الحياة) قائمة على جلب اللذة وإبعاد الألم، وهذة الإرادة هى مصدر(الحاسه الخلقية) لأن الخير ليس إلا نوعًا من العقل العملي الغرض منه تحقيق الرفاهية للجنس البشري، ففي قصة " أيقونة للفرح" عبر الكاتب عن اكتئاب المشاهير الناجم ربما عن التقدم في العمر أو سلطوية التجاعيد، بنموذج يمثل قطاعًا كبيرًا من نجوم الفن "كانت سنوات عشر قد آذنت بالتمام حين كانت نجمات جديدات قد مزقن الغمام وابتدأن التوهج.. خفتت بروق الفلاشات عن فينوس التى لم تعد جديدة.. وانحسر طلب المنتجين مع انحسار ابتسامتها.. حزمت حقائبها ورحلت إلى بلاد يملؤها الضباب الرمادى وسريعا ما انقطعت أخبارها.."، أما (الإرادة العاقلية) فتهدف إلى غرض واحد هو سعادة الإنسان دون النظر إلى(الجماعة السيكولوجية)، فنجد قصة "مرآة ومرآة" تعبر عن آلية (الإسقاط) التي اتبعتها الزوجة المطحونة، غير المهتمة بنفسها في وجود صديقتها، "ألا ينتهى شغل بيتك أبدا.. كلما زرتك وجدتك على هذا الحال.. حتى أناقتك أصبحت مشغولة عنها ، ابتسمت وهزت رأسها تحسرا أناقتى ؟.. لن نأخذ زمننا وزمن غيرنا " ، ذلك أن ضغوط(الجماعة السيكولوجية) تعتبر أساس البحث عن مظاهر القوة والطمع والطموح ومكانها خارج نطاق الأخلاق؛ لأنها لاتولِد إلا روح العداء، والآلية المتبعة هنا هى(الإنكار) الذي يتسم(بالتخييل) و(وهم التعويض)، لأن الأساليب الوهمية لتحقيق الأهداف ترضىَّ بـ(كأن) ولذلك يعتبر دور الجماعة أساسيًا بوصفها مقررة للأهداف ومحددة لسبل تحقيقها، لذلك نرى الكاتب ينتصر ضمنيًا لتلك(الجماعة السيكولوجية) في قصة "الذين يرثون الأرض" معبرًا عن مفهوم الوعى الجماهيري الذي يعتبر أوسع من الوعي الإجتماعي، فالشخصيات التي استحوذت على المكان في القصة رغم مايملكونه من قوة روحية إلا أنهم ظلوا مأزومين بوصفهم يسكنون الخواء "تحول المكان الي بؤرة حياة متوهجة في البلدة.. أطلق الناس عليه اسما جديدا .. فلا هو قصر الباشا، ولا هو الضرايب.. إنه (السويقة).. رايح السويقة.. جاى من السويقة.. أقابلك فى السويقة.."
_ خاتمة
تزداد مهمة السرد صعوبة حين يلتقي البناء السردي مع المضامين المجتمعية الشائكة كالمضمون السياسي أو الديني، إلا أن الكاتب قد برع في رصد قانون التملك والتجمع الطبيعي، الذي يبدو في عدة مظاهر منها تملك الإنسان(ُسلطة المجتمع) في قصة "جدائل نجلا" وتملك الأشياء كما في قصة "كرسيولوجي"، والتملك الروحي وأساسه سيطرة العقيدة وتسلطها على عقول الأفراد، في قصة "طاقة القدر" وقصة "كفر الشجرة" وقصة " لون يمنع الحسد"، فحتى التعاطف الروحي بين الشخصيات في القصص كان تعبيرًا خالصًا عن(إنكار الذات) أو(الغيرية) كما في قصة "هروب" و قصة " عازف الناي"، ذلك أن "الأفراد ينتمون للجماعة بقدر مايندمجون في إرادتها وروحها العامة وبقدر مايشعرون بالإرتياح والإنسياق في تيارها العام"(11) كما تجلىَّ في قصص " يوم سعيد" و "تجوال ليلي"
نرى في النصوص أيضًا أن(وحدة المكان) فرضت علاقات مشتركة، تقوم في أصلها على التبادل الذي تجلىَّ بين أشخاص لا تربطهم صلة دم ولا يُستبعد أن يكونوا أعداء بالطبيعة جمعت بينهم المصلحة، كما في قصة " انفجار إطار أمامي" ونرى أيضًا (المونتاج المكاني) في قصة " مالا عين رأت" حيث قام البطل بيجميع الصور وتثبيت الزمن السردي وتحريك الشخصيات مكانيًا، وهكذا نشأت المفارقة الدرامية عبر العلاقات المتبادلة بين عنصري الزمان والمكان بواسطة تحريكهما وتثبيتهما من خلال التصوير، كما أن الكاتب استطاع الجمع بين(الحلم) فالحلم ماهو إلا تفريغ للمكبوت وتصالح مع العجز العام و(الواقع) الذي يعتبر بمثابة الألم الذي لايسلمنا للموت أو للحياة في سياق سردي غني بمضمونه لتبدو النصوص متفوقًة على ذاتها وعالية بحالتها الرمزية في قصة " الحلم السابع"، وقصة " طاقة القدر" كما نجد أن الكاتب منح شكلًا من الحيوية بكسر التحرك الإعتيادي للأحداث باستخدام نسق(التناوب) يتضح من خلال النصوص التي تحمل أزمنة وأماكن مختلفة، مستعينًا في ذلك ببعض الآليات كالاسترجاع والمونتاج الزماني والمكاني، والبحث عن نقاط التلاقي واكتشاف المتناقضات بعيدة المدى ، فنراه يقف على كل ذلك بانتهاء الحدث واستمرار الأصوات كما فى قصة " مملكة الأصوات البعيدة" تلك القصة التي تجلت فيها قدرة الكاتب على تثبيت المكان وتحريك الشخصيات خلاله زمنيًا، فالقصة تكاد تكون خالية من الملامح المرعبة والأصوات ليست موغلة في القُبح وليست مخيفة للغاية رغم تعددها وتباينها ،" لذلك كانت استجابة الكاتب لتلك الأصوات يغلب عليها طابع المعقول المحتمل الوقوع "(12)، كما نجد الكاتب اعتمد على اللقطات الخاطفة واستبطان الشخصيات المأزومة نفسيًا ، فقد يتوقع حدث قبل وقوعه، وقد يحكيه من خلال التزامن وقد يلاحقه لحظة بلحظة، لنجد مكنونات النفس تطفو مع حكاية كل حدث " وهذة من أبرز آثار استخدام تقنيات الدعم الدرامي للحدث"(13)، وكافة المشاهد الموروثة في النصوص تظهر من خلال رؤى الكاتب حول الحاضر ومقارنته بالماضي مع التحوير في بعض المشاهد وفق مايجده محفزًا للنجاة من تأثير(الجماعة السيكولوجية)، كما برع الكاتب في توظيف معطيات(الموروث) فالحدث التاريخي يعد أحد أكثر الرموز إيحاءً وحيوية لدى الشخصيات وتوظيفه في النصوص يعتبر استثمارًا عميقًا يشعل روح الدراما، فقد أظهر الشخصية المحورية في دور الفاعل حينًا وحاول كشف العلاقات بين الشخصيات أحيانًا أخرى، بهدف إظهار أزمة الإنسان المعاصر من خلال إلقاء الضوء على دوافعه وكأن السرد مرتكزًا على (تثبيت المكان، والحالة النفسية، والعلاقة بالجماعة السيكولوجية)، وأراد الكاتب من ذلك منح عمله تنوعًا وقبولًا من قبل المتلقين على اختلاف ثقافاتهم فنجد البُعد الحالم والبُعد السياسي والبُعد الموروث من خلال مزجه بين السيرة الذاتية والقيم المجتمعية، نحن أمام كتابة تبرز إحساس الشخصيات بالإنهزام الذي لم ينه المشكلة العالقة في النصوص ، ذلك أن المجتمع عجز عن حماية الشخصيات التي باتت تعيش تناقضًا بين الروح والسلوكيات اليومية
_ المراجع
1_ خالد عبد الغنى (2018)،"الذات والموضوع :قراءات نفسية لنماذج من الشعر والرواية"،الهيئة الاستشارية للنشر والتوزيع ، القاهرة
2_ أحمد فائق(1965) "علم النفس الفردى لألفريد آدلر،" الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، مج3، ع8 ،ص 605
3_ أريئيل شيطريت(2007)،"الإشارات الى السياسة: سياسة الهوية والصراع في أعمال الكاتب علاء حيحل"، رسالة دكتوراة، جامعة بن غوريون، النقب
4_ عبد الستار ابراهيم(2002)، "الحكمة الضائعة:الإبداع والاضطراب النفسي والمجتمع"، سلسلة عالم المعرفة، الكويت
5_ نهاد صليحة(1986)، " المسرح بين الفن والفكر"، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ص21
6_ إبراهيم مصطفى، وأحمد الزيات(1972)، " المعجم الوسيط"، المكتبة الإسلامية، استانبول، ط2، ج1، ص475، مادة "شَخَّص"
7_ جبور عبد النور(1984)،"المعجم الأدبي"، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، ص146
8_ عبد الرحيم كردي(1996)،" الراوى والنَص القصصي"، القاهرة،ط1
9_ عز الدين اسماعيل(1994)،"الشعر العربي المعاصر،قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية"، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، ط5، ص 239
10_ ا.م.فوستر(2001)،"أركان القصة"، ترجمة: كمال عياد، مراجعة حسن محمود، تقديم :ماهر فريد، تحرير: محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1
11_ السيد محمد بدوي(1966)،" الجماعة والمجتمع لفرديناند تويتنز"، الهيئة المصرية للتأليف والنشر،مج4،ع8
12_ إبراهيم سُكر(1967)،" الأساطير الإغريقية"، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، مج5،ع1
13_ ميجان الرويلي، وسعد البازعي(2000)،" دليل الناقد الأدبي"، المركز الثقافي العربي، الدار


نشر في الموقع بتاريخ : السبت 26 رجب 1441هـ الموافق لـ : 2020-03-21



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

أخبار سريعة

/

كل اليمن والبركات للامة العربية والاسلامية بمناسبة حلولحلول الشهر الفضيل

/
مواضيع سابقة
كورونا والنظام الدولي
بقلم : فواد الكنجي
كورونا والنظام الدولي


ومضة في زمن كوفيد19
بقلم : فاطمة الزهرة بيلوك
ومضة في زمن كوفيد19


قَصِائدُ وَرَوَائِعْ نهاد هاشم النقري ومحسن عبد المعطي محمد عبد ربه فِي حضرتها
بقلم : نهاد النقري ومحسن عبد ربه
قَصِائدُ وَرَوَائِعْ نهاد هاشم النقري ومحسن عبد المعطي محمد عبد ربه فِي حضرتها


نبض الحروف
بقلم : شاكر فريد حسن
نبض الحروف


حاتنا في خطر
بقلم : زيتوني ع القادر
حاتنا في خطر


وهم السعادة
بقلم : رابح بلطرش
وهم السعادة


“خمس مرحيات أندلسية للكاتب أنطونيو جالا نموذجا”
بقلم : د. رشا غانم
“خمس مرحيات أندلسية للكاتب أنطونيو جالا نموذجا”


تغريدة: فلْنَسْألْ ولنَسْتَأْنِسْ وفي ذلك خيرٌ
بقلم : الدكتور المهندس عبد يونس لافي
تغريدة: فلْنَسْألْ ولنَسْتَأْنِسْ وفي ذلك خيرٌ


هو أنا هو عيدي هو أنت
بقلم : شاهيناز نور
هو أنا هو عيدي هو أنت


كان حلما
بقلم : الأستاذ كمال راجعي
كان حلما




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com