أصوات الشمال
السبت 11 شعبان 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * المقامـــــة الكاvــــــيّة *   *  الحجر المنحرف للّصوص.   * أباطرة الإحتكار   * فكرة الولادة الأدبية الفنية عند الجنسين المبدعين / دراسة   * كورُونْا.. الْوَجَعُ الْفَائِضُ..!   *  وقفة مع كتاب: «حـكمـة الـفن الإسلامـي» للدكتورة زهراء رهنورد   * تصوح الذكريات    * العشق في النّكبات عيب   * مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {111} مُعَلَّقَةُ جُنُونِ الْكُورُونَا    * أسئلة الزمن الموبوء   * رباعيات ( كورونا )   * مؤانسة فكرية مع المبدعة الخنشلية ( رانيا ربيعي ).   * الرياضة في مواجهة فيروس كورونا المخيف.... وعي ومشاركة في العمل التطوعي و الخيري   * هرب من كرونا فمات بغيره..   * أحمد بن الونّان التواتي...وقصة الشمقمقية.   * الام مفتاح السعادة   *  الناقد "اعمر سطايحي " متابعة نقدية في ديوان"فسيفساء من الهايكو الجزائري    * سمرائـي في دارها مغتربة   * كورونا ألجمت أبواق الاسلاموفوبيا في الغرب و أخرصت جوقة الانسجام مع قيم الجمهورية في فرنسا..   * قوة السؤال و دلالة الإنكار في ديوان " هل أتاك حديث أندلس " للدكتورة سعاد الناصر    أرسل مشاركتك
نظرية الشعر الإسلامي بين الـمنهج والتطبيق في الـميزان-منظور عباس الـمناصرة نـموذجاً-
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 344 مرة ]
صورة  الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة

لعل أحداً لا يحتاج إلى كبير عناء، لكي يدرك أن مصطلح«نظرية»يتسم بالشمول،والاتساع،فهو مصطلح مشترك بين شتى العلوم،فالنظرية في بعض المفاهيم الفلسفية يُقصد بها«مجموعة من الموضوعات القابلة للبرهنة، والقوانين المنتظمة التي تخضع للفحص التجريبيّ،وتكون غايتها وضع حقيقة لنظام علمي»)1(.
وانطلاقاً من هذا المفهوم يتبين لنا أن الباحث المقتدر الدكتور عباس المناصرة يسعى إلى مناقشة جملة من المفاهيم التي تساهم في التأسيس لنظرية للشعر الإسلامي بين المنهج،والتطبيق،وذلك في كتابه الموسوم ب: «مقدمة في نظرية الشعر الإسلامي بين المنهج والتطبيق»،وهو الكتاب القيم الذي وصفه الأستاذ يوسف العظم،بأنه من« النوع المتخصص الذي يبحث في قضية(الشعر الإسلامي بين المنهج والتطبيق) بموضوعية جادة،وجرأة مهذبة،وغيرة كريمة،واستقلالية جديدة.وقد استخدم فيه مؤلفه لغة رصينة،وأسلوباً شيقاً، وسهلاً ممتنعاً، لا تعقيد فيه،ولا تنطع،إنها حقاً متعة تغوص في ثنايا نظرية الشعر الإسلامية مفصلة في المنهج والتطبيق،مما يستحق معه المؤلف الشكر ،والتقدير الخالص، لحرصه على بلوغ الموضوع ،وإبرازه في أحسن صورة، وأجلى سبيل »)2(.
ينطلق الدكتور عباس المناصرة في عرض رؤيته من التأكيد على أن التفكير الإسلامي هو تصور ،واتصال بالواقع ، وترابط للمعلومات،واكتشاف للعلاقات، وتعرف على الحقائق،والأدب الإسلامي-وفقاً لرؤيته-ينطلق من التعبير الفني عن قيمة الحقيقة، أو المقاصد، والنوايا، حيث تربت هذه القيمة على فكر حمل التصور، أو العقيدة الإسلامية.

لعل أحداً لا يحتاج إلى كبير عناء، لكي يدرك أن مصطلح«نظرية»يتسم بالشمول،والاتساع،فهو مصطلح مشترك بين شتى العلوم،فالنظرية في بعض المفاهيم الفلسفية يُقصد بها«مجموعة من الموضوعات القابلة للبرهنة، والقوانين المنتظمة التي تخضع للفحص التجريبيّ،وتكون غايتها وضع حقيقة لنظام علمي»)1(.
وانطلاقاً من هذا المفهوم يتبين لنا أن الباحث المقتدر الدكتور عباس المناصرة يسعى إلى مناقشة جملة من المفاهيم التي تساهم في التأسيس لنظرية للشعر الإسلامي بين المنهج،والتطبيق،وذلك في كتابه الموسوم ب: «مقدمة في نظرية الشعر الإسلامي بين المنهج والتطبيق»،وهو الكتاب القيم الذي وصفه الأستاذ يوسف العظم،بأنه من« النوع المتخصص الذي يبحث في قضية(الشعر الإسلامي بين المنهج والتطبيق) بموضوعية جادة،وجرأة مهذبة،وغيرة كريمة،واستقلالية جديدة.وقد استخدم فيه مؤلفه لغة رصينة،وأسلوباً شيقاً، وسهلاً ممتنعاً، لا تعقيد فيه،ولا تنطع،إنها حقاً متعة تغوص في ثنايا نظرية الشعر الإسلامية مفصلة في المنهج والتطبيق،مما يستحق معه المؤلف الشكر ،والتقدير الخالص، لحرصه على بلوغ الموضوع ،وإبرازه في أحسن صورة، وأجلى سبيل »)2(.
ينطلق الدكتور عباس المناصرة في عرض رؤيته من التأكيد على أن التفكير الإسلامي هو تصور ،واتصال بالواقع ، وترابط للمعلومات،واكتشاف للعلاقات، وتعرف على الحقائق،والأدب الإسلامي-وفقاً لرؤيته-ينطلق من التعبير الفني عن قيمة الحقيقة، أو المقاصد، والنوايا، حيث تربت هذه القيمة على فكر حمل التصور، أو العقيدة الإسلامية.
إن الدكتور عباس المناصرة يُحدد منذ البداية وجهته،فيصرح أنه« بالإمكان أن نبحث عن أدب إسلامي ناضج،إذا تغلغلت العقيدة في فكر الشاعر المسلم، وأشرفت على تنظيف قلبه من غبار الجاهلية.
عندها يكون الشاعر قادراً على تشكيل المشاعر التشكيل الإسلامي،حيث تتربى المشاعر، والأهواء، والميول، والمقاصد ،على التبعية الكاملة لنهج الله ،وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام(لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، والسبب في ذلك، أن العقيدة هنا بمثابة التربة،والمشاعر،والأهواء، بمثابة الغراس،والسلوك التعبيري عنها(الأدب) بمثابة الثمار،وبهذا الاعتبار،تكون المعاني،والإيحاءات الإسلامية في الأدب دائرة حول تحبيب الناس في عقيدة التوحيد الخالصة من كل شرك،وتزين لهم منهاج النبي عليه الصلاة والسلام،وتتفاعل مع محبته،و ريادة دينه للحياة،حياة الناس بشمولها،وعمومها،وحمل منهاجه في تفسير الحياة في كل صغيرة، وكبيرة»)3(.
وبالنسبة إلى الغايات والأهداف من الإبداع الأدبي ، والشعري الإسلامي،فالأديب المسلم لا يريد إدهاش الناس بقدراته الفنية،لنيل إعجابهم،فهو يدرك بأن اكتساب القدرة الفنية هو جزء مهم من معالم الفن،بيد أنها تظل وسيلة،و ليست غاية،ويُوجه الدكتور عباس المناصرة نقده نحو دعاة التغريب الذين جعلوا من التعقيد الفني غاية،من أجل قتل الأمة في لغتها تحت اسم التطور،فقد استعجل دعاة التحديث بطرح نظريات التغريب في الأدب،من أجل عزل تيار الإحياء،والقضاء عليه.
ولقد ظلت المحاولات الإسلامية تنطلق دائماً من النوايا الطيبة،والغيرة على كيان الأمة الثقافي،والأدبي،و تمكن تيار الإحياء الإسلامي في محاولاته أن ينتج في(الجانب الإبداعي) أدباً إسلامياً في معظم الأنواع الأدبية المشهورة من شعر،ورواية،ومسرحية،وحديث إذاعي،وخاطرة.
يحدد الدكتور المناصرة رؤيته،ومنهجه في سعيه للتأسيس لنظرية للشعر الإسلامي ،بالتأكيد على أنه قد اجتهد أن يكون عمله محدداً بهدفين:
1- وضع مقدمة منهجية تبين طريق الانتقال من فكر الصحوة الإسلامية(العام العائم) ،إلى فكر النهضة الإسلامية(المتخصصة)،وذلك ليكون النهج ميسراً أمام النظرية الإسلامية الأدبية المبحوث عنها،وكذلك بغرض الإفادة من ذلك في محاكمة فكر الصحوة، وإيضاح الطريق الذي يؤدي إلى الانتقال من(قوقعة الفكر العام)، إلى منهج الفكر المتخصص للأدب، وغيره.
2- تحديد(الوثائق الشرعية) لاستخلاص النظرية الأدبية، من القرآن الكريم،والسنة النبوية الشريفة،وأدب الصحابة والراشدين،من أجل تأكيد أهمية مصادر استخراج المقاييس النقدية للفن الإسلامي،حتى يكون التنظير شرعياً إسلامياً، وأدبياً متخصصاً،وبعد ذلك تأتي مرحلة الدمج بين(النظرية والتطبيق)،عن طريق دراسة نماذج أدبية متميزة)4(.
التجربة التطبيقية الأولى للإسلام(السيرة النبوية الشريفة)
يشير الدكتور عباس المناصرة إلى أن النزول إلى الواقع بنظرية إسلامية مستمدة من تفسير العلماء للقرآن الكريم،والسنة النبوية الشريفة ، من أجل التطبيق،يقتضي توفر مجموعة من العناصر التي تكتسي أهمية بالغة، وتُساهم في تحقيق هذا الهدف،وهي:
«أولاً: النظرية الإسلامية الواضحة المستخرجة من الإسلام نفسه في موضوع محدد.
ثانياً: فهم الواقع الذي ستنزل فيه هذه النظرية، وعناصر هذا الواقع.
ثالثاً: المؤسسة المشرفة على التطبيق ، وتتكون مما يلي: النظرية ، والأهداف، والمراحل الغايات، والوسائل، والخطة، والزمن المحدد.
-كادر من فقهاء التنفيذ، يجمعون بين أمور منها فقه النظريات، وفقه الواقع، وفقه التنزيل على الواقع.
-كادر من فقهاء المتابعة وظيفته ضبط الفهم النظري،والتجريبي،والمؤسسي في الواقع،وتصويب الأخطاء بعد حصرها ، وتحديدها.
-تكرار التجربة والتوسع فيها ، للتأكد من صحتها،وصحة نتائجها، من أجل تعميمها»)5(.
و يرى الدكتور عباس المناصرة أن الهدف من هذه المرحلة هو نقل الإسلام من المراحل السابقة،مراحل التصور الذهني العقيدي النظري،إلى الواقع التطبيقي، وذلك من خلال مؤسسات مسؤولة عن التجربة، وتنفيذها،ونقدها، وتصحيحها ،من أجل الوصول إلى أعلى مراتب التطبيق،وبذلك يتحقق إثبات الشمولية عملياً في الواقع،وتطوير النظرية في اتجاه العمق،وتطوير التطبيق والعمل،وتطوير الواقع في اتجاه الأهداف ، والغايات.
و بالنسبة إلى استخراج نظرية للأدب الإسلامي،يدعو الدكتور عباس المناصرة إلى ضرورة وضع مسار للتنفيذ ينطلق من قوله تعالى: ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾-سورة آل عمران الآية:119-.
إذ لابد من التعامل مع النصوص الشرعية لقضية الأدب،والشعر دون إهمال لشاردة ،أو واردة،فمنهجية الانتقاء بقصد،أو بغير قصد، تعد مرفوضة شرعاً في التعامل مع كتاب الله ،وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما يقترح أن يتم تحديد شواهد النظرية الأدبية الإسلامية من خلال مصادرها الشرعية،بعقلية تستطيع المزج بين الخبرة العلمية المتخصصة،والمرونة،والخضوع لمعطيات النصوص، ثم تأتي مرحلة إدراك العلاقة المتشابكة بين جميع النظريات الإسلامية، وارتباطها الوثيق مع العقيدة،والشريعة، ونظام الحياة في المفهوم الإسلامي،إضافة إلى تتبع مقاصد هذه النصوص في علوم التفسير،والسنة، والسيرة، ونقلها إلى مرحلة النظرية المتكاملة،التي تضع جميع الشواهد في مواضعها من خريطة النظرية، واستقراء هذه الشواهد لتحديد الخاص،والعام،والحلال،والحرام، والمكروه،وهذا سيؤدي إلى الخروج بأفكار واضحة التصور،ونظرية مترابطة.
ومن بين الرؤى التي تلفت الانتباه،والتي تعمق معها الدكتور عباس المناصرة ضرورة تتبع الجهود الإسلامية المعاصرة التي بذلت في البحث عن(نظرية الأدب الإسلامي)،وذلك لإدراك،ومعرفة طبيعة تلك المحاولات، وتقييمها، وعرض جهودها بناء على المقاييس السابقة التي أشار إليها المؤلف،من أجل تصحيح الفهم،والتطبيق،بحثاً عن المسار العلمي،ويؤكد الدكتور المناصرة على ضرورة أن يجمع من يتصدى لقضية التنظير في(نظرية الأدب الإسلامي) في علمه،وخبرته بين جملة من الصفات،و من أبرزها«العلم العميق بشواهد النظريات التي تخص الأدب في القرآن الكريم،وجمع الآيات التي تخص اللغة،والبيان،والشعر، والكلمة، وخطرها،وحكم الإسلام فيها،ثم ما يخص هذه المواضيع من السنة الشريفة(الأحاديث)،أو(التقرير) لأدب الصحابة،وآراء علماء التفسير في ذلك،وإتقان علوم الأدب وفنونه، من حيث العلم العميق بتاريخ الأدب العربي،وعصوره،والأنواع الأدبية،والمدارس الفنية التي سادت فيه،والمؤثرات الداخلية،والخارجية،التي أثرت في الإنتاج الأدبي،بالإضافة إلى التمرس بفقه اللغة العربية، وعلومها،حتى يكون في منهجه ملماً بالجوانب العلمية لأهل الصنعة الأدبية،والمنهجية الفقهية،وبذلك يكون مؤهلاً من الجانبين(التخصصي، والشرعي)للتنظير لهذا الفن»)6(.
الوثائق الخمس لاستخراج نظرية الأدب الإسلامي
لقد بنى الدكتور عباس المناصرة جهوده للتأسيس لنظرية للأدب الإسلامي على ضرورة الاعتماد على الوثائق الخمس،وفي مقدمتها القرآن الكريم،الذي نلفي فيه جملة من الشواهد التي تؤسس نظرية للأدب،وقد صنف الدكتور المناصرة تلك الشواهد إلى ثلاثة خطوط رئيسة هي:
1-نعمة اللغة،والبيان،حيث إن البيان البشري بشكل عام هو فطرة ربانية،ومنه فنون الأدب:الشعر،والنثر،والقصة،والفنون الأدبية التي لا حرمة فيها،إذا استعملت بشروطها الشرعية.
2-قيمة البيان وخطره، حيث إن الإنسان يُحاسب على هذه النعمة،إذا خرجت عن وظيفتها،وفي هذا مقدمة شرعية للبحث عن نظرية الالتزام،والأدب،والأخلاق.
3-قضية الشعر ،وتفاصيلها في القرآن الكريم،وهي تمثل المقاييس الشرعية،وثوابتها للقضية الأدبية من كلام الله سبحانه،وتعالى،إذ أن الأدب فن يعتمد البيان،وهو فن قولي له مقاييسه التي تميزه عن باقي فنون القول في الحياة البشرية.
أما الوثيقة الثانية فهي السنة النبوية الشريفة(الأحاديث)،حيث يُنبه الدكتور المناصرة لدى عرضه لهذه الوثيقة، إلى أنه يُمكن تصنيف الأحاديث الشريفة في قضية الأدب،ولاسيما في فن الشعر إلى نوعين:
النوع الأول: وهو الذي يتحدث عن قضية الشعر ،وتفاصيلها بشكل خاص،ومباشر.
النوع الثاني: وهو الذي يركز على أثر البيان، وخطر الكلمة،وقيمة البيان،ومسؤولية الكلمة،فالأحاديث النبوية الشريفة يُمكن أن تكون مادة غنية للمنظِّر الأدبي،إذا جمع بين الخبرة الكافية، وسعة الأفق في إدراك مقاصد النظرية الأدبية،كما أنه يتوجب عليه أن يُحسن الاستقراء،والاستنتاج منها.
ويُعد الدكتور عباس المناصرة أدب الصحابة الكرام(الشعر والنثر)،وثيقة ثالثة ،لها أهمية خاصة،حيث شرحها بدقة،وإسهاب،وأرجع أهميتها إلى أمور كثيرة منها:
1-كونها تمثل النموذج الفني الإبداعي،و«الوثيقة الفنية للأدب الإسلامي،الذي استجاب لله ورسوله،فأنتج أدباً إسلامياً تتجسد فيه المقاييس القرآنية والنبوية،في فنون أدبية متعددة:كالشعر، والرسائل، والوصايا،والحكمة،والخطابة.
2-إن هذا الأدب أصبح جزءاً من التشريع الإسلامي ، والسنة النبوية(التقرير) ، لأنه نال إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم،ورضاه...،وهو يفرض على المنظرين استخراج مقاييس النظرية الأدبية الإسلامية من أدبهم الذي نال إقرار النبي عليه الصلاة والسلام.
3-إن هذه الفترة، هي التي تمثل خير القرون،وكانت السيرة النبوية النموذج الشامل للإسلام في مختلف جوانب الحياة...،وبهذا تكون هذه الفترة،هي التي قدمت نصوص النموذج الأدبي للإسلام،وهي النصوص التي نالت تقرير الرسول عليه الصلاة والسلام،وهي النموذج لأدب إسلامي مقر شرعياً،من الذي لا ينطق عن الهوى.. »)7(.
وقد اعتبر الدكتور المناصرة قضية خلود المذهب الإسلامي واستمراره وثيقة رابعة،وهي وثيقة واضحة تثبت قدرة هذا الدين على الاستمرار،حيث يستمر مذهبه الأدبي،وتظل قدرته ثابتة في توجيه الأدب العربي لصالحه،حيث إن هذه الوثيقة تنفي الادعاءات التي ترى أن الأدب الإسلامي مصيره الموت، والوأد،وهي الادعاءات التي يدعيها دعاة التغريب كما يذكر الباحث عباس المناصرة،ويذهب إلى القول في هذا الشأن:«...حاول دعاة التغريب تمرير أفكارهم الخبيثة،التي تصور أن الإسلام أنتج أدباً إسلامياً في فترة الدعوة الأولى(أدب الصحابة)،وبعدها انتهى تأثير هذا الإسلام على الأدب العربي، وعاد الأدب العربي إلى سابق عهده قبل الإسلام،بمؤثرات قليلة من الإسلام،ولذلك نجد أنهم يحاولون وباستمرار طمس حياة مذهب الإسلام في الأدب،أو النظرية الأدبية الإسلامية،وينكرون استمرارها من أجل تشويه الأدب العربي،وحرف مساره في محاولة لوأد هذا الأدب، من خلال عدم تشجيع الدراسات النقدية الجامعية للتنقيب عنه،واعترفوا به فقط ضمن تاريخ الأدب العربي كمذهب منقرض لا امتداد له،وهنا يتأكد الواجب الكبير على دعاة النظرية،أو المذهب الإسلامي في الأدب،أن تنصب دراستهم النظرية والعملية على الأدب العربي،لإثبات إسلامية هذا الأدب،لأن هذا الإثبات معناه استمرار حياة وخلود المذهب الإسلامي،وفي هذا تحصين للأدب العربي من الهجمة التغريبية »)8(.
كرس الدكتور عباس المناصرة القسم الأخير من جهوده لاستخراج نظرية للأدب الإسلامي،للحديث عن الوثيقة الخامسة التي وسمها ب«التعبير عن طموحات النظرية الإسلامية وهمومها في ظل الثوابت والأولويات الشرعية»،وهذه الوثيقة تتجلى أهميتها في الاعتراف بحق أبناء هذا الزمن في التعبير عن هموم ،وهواجس النظرية الإسلامية، وطموحاتها،في ظل الثوابت، والأولويات الشرعية، وفي ضوء الخضوع لها، والتقيد بها ،ويُعدها الباحث عباس المناصرة حقاً لكل أديب،أو ناقد مسلم في كل الأزمنة، والأمكنة، فيتوجب عليه أن يفكر،ويجتهد، من أجل تطوير المناهج،والوسائل،والأدوات التي ترقى بالنظرية الإسلامية،وتطبيقاتها في الأدب،وهذا من شأنه أن يُعمق النظرية، ويضيف إليها الكثير ، من خلال حشد الطاقات ، والخبرات العلمية، والتذوقية ، والمنهجية.
إن ما يُلاحظ على جهود الباحث عباس المناصرة هو أنه لم يقتصر على التحليل،والنقاش،والطرح فحسب،بل سعى إلى إيجاد حلول ناجعة، وقدم أفكاراً ورؤى تستحق الإشادة،والتنويه،وهي أهل لأن ينظر،ويدقق فيها النقاد الذين يهتمون بقضايا الأدب الإسلامي،ومن أبرز الأفكار التي سعى الدكتور عباس المناصرة إلى تكريسها للنهوض بنظرية الشعر الإسلامي:
أولاً: الوضوح والإيصال:فهما غاية البيان،وهذا يقتضي أن يكون هدف الفنية الإسلامية في الأدب التبليغ،الذي يُنافي الغموض،ولأن الغموض سيؤدي حتماً إلى قتل غايات الأدب،ويضعف تأثيره.
ثانياً:يجب التفريق بين(طبيعة الأدب)،التي تنهض على الفنية،وتميز الأدب عن سواه من الفنون،والعلوم،و(وظيفة الأدب)،التي تقوم على توظيف تأثيره في خدمة قيم الدين،والأخلاق،وكلاهما في الإسلام أصل شرعي، لا يمكن التهاون فيه على حساب الآخر،حيث يرى الدكتور عباس المناصرة أن التهاون في مواصفات(طبيعة الأدب) يعني الخروج من الأدب نفسه،كونك تتنازل عن الفنية،والصنعة، والتميز،وهذا يعني التفريط في الإتقان،وهذا يعني الاعتراف بالأدب الضعيف،والذي يصبح عاجزاً عن القيام بوظيفته.
أما التهاون في الأصل الثاني(وظيفة الأدب)،فهو يعني الخروج عن الإسلام نفسه،وفصل الأدب عن الأخلاق،ولا ريب في أن هذا الأمر مرفوض شرعاً،لأنه يعني فصل الدين عن الأدب،ويخلص الدكتور عباس المناصرة إلى أنه لا يُمكن الفصل بين طبيعة الأدب،ووظيفته،فالجودة والإتقان تضمن التأثير،والتأثير معناه القيام بمهام الوظيفة خير قيام.
ثالثاً: الخيال الإسلامي : فالصورة الفنية تستمد خيالها من عقائدها،وهي تخضع للعقائد،لذلك فنقاء الخيال«من ضرورات محافظة الأمم على نفسها من الاختلاط ،والمسخ،والفنيات الأدبية لا تتكون بمعزل عن تصور الأمم وقائدها،فخيال الأمة الإسلامية يرجع في أصوله إلى تفسيرها للكون، والحياة، والإنسان،والذي أخذته من عقيدتها...
والخيال الإسلامي خيال ممتد بحدود التصور الإسلامي ، ثم تختزن هذه الخبرات في الذاكرة لتصبح مرجعاً،ومنهجاً يستشار،ويقاس عليه في القضايا الفكرية، والثقافية، وبعدها تأتي قضية الإخراج الفني،والجمالي للتجربة الشعورية القلبية من قبل الخيال»)8(.
يقترح الدكتور عباس المناصرة ثلاثة مقاييس رئيسة يحتكم الخيال لها في الإخراج الفني للقصيدة أثناء عملية الصياغة، والأداء الفني للتجربة الأدبية،وهي:
1-المعقولية:وهي تعني أن يناسب المقال الحال في البناء الفني.
2-الجمال: وهذا يعني أن يكون البناء الفني خاضعاً لمعيار الجمال، والتناسب، والتناسق،حيث يبرز الصدق الشعوري، والفني،والواقعي،ويقوم بإيصاله بطريقة مؤثرة،وموحية للمتلقي.
3-نقل التوتر:وهو مقياس يعتمد على دقة نقل التجربة الشعورية،مما يمكن القارئ من استعادة التجربة، والتوتر الذي رافقها،فيشارك الشاعر أحاسيسه، ويتعاطف مع تجربته الصادقة، على الرغم من المسافة الفاصلة بينهما من حيث الزمان،والمكان.
وينبه الدكتور عباس المناصرة في الختام إلى بعض الموضوعات،والقضايا التي يمكن دراستها،والتوسع فيها من أجل إثراء الأدب الإسلامي ،وهي:أهمية الأدب في بناء وجدان الأمة،والعلاقة بين الأديب والناقد،ومبررات الدعوة للأدب الإسلامي،وتفسير الظاهرة الأدبية، وتعريفها.
الهوامش:
(1) د.عبد الملك مرتاض:نظرية النص الأدبي،منشورات دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع،الجزائر،2007م،ص:35.
(2) ينظر الغلاف الخلفي لكتاب الدكتور عباس المناصرة:مقدمة في نظرية الشعر الإسلامي-المنهج والتطبيق-،منشورات مؤسسة الرسالة ببيروت، ودار البشير في عمان ،الأردن ، ط:01، 1997 م.
(3) د.عباس المناصرة: مقدمة في نظرية الشعر الإسلامي-المنهج والتطبيق-، منشورات مؤسسة الرسالة ببيروت، ودار البشير في عمان،الأردن،ط:01، 1997م ،ص:6.
(4) د.عباس المناصرة:مقدمة في نظرية الشعر الإسلامي-المنهج والتطبيق-،ص:9-10.
(5)المرجع نفسه،ص:43.
(6)المرجع نفسه،ص:48-49.
(7)المرجع نفسه،ص:52.
(8)المرجع نفسه،ص:171.



الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
كلية الآداب ،جامعة عنابة،الجزائر

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 8 جمادى الثاني 1441هـ الموافق لـ : 2020-02-02



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

نهر الطفولة

زبير دردوخ
مواضيع سابقة
مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {111} مُعَلَّقَةُ جُنُونِ الْكُورُونَا
بقلم : شاعر العالم محسن عبد ربه
مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {111} مُعَلَّقَةُ جُنُونِ الْكُورُونَا


أسئلة الزمن الموبوء
الدكتور : بومدين جلالي
أسئلة الزمن الموبوء


رباعيات ( كورونا )
شعر : محمد محمد علي جنيدي
رباعيات ( كورونا )


مؤانسة فكرية مع المبدعة الخنشلية ( رانيا ربيعي ).
بقلم : حاورها : البشير بوكثير
مؤانسة فكرية مع المبدعة الخنشلية ( رانيا ربيعي ).


الرياضة في مواجهة فيروس كورونا المخيف.... وعي ومشاركة في العمل التطوعي و الخيري
بقلم : الأستاذ المستشار :نعمان عبد الغني -
الرياضة في مواجهة فيروس كورونا المخيف.... وعي ومشاركة في العمل التطوعي و الخيري


هرب من كرونا فمات بغيره..
بقلم : الكاتب . سعدي صباح
هرب من كرونا فمات بغيره..


أحمد بن الونّان التواتي...وقصة الشمقمقية.
بقلم : محمد بسكر
أحمد بن الونّان التواتي...وقصة الشمقمقية.


الام مفتاح السعادة
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
الام مفتاح السعادة


الناقد "اعمر سطايحي " متابعة نقدية في ديوان"فسيفساء من الهايكو الجزائري
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
        الناقد


سمرائـي في دارها مغتربة
بقلم : الأستاذ/ ابراهيم تايحي
سمرائـي في  دارها  مغتربة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com