0
22 1441 :
 * دعني انام فيك ولا اصحو   * مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {138}مُعَلَّقَةُ النَّصِيبْ    * محمد الأخضر السائحي رائد أدب الطفل في الجزائر   * صناعة التقدم وصناعة التخلف   * المتذمرون   * حديث صريح مع الشاعر الفلسطيني، ابن الناصرة، جمال قعوار عن الشعر وتجربته الشعرية   * أجرَاسُ الرَحِيلِ    * غطـاء   * خيانة القضية الفلسطينية   * طفولــة   * الشاعر الحداثي سيف الملوك سكتة يكتب نصه بعيدا عن المعاد والمكرر والصور الشعرية التي فقدت تأثيرها ودهشتها ...قصيدة " الرائي " أنموذجا"    * صابرحجازي يحاور القاص والروائي السوداني فتحي عبدالعزيز   * في سجال عمقي    * مناقشة دكتوراه عن شعر محمود رويش بقسم الأدب العربي -جامعة سكيكدة   * "لَيلٌ وحتى في النهار"   * قصة قصيرة جدا / تفكيك..   * دعاء   * . تلكم هي دمعتي ...   *  عودة الأستاذ محمد الشريف بغامي في كتاب    * رواية جديدة بنكهة الوطن   
 |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    | 

Warning: Use of undefined constant DOCUMENT_ROOT - assumed 'DOCUMENT_ROOT' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/aswatelchamal/public_html/ar/page98.php on line 47
وهج المشاعر... !
بقلم : خالدي وليد

[ : 1188 ]
الدكتور خالدي وليد

وهج المشاعر... !

يتساءل بلا كلل... !
يتساءل بقلب ثائر وحانق، وجبينه ينضح بالعرق، رمى بكامل ثقله مسندا ظهره إلى جذع شجرة... !!
ولكن الوساوس في جنح الظلام، مزقت قلبه حتى ذاب كالجليد... !
يسأل التاريخ أولا، ثم يسأل نفسه ثانية، بل العشرات من الأسئلة تتدفق من على شفتيه، حرة سليلة بلا تمحيص ولا رقابة.
ما الذي يريده الأسد الأبيض بعودته؟ ..!
أتراه اشتهى الأيام التي خلت بعدما رحل خلسة منذ أعوام مضت عفا الدهر عنها ؟.. أم يطمح لإسماعنا صوت زئيره مجددا؛ لنتبرع بما تبقى من الدم بدون ترخيص أو مقابل؟.. لم يفكر بنرجسية متعالية؟. لم يفسر هدوءنا بالضعف والعجز وعدم المقدرة على المواجهة حتى تسول له نفسه ذلك؟.
أيحب بكل ما أوتي من قوة، مشاهدة الأمواج المتلاطمة على الصخور تتعالى عن كثب، لتزرع في نفوسنا الرعب .. وأن تعود كما كانت في السابق ترعد فرائصنا، كرصاصة صياد مجهول تباغتنا، ونحن ساعتئذ قابعون في وسط بيوتنا ننسج الأكفان المتنوعة بأصابع أيدينا، نقف أمام مصير مجهول؟...
آه آه الحلم الذي كان يداعبنا تحول إلى كابوس حقيقي، ويحك أيها الزمن، الشعور بالأمان انسحب من كياننا كسرعة البرق، وفر بجلده بعيدا، هناك في الأقاصي البعيدة، يجوب الأمصار باحثا عن حياة أفضل من هذه الحياة التي ما فتئت تتربص بنا كالموت... !
يا أسفاه، أغرانا بهدوئه وصمته ردحا من الزمن، وجاءت عودته المفاجئة كضربة الشمس الحارقة، مسخت تقاسيم البراءة، وحطمت جليد القلوب، فأنزلت بها تصدعات وتشققات، فأضحى قلبا مكروبا يخاف حتى من ظله، ولا ينفك يعد الدقائق والثواني، وهو في كامل قواه العقلية، يحمل أمتعته، ويهيئ راحلته، ويتجه نحو مثواه الأخير، لكي يدفن حيا في مقبرة منسية.
قلت في قرارة نفسي، الموت الذي يحمله بين يديه؛ لم يكن يشكل المعضلة الكبرى.. المعضلة الكبرى أن نرى أحلامنا وأمانينا تلبس ثيابا رثة، وتنتعل أحذية مقعرة بالية، تعيش في لجج الهم والوحدة والعزلة، يعربد الفراغ فيها، تتلفع بكفن.. وليس في حوزتنا فعل أي شيء إزاء الموقف، كحسناء في مستنقع أضناها النحيب والعويل، فأحرقت الدموع لغزارتها جفون عينيها، ترتسم من على محياها علامات الألم والحزن والحرمان، فهي تدرك تماما حجم المعاناة والمشقة، وتدرك أيضا أن الماء ينام والخائن لا ينام ... ! وهاهي تستعد لتحذف الحياة الهادئة والسعيدة من دفتر حساباتها، تحت خيبة أمل كبيرة، تتحسس أنفاسها المعدودة على رنين صوتها المتدفق في الهواء الطلق، الذي ما فتئ يتلاشى بالمجان... !حتى المزاد العلني شاح في وجهها، ورفض أن يحتويها ويضمها إلى قائمة المقبولين...فاليخت الذي حلمت بكل شغف أن تمتطي صهوته، عاد أدراجه واستسلم لنوم عميق ممددا فوق التراب...لأن سطوة الأسد الأبيض؛ حولت الزمان إلى رجل يشهر سيفه في وجوهنا بأسلوب فذ، ينطفئ معها شعاع الحياة الإنسانية... !!
ومن محاسن الصدف قاطعه التاريخ قائلا:
لا عليك يا عزيزي !فعبارات الدهشة والحيرة بادية على وجهك، فاطمئن فكلانا يعيش نفس المعضلة، فحقا الموت الحقيقي في قاموسنا لا يشكل محنة كبرى.. المحنة الكبرى أن يمزق بمخالبه ما يحيا فينا من طموح، ونحن لا زلنا في مقتبل العمر، وعلى قيد الحياة، نشتم نسيم الهواء الصباحي المنعش، تحت سقف السماء، وبساط الأرض، أولا ترى أن الشمس لا زالت وما تزال تلوح في الأفق، تلقي بأشعتها الذهبية، ليتوهج الحب في مقلتيها من أجلنا ولأجلنا... والقمر المتراقص في كبد السماء بإصراره ما يزال كل ليلة يجود بضوئه علينا من أجل أن يلقي شعلة الأمل في صدورنا... ويقول لنا باستمرار: المجتمعات المتحضرة يختفي فيها الصوت المرتفع...أما المجتمعات التي تقضم الجمال بأطراف أسنانها، فأصواتها يصاحبها ضجيج وصخب..
لقد عقد الأسد الأبيض اتفاقا مع الزمن أن ينساق وراء أحلامه الزائفة، التي ترسخت في ذهنه، ويحول قلبه إلى مخمرة، تشرب علب السجائر، ويفرط الجسد في تناول الأقراص المهلوسة، وتحت نغمات التهديد يستحوذ بكل برودة أعصاب على كل قلادة ذهبية علت أعناقنا، لإخماد الحريق المهول الذي يجتاح باحة صدره، ويخلد اسمه في مزبلة التاريخ، وهناك أمام نزواته وانجذابه نحو عشقه الشهواني، اندفع بخفة وسرعة مذهلة، ومن شدة الحماسة، لم يتمالك نفسه، وأزمع على تنفيذ الأمر، فراح يطيح بالأشياء التي لطالما كانت السند والمدد، وهذا ما تبقى لنا في هذه الحياة... !فالحياة داخل أسوارنا يلفها السكون ويخيم عليها الهدوء، ولكنها في الخارج تعج بالحركة والنشاط، ولمثل هذا اليوم شعر برغبة شديدة بأن يضحي بالسماء التي تظللنا، والنجوم التي تتلألأ في وسطها، ويشطر القمر إلى شطرين، من أجل أن يزيل كل نور علا صفحاته، ويقدم بكل وقاحة طمس شروق الشمس، ليلقي بظلامه الدامس في هذا البهو الفسيح، ويحرمنا متعة الحياة الحقيقية، ويسحق بقدميه الراحة من أمامنا... !
شوه صورة الزمان بجحوده، وبسرية تامة يتلون كالحرباء، ليظهر من جديد كلما كانت الفرصة سانحة، وبعد ذلك يشرع في رمي حممه كالبركان عندما يثور، وكل ما كان في حوزتنا في هذه اللحظة سار في طريقه إلى الهلاك والدمار، وأضحت حقيقة تبعث على الضيق.
كل هذا حدث في تلك الأيام التي كنا فيها نتأبط وعودا متأرجحة، نمتطي جمالا ضامرة، ونتفوه بالتراهات، نعتلي الأبراج العاجية التي تنتشي بشموخ زائف.. وها نحن في ذا الزمان نشعر بنوبة قلبية تجتاحنا، ونجد أنفسنا مشدودي الساقين، متلبدي الملامح، غارقين في أوحال أفكارنا السمجة..
حل الوقت الذي تكون فيه عقارب الساعة غير محظوظة كسابق عهدها، اليوم تتهيأ لموت حقيقي تدمن الصمت، شاخصة البصر، تحملق في دهشة، لأنها عرفت الحق ففرت منه، وعرفت الشر فأقبلت عليه.. كان الجميع ينظرون للموضوع على أنه محض ادعاء، لهذا كان كل واحد منا يحرص على التصنع في المعاملة؛ بإظهار الجميل و ستر القبيح..
الكثير من بني جلدتنا الآن يركبون الأمواج على حين غفلة منا، يمتطون قوارب الموت، يرددون مقولة لطالما تناهت إلى مسامعنا " ياكلني الحوت وما ياكلنيش الدود "..ولكن إلى متى؟!..

: 19 1441 : 2019-11-16