أصوات الشمال
الجمعة 18 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * قراءة إعلامية في سلوكات المؤسسة العسكرية أثناء إدارة الأزمة في الجزائر    * تصور الأخرة عند العرب في الجاهلية والإسلام. عنوان المؤلف الجديد إصدار لسعادة الدكتور عبد الله شادة بفرنسا.   * صورة الحاكم في رواية مملكة الموز للكاتب بوعلام بطاطاش   * المواطنة والتعليم في الجزائر ... الواقع والمآلات.   * أريد أن أخون الرمانة   *  صابرحجازي يحاور الكاتب والاعلامي المغربي حسن سليماني   * اصدار جديد   * دموع من أجل النبي- صلى الله عليه وسلم   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي للثانوية يحتفيان بالعيدين   * شعرية البياض في مجموعة " بحيرة الصمت " للمغربية نعيمة زايد   * الحِوَارِيُّونَ و المُعَلِّم..   * الثورة الجزائرية والشعر    * بمناسبة إعادة نشر كتبه بالعربية و ذكرى رحيله الـ 46 ... مالك بن نبي والساحة الثقافية الفرنكوفونية.    * سكينة العابد أستاذة علوم الإتصال بجامعة قسنطينة 3: نحن بحاجة إلى حوكمة إعلامية    * ق ق ج / اكتشاف    * "ملاك ابنة النور"..نص عن طفلة عزابة التي احترقت   * يستيقظ الصّبح    * الإشكاليات والعوائق التي تقف وراء التوزيع والإشهار لإصدارات المؤلفين   * لماذا ليس لدي أب   * عن العنف مرة أخرى وأخرى..!    أرسل مشاركتك
حب في الحراك
قصة : عمار بوزيدي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 339 مرة ]

التقاها صدفة في العاصمة فغيرت حياته و حياتها و الجزائر ككل

حب في الحراك
بعد ما استقر جلوسا في الحافلة راح يرمق الناس من وراء الزجاج كصبي يتطلع و يكتشف ، و كأن زيارته للعاصمة هي الأولى ؛ إنه فتى عفوي مرح بريء . بالرغم من مستواه العالي في الأدب فقد تنبو منه حركات طائشة شقية ؛ غمزة هنا و بسمة مع أخرى و تحاذق مع تلك ؛ إلى أن ارتجت الحافلة ارتجاجا شديدا إثر اصطدام سيارة بها ، ففزع الركاب و قفز بسرعة من عليها ليستطلع جلية الأمر و إذا بشرطية تصيح بمن في السيارة موجهة المسدس نحوه : و لا حركة أظهر يديك و إلا أطلقت عليك الرصاص بسرعة بسرعة . كان دخان خفيف ينبعث من محرك السيارة يحجب قليلا مرأى تلك الشرطية التي أبهرته و تركته مسمّرا مكانه لا حركة ؛ و كأنه المعني بخطابها ، اقتربت من السيارة بحذر شديد حتى فتحت الباب على السائق الذي كان شبه مغمى عليه فسحبته منها و في غمضة عين كبّلته , كانت حركاتها خفيفة و رشيقة و شعرها المعقوص من وراء القبعة يزيدها عنفوانا و سيطرة . و التحق بقية الأعوان و استلموا المتهم منها ثم راحت تفتش السيارة ، حتى إذا فرغت انتبهت عليه محدّقا بها مسمّرا فتقدمت نحوه فغرق في عينيها الخضراوين كبحيرة لا قاع لها تنقطع دونه الأنفاس ، و دفئ يملأ جسمه كلما تقدمت ، حتى فطن لها تطلب منه أوراقه الثبوتية ، و في غمرة الارتباك أوقع ما معه من كتب و محاضرات ، آسف آسف و أعطاها البطاقة ، و ما إن لمحت الاسم في البطاقة حتى رجعت إلى الوراء فزعة مخرجة المسدس اركع اركع ارفع يديك فذهل و جمد في مكانه فصاحت به مرة أخرى فنزل على ركبتيه و أسرعت نحوه تقيده و عون الأمن ليس بعيدا جاء مسرعا ؛ ماذا هناك ؟ فقالت بغمز : أنظر . فأخذ البطاقة و نظر فيها ، أوه هذا أنت فرفعه من كوعه بقوة و تلقاه الأعوان ليركبوه في سيارة الشرطة التي تتأهب للرحيل .
لم يفهم شيئا مما يحدث قال : لماذا تعتقلونني ، ما الذي يجري ، التفت إليه شرطي و قال : ما الذي يجري آه ؟ في المركز ستعرف . و عند الدخول رآها تُستقبل باحترام كبير فعرف أنها رئيسة المركز ، فأومأت أن يضعوه في الحبس الاحتياطي ، فقذفوه داخله و كان الأسير الأول قد سبقه مستلقيا على ظهره يشكو من بعض الكدمات إثر الحادث ، بقي في حيرة من أمره مشوش الفكر مشتتا ، فقلبه مصدوم و عقله مصدوم و جسمه محبوس في أمر لا يدري ما يكون .
و مر بعض الوقت في عذاب و إذا بها تخرج من مكتبها مارة عليه من وراء القضبان و إذا بقلبه يكاد يقفز من صدره محدثا زلزالا في كل كيانه لا يملك من جسمه شيئا ؛ فالرعشة و الروعة تكاد تذهب بعقله ، إنها تمشى الهوينى في سكينة غريبة تجللها أضواء و أنوار و ألوان تسلب اللب كحورية تسبح بين مروج الزهر تنحني الكائنات لها حبا و تكريما . رمقته شزرا قبل أن يُغيّبها الممر ، ابتلع بقية ريقه بصعوبة و استدار متكئا على القضبان مع تنهيدة وصلت حرارتُها مسامعَها .
اقتيد الأسير للتحقيق و تركوه ، حتى إذا جنّ الظلام فتح الحارس الباب و قال : قم . و سار به في الرواق حتى دخل غرفة فارغة ليس بها شيء غير طاولة و كرسيين متقابلين فأجلسه على الكرسي حتى دخل أحد المحققين و بيده ملف ، فتحه ، رمقه و بدا كأنه يقارن بينه و بينه ، راح يقلب الأوراق و يظهر بعض التفاعل مع بعضها بتعابير وجهه ، ثم قال : ما اسمك ؟ فأجابه : اسمي مدون عندكم في البطاقة . ابتسم المحقق ابتسامة خبث و قال : أعرف و لكن أسألك عن اسمك الحقيقي . فرد : ليس لي اسم غير المدون في البطاقة ، أريد أن أعرف ما الذي يجري ، ماذا تريدون مني ، هل أنا مشتبه ، و في ماذا ؟ . وضع المحقق الملف من يده و قال : لا تراوغ نحن نعرف عنك كل شيء ، منذ قدومك من باريس و انخراطك في الحراك تحت مظلة الطلبة ، لن تعزب عنا نواياكم التخريبية و أجنداتكم الانفصالية . هنا انتفض كالأسد : أي أجندات و أي انخراط و أي باريس تتحدث ، لا بد أنه اختلط الاسم عليكم و اشتبه ، فأنا لا أملك جواز سفر حتى ، و لم يسبق لي أن خرجت من الجزائر ، اسألوا أهل الجلفة عني ، تقصوا جيدا ، هذا اشتباه . انتهره المحقق و أمره بالجلوس : إنكارك هذا لن يفيدك بشيء ، تفضل . دفع إليه بالملف و كان ثخينا . اقرأ أم أنك ستنكر أنك قارئ . هنا رمق الملف عن كره و سحبه ، قال المحقق : سأتركك لتتملى جيدا عساك تحسن القرار .
في أول ورقة صورة له و معلوماته الشخصية التي لا تختلف عن الحقيقة كثيرا ، ذهل ، ثم قلب و إذا بتقارير عنه تصف بدقة كل مراحل تنقلاته داخل الجيش و مشاركاته في كل الأعمال الإجرامية ، و إذا بقضايا فساد ضخمة كان أربابها ما يسمى بالدولة العميقة ؛ اغتيالات باسم الارهاب و تحويلات لملايير الدولارات و تلاعب لا يوصف في هيكلة الدولة و الانتخابات و تهديدات و الأكبر من كل ذلك تخابر مع المخابرات الفرنسية ... صعق و شوّك شعر رأسه خصوصا أن اسمه ورد في كل ما قرأ و كأنه الجنرال الشبح .
رمى الملف من يده كأنه لامس رقطاء سامة و ابتعد صارخا لا لا لا يمكن أن تكون هذه حقيقة ؛ أنا عمر بن الخيراني و هذه بطاقتي و هذه كتبي أحضّر للدكتوراه في اللسانيات ، أهلي ، جيراني ، أصدقائي ، زملائي و زميلاتي من الطلبة يعرفونني ، كيف لكم أن تزوّروا عني بهذه السرعة و تتهمونني ، التفت إلى نافذة زجاجية كبيرة لا يُرى من خلفها ، علم أنهم يراقبونه من خلالها ، اقترب نحوها ، و بهدوء وضع كفه عليها و قال : أعلم أنك ترينني و تسمعينني ؛ لم يكن خطئي أن أركب تلك الحافلة رغم التوصيلة التي عرضت علي من طرف صديقي ، لم يكن خطئي حينما ارتطمت السيارة بالحافلة ، لم يكن خطئي أن نزلت كغيري لأرى ما يحدث ، لم يكن خطئي حينما أشرقت كشمس على صحراء قلبي القاحلة ليتنفس صبحي مشاعرا لم أعرفها طوال عمري المكدود إلا حكايات أقرأ عنها عبر التاريخ ؛ قيس و ليلى ، روميو و جولييت و و و ما أكثرهم، لم يكن الأمر بيدي حينما تسمرت لأن عقلي و روحي و إحساسي كان عندك . خفض رأسه و نشج ثم قال : هل قدري أن يكون يوم سعادتي هو يوم شقائي ؟
زلزلها هذا الخطاب و أربكها أمام المحققين ، شعرت برعشة تسري في عروقها و راح قلبها يدق و يدق حتى خافت فضمت يدها إلى صدرها ، شعرت بحرج شديد ، و سألها أحدهم بخبث : هل تعرفينه ؟ . انتفضت مستنكرة : و أنى لي بذلك ؟ و دفعت من كان معترضها و خرجت لا تلوي على أحد . قال الآخر في خبث لا ينقص عن صاحبه : أخيرا يبدو أن قائدتنا عرف الحب لها طريقا . خرجوا جميعا و قد تآمروا على السخرية بعد أن وقعوا على السر ، لم يكن باستطاعة أحدهم أن يواجهها أو حتى يسخر أمامها فهي أعلى منهم رتبة و أكثرهم حنكة و دهاء خصوصا و أنها مدعومة من القيادات العليا .
تمر عليه أيام طوال عجاف في السجن المنفرد حيث لا ضوء إلا بصيصا من خرم نافذة الباب الحديدي ، حتى ذوى و التحى و سرى إلى جسده النحيل ضعف و وهن ، كان عذاب الانتظار بشقيه أقوى من أي عذاب في الدنيا ؛ فهو قد بلي بصدع في فؤاده لم يسبق أن اختبره و بلي بتهمة أقل ما يكون فيها الحكم المؤبد أو حتى الإعدام ، بعد أن كان أكبر همه ثمن السفر الذي تكرر مع اقتراب مناقشته لرسالته التي تمنى أن يناقشها الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح ، لكن هو الآخر اخترمته المنية في صمت مهول من طرف العصابة الحاكمة التي لم تكن العربية تعجبهم بل يلوكون لغة المستعمر الذي ورّثهم حكمه .
ماذا بعد ؟ و الساعات تتراكم ؛ تمزع جسده الواهن و روحه المعذبة ؛ فهذا السابع عشر من الأيام و لا خبر ، و الأغرب من ذلك تمنى أن يكون آخر ما يسمع من دنياه صوتها ، فصورتها قد أحكمت على عقله و قلبه بقبضة من حديد لا يكاد ينفك حتى يزوره خيالها ؛ ويلاه أين أنا ؟ أفي قمة العذاب و الحيرة و القلق يغلبني خيالها و يشتاق قلبي لها ؟ أيعقل يا قوم أن أتيم بجلادي و أعشق قاتلي ، أيفترض بي أن أقلق على مصيري و قد رموني عن قوس واحدة بعد أن نقعوا نصالهم بالسم الزعاف ، أم أقلق على حبي الموعود جاء الهلاك دونه . جلس القرفصاء و ضم كلتا يديه إلى ذقنه منحنيا باكيا : إلاهي و عزتك و جلالك ما عصيتك يوما و أنا أبغي مخالفة أمرك أو التمرد على حكمك إنما هي غلبة الهوى و شقوة الصبا و نزعة الطين و وسوسة اللعين و فتن للعقل خلابة و للعزم غلابة و قد جبلنا بحب الدنيا و الافتتان بزهرتها ، على أني كنت سريع الأوب قريب الرجوع ، أتذكر و تنفعني الذكرى ، كن عوني يا إلاهي فحملي اليوم ثقيل و بلائي عظيم .
دمعة حرى تنسكب على خدها الناعم ، واقفة على الباب ، مخترقة كلماتُه مسامعَها ، و خواطر مهولة تغزو عقلها و أمواج هائلة ترتطم بفؤادها ، و مشاعر مشاعل تعتلج بصدرها ؛ إنها أمام ورطة حقيقية تضع مصيرها على المحك ، ترددت ثم فتحت نافذة الباب و قال : ماذا كنت تعني بحديثك في غرفة الاستجواب؟ . ارتج و التفت : سمعتني إذا ؟ . وقف متعبا حتى رأى دائرة وجهها كبدر لاح من كوة . تقدم مرتعشا ، وضع كفه على الباب و قال : فهمتني إذا ؟ . حنت رأسها و كادت الدمعة تفضحها : من أنت ؟ من أين نزلت ؟ أين كنت ؟ و لماذا أنت هنا ؟ ، بكت و بكت ، أخرج كفه و لامس بحنان شعرها و رفع ذقنها : أنا هنا يا نور عيني و مبتغى فؤادي و زهرة عمري . أمسكت كفه بحنان و وجع إلى خدها : و لكن ؟ . أشششت : لا عليك لم تكوني تعرفي و هذا قدري و الآن أنا مرتاح لأني رأي.. و سقط مغمى عليه ، أسرعت وفتحت الباب و حملته إليها: عمر عمر بهلع . جسّت نبضه فتوافقت الدّقّات و كأن قلبيهما يحييان بنبض واحد.
بهدوء أزاحت ستار النافذة قليلا و راحت تنصت للضجيج و الأزيز البعيد حيث امتلأت شوارع العاصمة على بكرة أبيها بعد صلاة الجمعة يصدحون بشعارات للتحرر و الوحدة ، و ما أن التفتت حتى وقعت عيناها على عينيه كان يتأملها ، كان البريق في عينيه آسرا يبعث في الصدر أشواقا حلوة . لم يتحمل جسدك طول الجوع هل كنت تنوي إضرابا على الطعام مثل بن نعوم ؟ . تبسم و قال : لست من الأحرار المقاومين للعصابة . و دخل أحد المحققين مسرعا : لقد انقلبت العصابة على القايد و يعلنون حالة الطوارئ الليلة . قالت بهلع : ماذا ؟ قال : إنهم يبحثون عنك ، ألم تسمعي في جهاز الإرسال ؟ قالت : تبا لقد نسيته مغلقا . و لكن ليس من شيمك أن تنسينه مغلقا . إلتفت إليه : إنهم يريدونه . صاحت : ماذا ؟ . كانت نظراته مريبة حتى دخل بعنف إثنان منهم يشهران السلاح ، لكن عاجلتهما بإطلاق النار فأردتهما ، غير أن الزميل خدعها فأطلق النار ، لمحت حركته لكن لم يكن الوقت كافيا لتسبقه ، أصابها قرب الكتف و هي أردته على الجبهة . انتفض عمر من سريره يسحب نفسه إليها و هي واقعة على الأرض تبسمت و قالت : أتخشى علي الموت يا عمر ، تنفس الصعداء ، و حملته هاربين من المستشفى ، كانت تتنصت لحركاتهم عبر اللاسلكي و أخرجته من باب نقل الموتى في سيارة نقل الموتى متنكرة و حشد من الأمن و الدرك و الجيش يبحث عنها و عنه .
كان وقع الانقلاب عليها صاعقة فهي تدري جيدا ما معناه ، و في غابة باينام تركت السيارة و هاتفت إحدى معارفها و عرفتها الخبر فتواعدتا لكنها لم تكن لتثق في أي أحد ، و في مكان اللقاء لمحت أحد القناصة على العمارة المجاورة فانسحبت معه برفق ، لكن لم يرقأ الدم بالرغم من شده بضمادة و كادت تسقط لكنه التقطها ، و انسحبا حتى اختبآ و هاتف صديقه أنس و عرفه الخبر و أخبره أن يحضر بعضا من الأدوية و المقصات و بعضا من اللباس النسوي . قالت : هل تثق فيه . قال : نحن لم نبع الوطن يوما و لم تعرف الخيانة إلينا سبيلا ، أتدرين أن صديقة أنس خريج كلية الطب الوقائي و لما لم يسر في فلك العصابة سرحوه و ألبسوه التهم الخطيرة لولا فضل ربك و سعي أبيه ابن المجاهد عليه لدخل السجن ، لقد يئس من وطنه أن يعطيه حقا و قبل الحراك همّ بالحرقة و اليوم يخرج كل يوم ينادي بالحرية و يقول للعصابة : كليتو لبلاد يا السراقين .ابتسمت و قالت : و أنت ألم تخرج في الحراك ؟ . بلى خرجت وصحت معهم و زدت عليهم . قالت : و ماذا زدت ؟ . ضحك وقال : زوجوني زوجونيي على نفس لحن موطني . ضحكت لكن شرقت بالدم . صاح : لا لا ابقي معي أرجوك لا تذهبي ، أمسكت يده بقوة و قالت : أنا اسمي فطيمة . و ابتسمت : لن أموت و أتركك يا حبيبي فأنا رفيقتك و بهذا المسدس أحميك منهم . فجاء أنس مع مجموعة من الطلبة الذين كانوا في الحراك .
في بيت المجاهد الحاج لخضر بورقعة أعالي القصبة تم نزع الرصاصة لكن لم تستفق بعد ، لاحظ أنس جهاز الإرسال و عرف أنه متطور ، فزع و قال : عمر أنظر . قال عمر : ماذا هناك . قال : جهاز الإرسال مزود بجهاز تحديد الموقع و هو شغال . ماذا ؟ و أقبل الجميع ، تقدم والد أنس و تفحصه : فعلا إنه كما قال . أسرع أحد الطلبة إلى النافذة مع الحاج لخضر و شاهدا رجالا من الأمن و الدرك مدججين بالسلاح ينسلون عبر أزقة القصبة . هنا أسرع الحاج لخضر إلى خزانته القديمة و أخرج منها سلاحه القديم و لباسه من أيام الثورة ، و صاح بالجميع : الكل يستعد ؛ أنت يا أنس خذ هذا الجهاز و تسلل عبر نافذة الحاجة خداوج و ابتعد به قدر ما تستطيع ثم تخلص منه ، و أنت يا بني (لوالد أنس) خذ عمر و الشرطية و عبر السطوح كما دليتك من قبل أسلك بهم المهرب ، فالتفت إلى عمر فرآه قد حملها على ظهره و ربطها أحد الطلبة عليه بإحكام و لما همّوا بالخروج خرجت أم أنس من المطبخ ؛ كانت قد أعدت خبزا من الشعير لزوجها و والده و بدأت تقسمها عليهم ليتزودوا بها ؛ هنا بكى الحاج لخضر بورقعة فقد تذكر أيام جهاده في جبال المدية مع رفقائه في السلاح الذين استشهدوا ، تذكر لالة عيشة بنت أحمد و هي تقسم عليهم كسرات الخبز و تشجعهم و تدعو لهم . رقأ دمعه و أمر الكل بالخروج لكن سعاد فاجأت الجميع و أخرجت بندقية أبيها المجاهد الذي قتلته العصابة باسم الارهاب و قالت بحزم : اليوم أثأر لأبي من العديان . قال أبو أنس : و من لي بعدك يا سعاد ؟ . بكت و قالت : لك الله يا زوجي هذا نداء الوطن إن جبنّا اليوم دام الذّل إلى يوم الدين . أمسك الحاج لخضر بندقيتها و قال : لعلنا نحتاجك يا سعاد في بناء الجزائر الحرة فولديك ما زالا صغيرين . و بعد لأي انطلقت مع الجميع .
كان أنس ذكيا فسرعان ما نزل إلى الشارع الكبير و ألقى الجهاز داخل سيارة للشرطة ، و ما إن التفت إلى أعالي القصبة حتى شاهد دوي الانفجارات في عمارتهم ، حزن حزنا شديدا على جده الحاج لخضر بورقعة : رحمك الله يا جدي تمنيت الشهادة فنلتها ، و مرت دقائق معدودة حتى سلطت إحدى الحوامات الضوء على سيارة الشرطة التي رمى فيها أنس الجهاز و خرج عون الأمن منها يستفسر لكن عاجلته الحوامة بصاروخ فجرته و سيارته .
لم يعد عمر ذاك النحيل الضعيف بعد أن حمل حب حياته على ظهره ، في الطريق استفاقت و عرفت أنه يحملها فغمرها شعور بالأمان ، كان يثب كالأسد ، و عبر أحد الممرات قال أبو أنس : يجب أن نفترق الآن. قال عادل أحد الطلبة : نعم يجب أن نفترق ؛ عمر ستذهبان معي . فرد أبو أنس : إلى أين . قال : عمر يعرف ، بيتنا قريب من هنا ، و ليس بأقل جهاد و نضال يا عم . بارك الله فيك يا ولدي و في كل أهلنا المجاهدين من حي القصبة . قال عمر : ننطلق إذا ؟ . تعانق الجميع و ترحموا على الحاج لخضر بورقعة .
استعادت عافيتها بعد يومين و عمر يرعاها بعينيه و كل عائلة عادل ، شكرت الجميع و قالت لعمر يجب أن نخرج الآن . قال : و لكنك مصابة و فقدت دما كثيرا . أنا الآن بعد رعايتكم استعدت عافيتي ، هم لن يهدأ لهم بال قبل أن يجدوني . قال عادل : و لكن لم أنت بالذات ؟ . قالت : لأنهم يريدون هذا . و أخرجت فلاشة . عمر متعجبا : و ما الذي تحويه الفلاشة حتى صارت بهذه الأهمية ؟ . نظرت إلى الجميع بحذر ثم قالت : لأنهم إن تحصلوا عليها نجح انقلابهم ، و هي ببساطة تحوي شفرات التواصل للجيش و قد تعاهد أحرار الجيش أن لن يسمحوا بوقوع أي انقلاب بعد ما كانت هناك مؤشرات و معطيات قوية على وقوعه من طرف الفلول أذناب فرنسا ، فجندوا الطلبة من خريجي أشبال الأمة لتطوير برنامج دقيق و قوي لا يمكن اختراقه و وضعوا له هذه الشفرات موزعة بتراتبية دقيقة بين قيادات الجيش حتى إذا وقع المحظور تحكم الذي نجا منا بالاتصال المباشر بالنواحي العسكرية كلها و حذرهم و بالتالي لن يعطوهم زمام الأمر و أخذوا الأوامر من الناجي فقط و بالتالي لن تتم لهم عملية الانقلاب . قال عمر : أظن أنني فهمت ، و الآن ما العمل ؟ . قالت : يجب أن أصل إلى أقرب وحدة أمن لأجري الاتصالات . قال عمر : ماذا ، كيف ؟ قالت: هل تخشى المغامرة ؟ أم ؟ قال: من أجل بلادي أضحي بالنفس و النفيس من أجل بلادي أبذل الروح رخيصة من غير ندم . أمسكت بيده : إذا على بركة الله .
بدون مساعدة لن تستطيعوا الدخول . و خرج من وراء الباب إنه أخو عادل عون أمن يرفض الخنوع لظلم الشعب ، تفرست فيه و قالت : ألست العقيد بشير؟ قال : نعم . قالت : سبحان الله منذ خمسة أيام وقعت مذكرة فصلك لكن منعني مانع من أن أفعلها ، و اليوم صرت سندي الحقيقي . قال الجميع : سبحان الله .
البلد الآن تطبخ على صفيح ساخن و الإنقلابيون في حالة ارتباك و انزعاج شديدين إذ الأمر لم يتم بعد و يخشون من تغول الشعب عليهم بعد ما يتأكد أن الجيش ليس معهم . و جنرال الإنقلابيين في حيصة بيصة ففرنسا تضغط عليه ليبدأ في الإجراءات و أعوانه عجزوا أن يجدوا الجنرال فطيمة ؛ إنه فكر و قدر ثم نظر ثم عبس و بصر ثم هدأ و استقر فحزم أمره و قرر أن يعتقل كل من له علاقة بها من قريب أو بعيد فحشدهم و رصهم ، و طلعت أخبار على شاشة العار أنهم مجموعة من الخونة يهددون أمن الدولة و ضبطت بأيديهم أسلحة و رشاشات و ذخائر و قنابل ، و ظهر الشيطان يندد و يهدد و لها بالإشارة يتوعد . كانت قد توغلت داخل وحدة الأمن وأدخلت الفلاشة في جهاز الحاسوب و فتحت البرنامج هنا انتفض قادة النواحي للجيش و حمدوا الله أن يكون أحد القادة موجود و حر . أرسلت التعليمات اللازمة ، ثم أرسلت أهم تعليمة إلى التلفزيون الذي كان محاصرا من قبل الإنقلابيين ، لكن أحد الأحرار داخله استطاع أن يرسل الخطاب الذي غير مجرى السياسة في الجزائر كلها . كان هذا الخطاب للقائد قبل أن يغتال أنه في حالة الانقلاب أنشروا هذا الخطاب الذي كان فيه تصريح رسمي بتسليم السلطة للشعب ممثلة في الرجل التوافقي ، يطالب فيه الشعب و الجيش بمساندته بقوة و التخلص من الانقلابيين و ما إن أكملت حتى شاهدت على قناة العار اسرتها و أهلها يهددون بالموت فارتبكت ارتباكا شديدا و خافت عليهم ، طمأنها عمر بأن الشعب و الجيش سيحميهم بإذن الله .
و جاء اليوم الموعود و خرج الشعب على بكرة أبيه و خرجت أرتال الجيش الشعبي الوطني زاحفين إلى قصر الرئاسة في المرادية و سحائب النصر تظللهم و شعارات الفرح وهتافات التكبير و تحيا الجزائر تزلزل العاصمة و فتحت السبل إليها فامتلأت و اكتظت و لم تستطع قوى الانقلاب فعل شيء فخرج اللعين و أعوانه يأمرون من معهم بإطلاق النار لكن أبوا عليهم فأخذ الخبيث رشاشا و أراد أن يطلق منه لكن عاجلته الجنرال فطيمة انسومر بطلقة واحدة بين عينيه حتى وصل الجميع و وقفوا على جثته و قال الرئيس : اليوم خرجت فرنسا من الجزائر نهائيا و آن للجزائر أن تهتف بالنصر . و تفاجأ الجميع بقدوم الحاج لخضر بورقعة يحمل رشاشه ممزق الثياب إثر معارك طاحنة خاضها مع الخونة و قال : تظنون أنفسكم أنكم قتلتم المجاهدين لا و ألف لا لن يموت آخر مجاهد حتى تتحرر الجزائر و أقبل إليه ولده و أنس وكل أسرته تحتضنه في مشهد مهيب أبكى الملايين و تقدم الطلبة و فيهم عمر و معهم الجنرال فطيمة انسومر حيث تقدمت و قالت : لن تتحرر الجزائر حتى يحكمها شعبها و يحميها جيشها .
عمار بوزيدي
26/06/2019




نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 25 شوال 1440هـ الموافق لـ : 2019-06-28



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

.

الإنتخابات الرئاسـية الجزائرية 12 / 12 / 2019

.
مواضيع سابقة
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي للثانوية يحتفيان بالعيدين
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي للثانوية يحتفيان بالعيدين


شعرية البياض في مجموعة " بحيرة الصمت " للمغربية نعيمة زايد
بقلم : الشاعروالناقد المغربي احمد الشيخاوي
شعرية البياض في مجموعة


الحِوَارِيُّونَ و المُعَلِّم..
بقلم : علجية عيش
الحِوَارِيُّونَ و المُعَلِّم..


الثورة الجزائرية والشعر
بقلم : شاكر فريد حسن
الثورة الجزائرية والشعر


بمناسبة إعادة نشر كتبه بالعربية و ذكرى رحيله الـ 46 ... مالك بن نبي والساحة الثقافية الفرنكوفونية.
بقلم : محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا
بمناسبة إعادة نشر كتبه بالعربية و ذكرى رحيله الـ 46 ...  مالك بن نبي والساحة الثقافية الفرنكوفونية.


سكينة العابد أستاذة علوم الإتصال بجامعة قسنطينة 3: نحن بحاجة إلى حوكمة إعلامية
حاورتها : علجية عيش
سكينة العابد أستاذة علوم الإتصال بجامعة قسنطينة 3: نحن بحاجة إلى حوكمة إعلامية


ق ق ج / اكتشاف
قصة : بختي ضيف الله
ق ق ج / اكتشاف


"ملاك ابنة النور"..نص عن طفلة عزابة التي احترقت
الدكتور : وليد بوعديلة



يستيقظ الصّبح
بقلم : فضيلة معيرش
يستيقظ الصّبح


الإشكاليات والعوائق التي تقف وراء التوزيع والإشهار لإصدارات المؤلفين
بقلم : سعددية حلوة / عبير البحر
الإشكاليات والعوائق التي تقف وراء التوزيع والإشهار لإصدارات المؤلفين




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com