أصوات الشمال
الخميس 20 محرم 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * " هواجس الضياع " ... رواية العودة من عالم الجنون   * من أجل حبنا    * فاطمة ذات الشعر الأحمر   * "إلكترا " عند قبر " أجاممنون " (يوربيدس) / دراسة بالفكر الدرامي الكلاسيكي   * الاتجاه الخطأ / إلى أين تسير الجزائر ؟؟؟   *  قراءة في كتاب "استقبال التناص في النقد العربي" للدكتور عمر زرفاوي ( من جامعة تبسة)   * دراسة تتناول استراتيجية الجيش في إدارة الأزمة في الجزائر   * طريدُ الّليلِ... "البحر البسيط"   * وفِي الْمَقْبَرَةِ.. تِلْمِيذٌ يَتَسَوَّلُ...!   * الإنتخابات سلوك حضاري وديمقراطي، وليست تذكرة إلى المجهول!   * يا معلمي الفاضل اطلب المستطاع حتى تطاع   * الجزائر..وطن الشهداء وطريق الخروج السلمي من المأزق ؟؟   * لا املك غير الشكر    * الجوانبُ الخفيةُ من تاريخ الأمير الهاشمي بن عبد القادر دفينُ بلدة بوسعادة.   * حين تهاجر النوارس    * قصة : لن يشقى منها   * مَوْتُ الْعِشْقِ والْعاشِق ....   * يوجين ديلاكروا :سحر الشرق وعبقرية اللون   * تجليات في ظلمات ثلاث    * المجموعة القصصية " طائر الليل " للكاتب - شدري معمرعلي     أرسل مشاركتك
حب في الحراك
قصة : عمار بوزيدي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 265 مرة ]

التقاها صدفة في العاصمة فغيرت حياته و حياتها و الجزائر ككل

حب في الحراك
بعد ما استقر جلوسا في الحافلة راح يرمق الناس من وراء الزجاج كصبي يتطلع و يكتشف ، و كأن زيارته للعاصمة هي الأولى ؛ إنه فتى عفوي مرح بريء . بالرغم من مستواه العالي في الأدب فقد تنبو منه حركات طائشة شقية ؛ غمزة هنا و بسمة مع أخرى و تحاذق مع تلك ؛ إلى أن ارتجت الحافلة ارتجاجا شديدا إثر اصطدام سيارة بها ، ففزع الركاب و قفز بسرعة من عليها ليستطلع جلية الأمر و إذا بشرطية تصيح بمن في السيارة موجهة المسدس نحوه : و لا حركة أظهر يديك و إلا أطلقت عليك الرصاص بسرعة بسرعة . كان دخان خفيف ينبعث من محرك السيارة يحجب قليلا مرأى تلك الشرطية التي أبهرته و تركته مسمّرا مكانه لا حركة ؛ و كأنه المعني بخطابها ، اقتربت من السيارة بحذر شديد حتى فتحت الباب على السائق الذي كان شبه مغمى عليه فسحبته منها و في غمضة عين كبّلته , كانت حركاتها خفيفة و رشيقة و شعرها المعقوص من وراء القبعة يزيدها عنفوانا و سيطرة . و التحق بقية الأعوان و استلموا المتهم منها ثم راحت تفتش السيارة ، حتى إذا فرغت انتبهت عليه محدّقا بها مسمّرا فتقدمت نحوه فغرق في عينيها الخضراوين كبحيرة لا قاع لها تنقطع دونه الأنفاس ، و دفئ يملأ جسمه كلما تقدمت ، حتى فطن لها تطلب منه أوراقه الثبوتية ، و في غمرة الارتباك أوقع ما معه من كتب و محاضرات ، آسف آسف و أعطاها البطاقة ، و ما إن لمحت الاسم في البطاقة حتى رجعت إلى الوراء فزعة مخرجة المسدس اركع اركع ارفع يديك فذهل و جمد في مكانه فصاحت به مرة أخرى فنزل على ركبتيه و أسرعت نحوه تقيده و عون الأمن ليس بعيدا جاء مسرعا ؛ ماذا هناك ؟ فقالت بغمز : أنظر . فأخذ البطاقة و نظر فيها ، أوه هذا أنت فرفعه من كوعه بقوة و تلقاه الأعوان ليركبوه في سيارة الشرطة التي تتأهب للرحيل .
لم يفهم شيئا مما يحدث قال : لماذا تعتقلونني ، ما الذي يجري ، التفت إليه شرطي و قال : ما الذي يجري آه ؟ في المركز ستعرف . و عند الدخول رآها تُستقبل باحترام كبير فعرف أنها رئيسة المركز ، فأومأت أن يضعوه في الحبس الاحتياطي ، فقذفوه داخله و كان الأسير الأول قد سبقه مستلقيا على ظهره يشكو من بعض الكدمات إثر الحادث ، بقي في حيرة من أمره مشوش الفكر مشتتا ، فقلبه مصدوم و عقله مصدوم و جسمه محبوس في أمر لا يدري ما يكون .
و مر بعض الوقت في عذاب و إذا بها تخرج من مكتبها مارة عليه من وراء القضبان و إذا بقلبه يكاد يقفز من صدره محدثا زلزالا في كل كيانه لا يملك من جسمه شيئا ؛ فالرعشة و الروعة تكاد تذهب بعقله ، إنها تمشى الهوينى في سكينة غريبة تجللها أضواء و أنوار و ألوان تسلب اللب كحورية تسبح بين مروج الزهر تنحني الكائنات لها حبا و تكريما . رمقته شزرا قبل أن يُغيّبها الممر ، ابتلع بقية ريقه بصعوبة و استدار متكئا على القضبان مع تنهيدة وصلت حرارتُها مسامعَها .
اقتيد الأسير للتحقيق و تركوه ، حتى إذا جنّ الظلام فتح الحارس الباب و قال : قم . و سار به في الرواق حتى دخل غرفة فارغة ليس بها شيء غير طاولة و كرسيين متقابلين فأجلسه على الكرسي حتى دخل أحد المحققين و بيده ملف ، فتحه ، رمقه و بدا كأنه يقارن بينه و بينه ، راح يقلب الأوراق و يظهر بعض التفاعل مع بعضها بتعابير وجهه ، ثم قال : ما اسمك ؟ فأجابه : اسمي مدون عندكم في البطاقة . ابتسم المحقق ابتسامة خبث و قال : أعرف و لكن أسألك عن اسمك الحقيقي . فرد : ليس لي اسم غير المدون في البطاقة ، أريد أن أعرف ما الذي يجري ، ماذا تريدون مني ، هل أنا مشتبه ، و في ماذا ؟ . وضع المحقق الملف من يده و قال : لا تراوغ نحن نعرف عنك كل شيء ، منذ قدومك من باريس و انخراطك في الحراك تحت مظلة الطلبة ، لن تعزب عنا نواياكم التخريبية و أجنداتكم الانفصالية . هنا انتفض كالأسد : أي أجندات و أي انخراط و أي باريس تتحدث ، لا بد أنه اختلط الاسم عليكم و اشتبه ، فأنا لا أملك جواز سفر حتى ، و لم يسبق لي أن خرجت من الجزائر ، اسألوا أهل الجلفة عني ، تقصوا جيدا ، هذا اشتباه . انتهره المحقق و أمره بالجلوس : إنكارك هذا لن يفيدك بشيء ، تفضل . دفع إليه بالملف و كان ثخينا . اقرأ أم أنك ستنكر أنك قارئ . هنا رمق الملف عن كره و سحبه ، قال المحقق : سأتركك لتتملى جيدا عساك تحسن القرار .
في أول ورقة صورة له و معلوماته الشخصية التي لا تختلف عن الحقيقة كثيرا ، ذهل ، ثم قلب و إذا بتقارير عنه تصف بدقة كل مراحل تنقلاته داخل الجيش و مشاركاته في كل الأعمال الإجرامية ، و إذا بقضايا فساد ضخمة كان أربابها ما يسمى بالدولة العميقة ؛ اغتيالات باسم الارهاب و تحويلات لملايير الدولارات و تلاعب لا يوصف في هيكلة الدولة و الانتخابات و تهديدات و الأكبر من كل ذلك تخابر مع المخابرات الفرنسية ... صعق و شوّك شعر رأسه خصوصا أن اسمه ورد في كل ما قرأ و كأنه الجنرال الشبح .
رمى الملف من يده كأنه لامس رقطاء سامة و ابتعد صارخا لا لا لا يمكن أن تكون هذه حقيقة ؛ أنا عمر بن الخيراني و هذه بطاقتي و هذه كتبي أحضّر للدكتوراه في اللسانيات ، أهلي ، جيراني ، أصدقائي ، زملائي و زميلاتي من الطلبة يعرفونني ، كيف لكم أن تزوّروا عني بهذه السرعة و تتهمونني ، التفت إلى نافذة زجاجية كبيرة لا يُرى من خلفها ، علم أنهم يراقبونه من خلالها ، اقترب نحوها ، و بهدوء وضع كفه عليها و قال : أعلم أنك ترينني و تسمعينني ؛ لم يكن خطئي أن أركب تلك الحافلة رغم التوصيلة التي عرضت علي من طرف صديقي ، لم يكن خطئي حينما ارتطمت السيارة بالحافلة ، لم يكن خطئي أن نزلت كغيري لأرى ما يحدث ، لم يكن خطئي حينما أشرقت كشمس على صحراء قلبي القاحلة ليتنفس صبحي مشاعرا لم أعرفها طوال عمري المكدود إلا حكايات أقرأ عنها عبر التاريخ ؛ قيس و ليلى ، روميو و جولييت و و و ما أكثرهم، لم يكن الأمر بيدي حينما تسمرت لأن عقلي و روحي و إحساسي كان عندك . خفض رأسه و نشج ثم قال : هل قدري أن يكون يوم سعادتي هو يوم شقائي ؟
زلزلها هذا الخطاب و أربكها أمام المحققين ، شعرت برعشة تسري في عروقها و راح قلبها يدق و يدق حتى خافت فضمت يدها إلى صدرها ، شعرت بحرج شديد ، و سألها أحدهم بخبث : هل تعرفينه ؟ . انتفضت مستنكرة : و أنى لي بذلك ؟ و دفعت من كان معترضها و خرجت لا تلوي على أحد . قال الآخر في خبث لا ينقص عن صاحبه : أخيرا يبدو أن قائدتنا عرف الحب لها طريقا . خرجوا جميعا و قد تآمروا على السخرية بعد أن وقعوا على السر ، لم يكن باستطاعة أحدهم أن يواجهها أو حتى يسخر أمامها فهي أعلى منهم رتبة و أكثرهم حنكة و دهاء خصوصا و أنها مدعومة من القيادات العليا .
تمر عليه أيام طوال عجاف في السجن المنفرد حيث لا ضوء إلا بصيصا من خرم نافذة الباب الحديدي ، حتى ذوى و التحى و سرى إلى جسده النحيل ضعف و وهن ، كان عذاب الانتظار بشقيه أقوى من أي عذاب في الدنيا ؛ فهو قد بلي بصدع في فؤاده لم يسبق أن اختبره و بلي بتهمة أقل ما يكون فيها الحكم المؤبد أو حتى الإعدام ، بعد أن كان أكبر همه ثمن السفر الذي تكرر مع اقتراب مناقشته لرسالته التي تمنى أن يناقشها الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح ، لكن هو الآخر اخترمته المنية في صمت مهول من طرف العصابة الحاكمة التي لم تكن العربية تعجبهم بل يلوكون لغة المستعمر الذي ورّثهم حكمه .
ماذا بعد ؟ و الساعات تتراكم ؛ تمزع جسده الواهن و روحه المعذبة ؛ فهذا السابع عشر من الأيام و لا خبر ، و الأغرب من ذلك تمنى أن يكون آخر ما يسمع من دنياه صوتها ، فصورتها قد أحكمت على عقله و قلبه بقبضة من حديد لا يكاد ينفك حتى يزوره خيالها ؛ ويلاه أين أنا ؟ أفي قمة العذاب و الحيرة و القلق يغلبني خيالها و يشتاق قلبي لها ؟ أيعقل يا قوم أن أتيم بجلادي و أعشق قاتلي ، أيفترض بي أن أقلق على مصيري و قد رموني عن قوس واحدة بعد أن نقعوا نصالهم بالسم الزعاف ، أم أقلق على حبي الموعود جاء الهلاك دونه . جلس القرفصاء و ضم كلتا يديه إلى ذقنه منحنيا باكيا : إلاهي و عزتك و جلالك ما عصيتك يوما و أنا أبغي مخالفة أمرك أو التمرد على حكمك إنما هي غلبة الهوى و شقوة الصبا و نزعة الطين و وسوسة اللعين و فتن للعقل خلابة و للعزم غلابة و قد جبلنا بحب الدنيا و الافتتان بزهرتها ، على أني كنت سريع الأوب قريب الرجوع ، أتذكر و تنفعني الذكرى ، كن عوني يا إلاهي فحملي اليوم ثقيل و بلائي عظيم .
دمعة حرى تنسكب على خدها الناعم ، واقفة على الباب ، مخترقة كلماتُه مسامعَها ، و خواطر مهولة تغزو عقلها و أمواج هائلة ترتطم بفؤادها ، و مشاعر مشاعل تعتلج بصدرها ؛ إنها أمام ورطة حقيقية تضع مصيرها على المحك ، ترددت ثم فتحت نافذة الباب و قال : ماذا كنت تعني بحديثك في غرفة الاستجواب؟ . ارتج و التفت : سمعتني إذا ؟ . وقف متعبا حتى رأى دائرة وجهها كبدر لاح من كوة . تقدم مرتعشا ، وضع كفه على الباب و قال : فهمتني إذا ؟ . حنت رأسها و كادت الدمعة تفضحها : من أنت ؟ من أين نزلت ؟ أين كنت ؟ و لماذا أنت هنا ؟ ، بكت و بكت ، أخرج كفه و لامس بحنان شعرها و رفع ذقنها : أنا هنا يا نور عيني و مبتغى فؤادي و زهرة عمري . أمسكت كفه بحنان و وجع إلى خدها : و لكن ؟ . أشششت : لا عليك لم تكوني تعرفي و هذا قدري و الآن أنا مرتاح لأني رأي.. و سقط مغمى عليه ، أسرعت وفتحت الباب و حملته إليها: عمر عمر بهلع . جسّت نبضه فتوافقت الدّقّات و كأن قلبيهما يحييان بنبض واحد.
بهدوء أزاحت ستار النافذة قليلا و راحت تنصت للضجيج و الأزيز البعيد حيث امتلأت شوارع العاصمة على بكرة أبيها بعد صلاة الجمعة يصدحون بشعارات للتحرر و الوحدة ، و ما أن التفتت حتى وقعت عيناها على عينيه كان يتأملها ، كان البريق في عينيه آسرا يبعث في الصدر أشواقا حلوة . لم يتحمل جسدك طول الجوع هل كنت تنوي إضرابا على الطعام مثل بن نعوم ؟ . تبسم و قال : لست من الأحرار المقاومين للعصابة . و دخل أحد المحققين مسرعا : لقد انقلبت العصابة على القايد و يعلنون حالة الطوارئ الليلة . قالت بهلع : ماذا ؟ قال : إنهم يبحثون عنك ، ألم تسمعي في جهاز الإرسال ؟ قالت : تبا لقد نسيته مغلقا . و لكن ليس من شيمك أن تنسينه مغلقا . إلتفت إليه : إنهم يريدونه . صاحت : ماذا ؟ . كانت نظراته مريبة حتى دخل بعنف إثنان منهم يشهران السلاح ، لكن عاجلتهما بإطلاق النار فأردتهما ، غير أن الزميل خدعها فأطلق النار ، لمحت حركته لكن لم يكن الوقت كافيا لتسبقه ، أصابها قرب الكتف و هي أردته على الجبهة . انتفض عمر من سريره يسحب نفسه إليها و هي واقعة على الأرض تبسمت و قالت : أتخشى علي الموت يا عمر ، تنفس الصعداء ، و حملته هاربين من المستشفى ، كانت تتنصت لحركاتهم عبر اللاسلكي و أخرجته من باب نقل الموتى في سيارة نقل الموتى متنكرة و حشد من الأمن و الدرك و الجيش يبحث عنها و عنه .
كان وقع الانقلاب عليها صاعقة فهي تدري جيدا ما معناه ، و في غابة باينام تركت السيارة و هاتفت إحدى معارفها و عرفتها الخبر فتواعدتا لكنها لم تكن لتثق في أي أحد ، و في مكان اللقاء لمحت أحد القناصة على العمارة المجاورة فانسحبت معه برفق ، لكن لم يرقأ الدم بالرغم من شده بضمادة و كادت تسقط لكنه التقطها ، و انسحبا حتى اختبآ و هاتف صديقه أنس و عرفه الخبر و أخبره أن يحضر بعضا من الأدوية و المقصات و بعضا من اللباس النسوي . قالت : هل تثق فيه . قال : نحن لم نبع الوطن يوما و لم تعرف الخيانة إلينا سبيلا ، أتدرين أن صديقة أنس خريج كلية الطب الوقائي و لما لم يسر في فلك العصابة سرحوه و ألبسوه التهم الخطيرة لولا فضل ربك و سعي أبيه ابن المجاهد عليه لدخل السجن ، لقد يئس من وطنه أن يعطيه حقا و قبل الحراك همّ بالحرقة و اليوم يخرج كل يوم ينادي بالحرية و يقول للعصابة : كليتو لبلاد يا السراقين .ابتسمت و قالت : و أنت ألم تخرج في الحراك ؟ . بلى خرجت وصحت معهم و زدت عليهم . قالت : و ماذا زدت ؟ . ضحك وقال : زوجوني زوجونيي على نفس لحن موطني . ضحكت لكن شرقت بالدم . صاح : لا لا ابقي معي أرجوك لا تذهبي ، أمسكت يده بقوة و قالت : أنا اسمي فطيمة . و ابتسمت : لن أموت و أتركك يا حبيبي فأنا رفيقتك و بهذا المسدس أحميك منهم . فجاء أنس مع مجموعة من الطلبة الذين كانوا في الحراك .
في بيت المجاهد الحاج لخضر بورقعة أعالي القصبة تم نزع الرصاصة لكن لم تستفق بعد ، لاحظ أنس جهاز الإرسال و عرف أنه متطور ، فزع و قال : عمر أنظر . قال عمر : ماذا هناك . قال : جهاز الإرسال مزود بجهاز تحديد الموقع و هو شغال . ماذا ؟ و أقبل الجميع ، تقدم والد أنس و تفحصه : فعلا إنه كما قال . أسرع أحد الطلبة إلى النافذة مع الحاج لخضر و شاهدا رجالا من الأمن و الدرك مدججين بالسلاح ينسلون عبر أزقة القصبة . هنا أسرع الحاج لخضر إلى خزانته القديمة و أخرج منها سلاحه القديم و لباسه من أيام الثورة ، و صاح بالجميع : الكل يستعد ؛ أنت يا أنس خذ هذا الجهاز و تسلل عبر نافذة الحاجة خداوج و ابتعد به قدر ما تستطيع ثم تخلص منه ، و أنت يا بني (لوالد أنس) خذ عمر و الشرطية و عبر السطوح كما دليتك من قبل أسلك بهم المهرب ، فالتفت إلى عمر فرآه قد حملها على ظهره و ربطها أحد الطلبة عليه بإحكام و لما همّوا بالخروج خرجت أم أنس من المطبخ ؛ كانت قد أعدت خبزا من الشعير لزوجها و والده و بدأت تقسمها عليهم ليتزودوا بها ؛ هنا بكى الحاج لخضر بورقعة فقد تذكر أيام جهاده في جبال المدية مع رفقائه في السلاح الذين استشهدوا ، تذكر لالة عيشة بنت أحمد و هي تقسم عليهم كسرات الخبز و تشجعهم و تدعو لهم . رقأ دمعه و أمر الكل بالخروج لكن سعاد فاجأت الجميع و أخرجت بندقية أبيها المجاهد الذي قتلته العصابة باسم الارهاب و قالت بحزم : اليوم أثأر لأبي من العديان . قال أبو أنس : و من لي بعدك يا سعاد ؟ . بكت و قالت : لك الله يا زوجي هذا نداء الوطن إن جبنّا اليوم دام الذّل إلى يوم الدين . أمسك الحاج لخضر بندقيتها و قال : لعلنا نحتاجك يا سعاد في بناء الجزائر الحرة فولديك ما زالا صغيرين . و بعد لأي انطلقت مع الجميع .
كان أنس ذكيا فسرعان ما نزل إلى الشارع الكبير و ألقى الجهاز داخل سيارة للشرطة ، و ما إن التفت إلى أعالي القصبة حتى شاهد دوي الانفجارات في عمارتهم ، حزن حزنا شديدا على جده الحاج لخضر بورقعة : رحمك الله يا جدي تمنيت الشهادة فنلتها ، و مرت دقائق معدودة حتى سلطت إحدى الحوامات الضوء على سيارة الشرطة التي رمى فيها أنس الجهاز و خرج عون الأمن منها يستفسر لكن عاجلته الحوامة بصاروخ فجرته و سيارته .
لم يعد عمر ذاك النحيل الضعيف بعد أن حمل حب حياته على ظهره ، في الطريق استفاقت و عرفت أنه يحملها فغمرها شعور بالأمان ، كان يثب كالأسد ، و عبر أحد الممرات قال أبو أنس : يجب أن نفترق الآن. قال عادل أحد الطلبة : نعم يجب أن نفترق ؛ عمر ستذهبان معي . فرد أبو أنس : إلى أين . قال : عمر يعرف ، بيتنا قريب من هنا ، و ليس بأقل جهاد و نضال يا عم . بارك الله فيك يا ولدي و في كل أهلنا المجاهدين من حي القصبة . قال عمر : ننطلق إذا ؟ . تعانق الجميع و ترحموا على الحاج لخضر بورقعة .
استعادت عافيتها بعد يومين و عمر يرعاها بعينيه و كل عائلة عادل ، شكرت الجميع و قالت لعمر يجب أن نخرج الآن . قال : و لكنك مصابة و فقدت دما كثيرا . أنا الآن بعد رعايتكم استعدت عافيتي ، هم لن يهدأ لهم بال قبل أن يجدوني . قال عادل : و لكن لم أنت بالذات ؟ . قالت : لأنهم يريدون هذا . و أخرجت فلاشة . عمر متعجبا : و ما الذي تحويه الفلاشة حتى صارت بهذه الأهمية ؟ . نظرت إلى الجميع بحذر ثم قالت : لأنهم إن تحصلوا عليها نجح انقلابهم ، و هي ببساطة تحوي شفرات التواصل للجيش و قد تعاهد أحرار الجيش أن لن يسمحوا بوقوع أي انقلاب بعد ما كانت هناك مؤشرات و معطيات قوية على وقوعه من طرف الفلول أذناب فرنسا ، فجندوا الطلبة من خريجي أشبال الأمة لتطوير برنامج دقيق و قوي لا يمكن اختراقه و وضعوا له هذه الشفرات موزعة بتراتبية دقيقة بين قيادات الجيش حتى إذا وقع المحظور تحكم الذي نجا منا بالاتصال المباشر بالنواحي العسكرية كلها و حذرهم و بالتالي لن يعطوهم زمام الأمر و أخذوا الأوامر من الناجي فقط و بالتالي لن تتم لهم عملية الانقلاب . قال عمر : أظن أنني فهمت ، و الآن ما العمل ؟ . قالت : يجب أن أصل إلى أقرب وحدة أمن لأجري الاتصالات . قال عمر : ماذا ، كيف ؟ قالت: هل تخشى المغامرة ؟ أم ؟ قال: من أجل بلادي أضحي بالنفس و النفيس من أجل بلادي أبذل الروح رخيصة من غير ندم . أمسكت بيده : إذا على بركة الله .
بدون مساعدة لن تستطيعوا الدخول . و خرج من وراء الباب إنه أخو عادل عون أمن يرفض الخنوع لظلم الشعب ، تفرست فيه و قالت : ألست العقيد بشير؟ قال : نعم . قالت : سبحان الله منذ خمسة أيام وقعت مذكرة فصلك لكن منعني مانع من أن أفعلها ، و اليوم صرت سندي الحقيقي . قال الجميع : سبحان الله .
البلد الآن تطبخ على صفيح ساخن و الإنقلابيون في حالة ارتباك و انزعاج شديدين إذ الأمر لم يتم بعد و يخشون من تغول الشعب عليهم بعد ما يتأكد أن الجيش ليس معهم . و جنرال الإنقلابيين في حيصة بيصة ففرنسا تضغط عليه ليبدأ في الإجراءات و أعوانه عجزوا أن يجدوا الجنرال فطيمة ؛ إنه فكر و قدر ثم نظر ثم عبس و بصر ثم هدأ و استقر فحزم أمره و قرر أن يعتقل كل من له علاقة بها من قريب أو بعيد فحشدهم و رصهم ، و طلعت أخبار على شاشة العار أنهم مجموعة من الخونة يهددون أمن الدولة و ضبطت بأيديهم أسلحة و رشاشات و ذخائر و قنابل ، و ظهر الشيطان يندد و يهدد و لها بالإشارة يتوعد . كانت قد توغلت داخل وحدة الأمن وأدخلت الفلاشة في جهاز الحاسوب و فتحت البرنامج هنا انتفض قادة النواحي للجيش و حمدوا الله أن يكون أحد القادة موجود و حر . أرسلت التعليمات اللازمة ، ثم أرسلت أهم تعليمة إلى التلفزيون الذي كان محاصرا من قبل الإنقلابيين ، لكن أحد الأحرار داخله استطاع أن يرسل الخطاب الذي غير مجرى السياسة في الجزائر كلها . كان هذا الخطاب للقائد قبل أن يغتال أنه في حالة الانقلاب أنشروا هذا الخطاب الذي كان فيه تصريح رسمي بتسليم السلطة للشعب ممثلة في الرجل التوافقي ، يطالب فيه الشعب و الجيش بمساندته بقوة و التخلص من الانقلابيين و ما إن أكملت حتى شاهدت على قناة العار اسرتها و أهلها يهددون بالموت فارتبكت ارتباكا شديدا و خافت عليهم ، طمأنها عمر بأن الشعب و الجيش سيحميهم بإذن الله .
و جاء اليوم الموعود و خرج الشعب على بكرة أبيه و خرجت أرتال الجيش الشعبي الوطني زاحفين إلى قصر الرئاسة في المرادية و سحائب النصر تظللهم و شعارات الفرح وهتافات التكبير و تحيا الجزائر تزلزل العاصمة و فتحت السبل إليها فامتلأت و اكتظت و لم تستطع قوى الانقلاب فعل شيء فخرج اللعين و أعوانه يأمرون من معهم بإطلاق النار لكن أبوا عليهم فأخذ الخبيث رشاشا و أراد أن يطلق منه لكن عاجلته الجنرال فطيمة انسومر بطلقة واحدة بين عينيه حتى وصل الجميع و وقفوا على جثته و قال الرئيس : اليوم خرجت فرنسا من الجزائر نهائيا و آن للجزائر أن تهتف بالنصر . و تفاجأ الجميع بقدوم الحاج لخضر بورقعة يحمل رشاشه ممزق الثياب إثر معارك طاحنة خاضها مع الخونة و قال : تظنون أنفسكم أنكم قتلتم المجاهدين لا و ألف لا لن يموت آخر مجاهد حتى تتحرر الجزائر و أقبل إليه ولده و أنس وكل أسرته تحتضنه في مشهد مهيب أبكى الملايين و تقدم الطلبة و فيهم عمر و معهم الجنرال فطيمة انسومر حيث تقدمت و قالت : لن تتحرر الجزائر حتى يحكمها شعبها و يحميها جيشها .
عمار بوزيدي
26/06/2019




نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 25 شوال 1440هـ الموافق لـ : 2019-06-28



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

تهنئة

كل اليمن والبركات للامة العربية والاسلامية بمناسبة حلول السنة الهجرية الجديدة

.
مواضيع سابقة
وفِي الْمَقْبَرَةِ.. تِلْمِيذٌ يَتَسَوَّلُ...!
بقلم : محمد الصغير داسه
وفِي الْمَقْبَرَةِ.. تِلْمِيذٌ يَتَسَوَّلُ...!


الإنتخابات سلوك حضاري وديمقراطي، وليست تذكرة إلى المجهول!
بقلم : محمد بونيل
الإنتخابات سلوك حضاري وديمقراطي، وليست تذكرة إلى المجهول!


يا معلمي الفاضل اطلب المستطاع حتى تطاع
بقلم : أحمد سليمان العمري
يا معلمي الفاضل اطلب المستطاع حتى تطاع


الجزائر..وطن الشهداء وطريق الخروج السلمي من المأزق ؟؟
الدكتور : وليد بوعديلة
الجزائر..وطن الشهداء  وطريق الخروج السلمي من المأزق ؟؟


لا املك غير الشكر
بقلم : كرم الشبطي
لا املك غير الشكر


الجوانبُ الخفيةُ من تاريخ الأمير الهاشمي بن عبد القادر دفينُ بلدة بوسعادة.
بقلم : محمد بسكر
الجوانبُ الخفيةُ من تاريخ الأمير الهاشمي بن عبد القادر  دفينُ بلدة بوسعادة.


حين تهاجر النوارس
شعر : جمال الدين العماري
حين تهاجر النوارس


قصة : لن يشقى منها
بقلم : فضيلة معيرش
قصة : لن يشقى منها


مَوْتُ الْعِشْقِ والْعاشِق ....
الدكتور : بومدين جلالي
مَوْتُ الْعِشْقِ والْعاشِق ....


يوجين ديلاكروا :سحر الشرق وعبقرية اللون
بقلم : إبراهيم مشارة
يوجين ديلاكروا :سحر الشرق وعبقرية اللون




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com