أصوات الشمال
الجمعة 21 شعبان 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * قَوافلُ حُلُم   * كنه الإبداع   * مايا التلاوي . كاتبة بحجم الوطن   * حين يعمى الإختلاف   * تزوير التاريخ والآثار حسب النهج الإسرائيلي   * الرقصة الأخيرة للرئيس السوداني المقال   * تجربة و أعمال الفنانة التشكيلية و الباحثة نجاح المنصوري    *  احتجاجًا على الإساءة للقران الكريم و اغتناما لعطلة عيد الفصح ..   * من ارهاصات المسيرات   * الفيسبوك والحراك الشعبي الجزائري   * قصة قصيرة جدا / لعبة عنيفة   * انتخابات جامعة بير زيت وتراجع حركة " حماس "    * توظيف الامثال الشعبية في الثورة السلمية الجزائرية   * النهضة العربية الحديثة ... من أوهام النجاح إلى حقائق الفشل   * يوميات نصراوي: ضعيف يقاويني قصير يطاول   * كأنّه الشِعر ...   * الطلبة يُسقطون الباء الأولى.. تماما كما أسقطوا بوتفليقة !    * بطاقة إلى السجين الفلسطيني    * كن ظلي أيها المنفى   * الشعر الجزائري والحراك الشعبي..عن الشعر و الثورة السلمية    أرسل مشاركتك
الشعر الفلسطيني واستدعاء اساطير اليونان
الدكتور : وليد بوعديلة
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 249 مرة ]
وليد بوعديلة

نقرا شعر المناصرة

حضور الأساطير اليونانية في الشعر الفلسطيني- شعر عز الدين المناصرة أنموذجا-
د- وليد بوعديلة

استدعى الشعر الفلسطيني الأساطير الشرقية و اليونانية،بحثا عن كثير من الدلالات والرموز، وهو شان الشاعر عز الدين المناصرة، فقد وظف بعض الأساطير، اسمًا أو صفةً، وذلك في سياقات شعرية مختلفة، وهي تحضر في مشاهد شعرية متألقة، تقول مشاعر وأفكار الشاعر، وتكشف تفاعلاته مع قضايا وطنه وأمته. وهذه وقفة نقدية تبحث في بعض الأساطير اليونانية في شعره.
1- إيكار:
قد تتجلى الأسطورة انطلاقًا من عنوان القصيدة، كما هو الشأن في قصيدةً (تشمع كبد إيكار)، حيث يوظّف أسطورة (إيكاروس)، وهي أسطورة يونانية معروفة، تقول بأنّ (ددال) أب (ايكار) صنع متاهة لأحد الملوك ولم يستطيع الخروج منها، فصنع أجنحة وألصقها بالشمع وطار، وقد حذّر ابنه من التحليق قُرب الشمس، لكنه لم يسمع أمر والده واقترب، فذاب الشمع وسقط في الماء، ومن هذه الأسطورة ينطلق الشعر:
بيني وبين إيكار...مسافاتٌ ضوئية
ومع هذا ،فنحن نلتقي
في نقطة واحدة من العالم
ليلاً دون أن يرانا أحدْ
رغم أن الليل في بيروت مثلاً
ليس شرطًا لستر الأسرارْ
يعترف الشاعر بالبعد الزمني بينه وبين رمزه الأسطوري، كما يحيلنا – في العُمق- إلى الاختلافات الأُسطورية والحضارية بين الحضارتين الشرقية واليونانية، لكن لا ينفي الالتقاء،بل إنه يوجه القراءة نحو العلاقة التفاعلية القوية جدًا بين الشاعر وإيكار، لتتهدم المسافات الزمنية والحدود المكانية والقيود التاريخية- الثقافية بينها، وكأنّ الشاعر هو المناصرة/ إيكار وليس المناصرة/ الإنسان العادي، وهذا التصوير هو جوهر التوظيف الأسطوري الناضج، وهو ما دافع عنه المناصرة نقدًا، بحرصه على الالتحام بين الموروث- الأساطير وبين القصيدة، مع عدم جعل الأساطير ملصقات في الجسد الشعري. فعبر ذلك الأفق ينتقل الشعر من البساطة والسطحية إلى العُمق والغرابة ،قصد قراءة واعية للماضي والحاضر والمستقبل، فتكون العودة إلى الذاكرة عودة تأمل واكتشاف لا عودة غرق فيه أو انبهار به.
وعندما نعود إلى تفاعل المناصرة مع الذاكرة الأسطورية اليونانية نجده يواصل بناء نصه الشعري على النمط الأسطوري، نقرأ بقية حواره مع إيكار وعناصر تشابههما:
هو غريب الأطوار
فعلتُهُ خطأ لا يتكرّر كالديناميت
هكذا قال لنا المدرب
وهو قبل فعلته كان مُصابًا بتشمعُّ الكبد
كان ذلك سرًا للمُقرّبين فقط
يُحيل الشاعر إلى بعض عناصر الأسطورة من قبيل غرابة موقف إيكار وعدم أخذه بنصيحة والده عند الطيران في السماء، وهو موقف ستكون نتائجه وخيمةً وخطيرةً، ومن ثمة تتجلىّ لنا عواقب سوء التخطيط، وسيكون السقوط هو نتيجة الاقتراب من الشمس، ولا يكتفي الشاعر بتقديم الأسطورة فقط، وإنّما هو ينجز فعلاً شعريًا- أسطوريًا، يلتقي فيه الحاضر الفلسطيني بالذاكرة اليونانية، ويشكّل صورة بلاغيةً عن المناصرة/ إيكار، نقرأ:
هو سيحترق بشمسه
و أنا سيُذوّبني المنفى
هو يتحّد بعباءة العُشب السماوي
وأنا أتحلَّلُ في تراب المنافي الصخرية
تلك مشيئة عدم التخطيط يا إيكاروس
هل تصدقني الآن أيُها المرحوم؟!!
هل تصدق ؟!
يقترب الشاعر من تحدّيات الوطن وجراحات الإنسان، فإيكار احترق بالشمس والشاعر يحرقه المنفى، الأول يتناثر بين فضاءات السماء والثاني ينحل في أعماق أرض غير أرضه وتربة ليست تربة أجداده، والسبب الذي يحرقهما واحد، إنه عدم التخطيط، لكن السبب عند الشاعر الفلسطيني لا يقتصر على ذات/ وعي الإنسان الفرد فقط وإنّما يشمل الجماعة بأسرها. وهنا يقدم الشاعر موقفه السياسي في ثوب شعري.
و يتأمل الراهن عبر عيون الأسطورة، ويحلّل المشهد التاريخي المعاصر دون أن يقع في فخّ المباشرة والتقرير، وهذا لا يتوفر إلاّ للممارسة الإبداعية، فهي (تعبّر عن نفسها بقدر من الوضوح والتبلور، وتمتلك من المرونة ما يسمح لها بتصحيح ذاتها، ومن التأمل والتحليل ما يهيئ لها تحديد الأهداف، ومن الشجاعة ما يجعلها تعلن عن نفسها وتدافع عن طروحاتها) ، وتكشف الأخطاء وتصوّر النتائج، سواء كانت انتصارًا أو انهزامًا، وهي عندما ترتبط بتربة الأرض الفلسطينية تتخذ مسارات ملحمية تطمح إلى فتح يوميات الصراع مع المحتل وعناق المشاعر والتصوّرات الخافقة بالشجاعة والبطولة، وقراءة المرجعيات الثقافية والممارسات الشعبية لتجنب الاحتراق في الداخل أو الخارج، بالقرب من الوطن أو بعيدًا عنه. يتخذ الشعر- بذلك التصوّر- من أسطورة إيكار شعلةً تنير الدرب المظلم، وتفضح التصورات الخاطئة، كي لا يتجدّد الاحتراق بلهب الشمس، وكي يتجنب إيكار فلسطين سوء تخطيط إيكار اليونان، ويصبح الشعر – هكذا- احتفالاً ثائرًا وصارخًا يرفض السقوط في مشاهد الحزن وأنغام المنفى وأشواك الغربة ،و يؤسّس لمشاهد الفرح وأنغام العودة وورود الوطن. فبعدما تعمق الشاعر في الأسطورة اليونانية اختار التفاعل معها لأجل قراءة واعية للجرح الوطني فيتحقق الاختلاف الفكري للأصل الأسطوري...
إن القصيدة تخفق بأسئلة الخلفية الأسطورية والراهن الفلسطيني، رغم المحاولة الشعرية لتجاوز ظاهر الأسطورة قصد الوصول إلى روحها، وهذا لا يتحقق إلاّ لشعر يحسن التوظيف الأسطوري، وشاعرنا استعان بتقنية التحويل التي تستعين بأسطورة (إيكار) وتوظفه اسمًا ودلالة، ونجد في العُمق الشعري أنّ (حضور أسطورة إيكار هو حضور لانفعالات ورغبات متصارعة تتناوب بين الرغبة في نشدان المستحيل ومحاولة التغلب على النقص وبلوغ الخلاص أو الخروج عن طبيعة وقدر بالتحليق كطائر في السماء بعيدًا، حيث تحلّق الآلهة الإغريقية، فكان المصير سقوط في العدم).
وهكذا يتداخل الراهني بالأسطوري، ويواصل المناصرة بحثه عن لحظة شعرية تتعانق فيها المشاعر والتصوّرات الإنسانية والأسطورية، لكي تكون الأسطورة- بكل دلالاتها- ضوءًا يُوجِّه الإنسان في تحركاته وفي بحثه عن الخلاص والحرية، وتلك هي الرؤى التي قدّمها (إيكار) للشاعر.
2- أندروميدا:
وقد وظّف المناصرة أسطورة أندروميدا في قصيدته (صخور أندرميدا)، وهي امرأة قدمت كقربان لبوزيدون الذي كان يرعب الناس، فوضعها مشدودة إلى صخور الشاطئ، قبل أن يأتي (برسة)، ويحطم سلاسلها ويقتل الوحش الحارس لها ثم يتزوجها، وهي ترمز للتضحية من أجل الغير- الوطن. إذا عدنا إلى القصيدة نجدها تتضمن جملة من الموضوعات، هي على الترتيب: 1- الأرض/ الذاكرة الشعبية 2- الصخر/الصيد 3- أندروميدا/ الصخر 4- فك السلاسل 5- العودة/الأرض، ومن ثمة فهي قصيدة دائرية تنطلق من الأرض وتعود إليها، وبين البداية والنهاية يتأمل القارئ مشاهد أسطورية وحنينًا إنسانيًا، وشوقًا إلى علامات الأرض والتاريخ. يقول الشاعر متحدثًا عن أندروميدا الجمال والأسطورة:
أندروميدا
مربوطة بالسلاسل في الصخور السوداء
البحر ذليلٌ عند قدميها
تتباهى بأجنحتها وضفائرها
أعطنا مما أعطاك البحرُ
تلومنا الشمس والبحر زعلانٌ علينا
غمامة العطر تهبطين فوق الموجه
يمزج المناصرة جمال هذه المرأة بقوة تأثيرها، فهي لا تسمو بجمال الشكل فقط، وإنما بجلال المجد أيضًا، فرغم أنها مقيدة بالسلاسل في أعالي صخور الشاطئ إلاّ أن البحر يريد عناقها والصعود إليها في صورة شعرية بليغة راقية، يكون فيها هذا البحر ذليلاً عند قدمي (أندروميدا)، بل إنها تسقي بعطرها الساحر أمواج البحر، فتتخذ – هكذا- مسارات العجائبي والمدهش، وكأنّ الجمال والجلال هما اللّذان يُشكّلان صورة كل من يتقدم قربانًا من أجل أهله ووطنه. ويتماهى النص الشعري في الأسطورة، وتتلاحق العناصر الأسطورية أمام القارئ:
يا جميلة الجميلات، يا ابنة الصخر والبحر والريح
لك الملك أيتها المربوطة بجذور الشجر
تتبجّحين بعنفوانك
ها أنت تذوقين المر
آتيك كصقر، مخالبُه تنبشُ الصخر
أفكُ سلاسل آلامك
لهذه المرأة الأسطورية كل إيحاءات الدهشة؛ لأنّها عانقت الصخر والبحر واختارت أن تكون قربانًا، لكي تعاني أو تموت، لكن قصد ضمان سعادة وحياة أهلها، وهي دلالة التضحية والتنازل عن سلطة الأنا، والشاعر وجد في الرمز الأسطوري (أندروميدا) تعبيرًا عن التضحية، بخاصة عندما ينفتح الشعر على التضحية/ المرأة فتكون الدلالة هنا أكثر إشراقًا وإضاءة في النص. ولأن (أندروميدا) قامت تشكيل صورة التضحية، يختار الشاعر/الإنسان الفلسطيني أن يغامر وينطلق في سفر بطولي، يطمح من خلاله إلى فكّ سلاسل الوجع والمعاناة عن جسد/روح هذه المرأة الجميلة، وفي ذلك إشارة شعرية إلى المرأة/الأرض...
وهنا ينفلت الشعر من أحادية المعنى، ويتسع أفقه الجمالي- الدلالي، كما قد تتسع القراءة لتربط بين المرأة والهوية الفلسطينية ، وصورة من صور التحدّي الحضاري الذي يأتي من عُمق التاريخ والذاكرة، لينفتح على جراحات الراهن وعذابات الإنسان والأرض في ظل الوجود الصهيوني. لقد عاد الشاعر إلى الأسطورة اليونانية وتأملها فوجد فيها الكثير من التجلّيات التي تسعفُه في مكاشفة عواطفه ومعانقة وطنه، فاختار توظيف (أندروميدا)..
كما اختار أن يكون الفارس الأسطوري المنقذ، حتى لو اقتضى الأمر أن يُقتل وأن تكون قطرات الدم الفلسطيني هي القٌربان لأجل أن تعود (أندروميدا) إلى أهلها، فلا يكتفي الرمز الأسطوري هنا بحقيقته، وإنّما هو يتحول ويتبدّل، فتكون المرأة الأسطورية اليونانية هي المرأة الفلسطينية، وهي – كذلك- الأرض والهوية وكل رمزيات الانتماء، ولا غرابة أن يربط الشعر الفلسطيني بين الأرض وبين الدم والنضال.
2- أخيل:
ويوظّف المناصرة (أخيل)، وهو أحد أبطال اليونان، بل (كان مقدرًا له أن يكون
أعظم الأبطال الذين يقاتلون عند أسوار طروادة وأن يحقق الكثير من أمجاد الحروب، ولكنه لا
يعود حيًا من هناك، بل يهلك برمية سهم وهو في أوج صولته وسطوته) ، وذلك رغم المحاولات الكثيرة من أمه لتجنيبه المشاركة في الحرب إلى درجة غمسه في نهر مقدس لكي لا تناله السيوف أو تصيبه الجروح، (فاكتسبت جميع أجزاء جسمه هذه المناعة، ما عدا قدميه فإنّ أمه كانت ممسكة به منهما إذ غمسته، فلم تبتلا بماء هذا النهر، وقد اشتهر أخيل بالشجاعة وقوة البأس وسرعة الغضب). وإذا كان المناصرة يبحث عن علامات القوة والشجاعة والذاكرة، فإن رمزية (إخيل) اليوناني تسعفه في هذا المقام، ولو أن توظيفه يبدو غامضًا من خلال القراءة الأولى، بخاصة في ظل ضبابية المشهد الشعري، وعدم تقديم الشاعر لإشارات تعبيرية عن قصة هذا البطل اليوناني:
قد يأتي بعد الصحراء، الثلجُ المغسولْ
قد يأتي عسل الملكات الشقرِ،
على كعب أخيلْ
صبح برمال سوداء، يليه الثلج المسكونْ
فاجأني، فارتعش القلب المعطوبْ
أنتظر مسيحي المصلوبْ
أنتظر مسيحي المصلوبْ
كلّما انتقلت الأسطورة إلى عوالم الأسطورة الأدبية تحقق اختلافها وتغيّرها، وقد أضفى المناصرة على بطله الأسطوري (أخيل) سمات جديدة، فإذا كان في حقيقته التاريخية قد حقق الانتصار وقاوم الأعداء، فإنّه في الشعر يجلب معه الثلج إلى الصحراء، ويحوّل جفافها إلى خصب، كما أنه يتماهى في شخصية المسيح المصلوب، فهو البطل/ المسيح كما أنه البطل/ المخلِّص. ولا تخفى على القراءة الأبعاد الدلالية التي يبحث عنها الشاعر من رمزه الأسطوري، فهو يريد من (أخيل) أن يحمل راية تحرير الأرض، وأن يعيد المجد والعزة، فالذاكرة اليونانية بملامحها وانتصارات شجعانها وفرسانها تقدّم للشاعر الفلسطيني الأدوات الأسطورية المساعدة على معانقة أشواق الانتصار وأحلام التحرر، فهل يعود (إخيل) الفلسطيني إلى ميدان المعركة لكي يجنب أرضه الهزائم والانتكاسات؟ وهل تتحول الصحراء الجافة إلى أرض مثلجة ؟ وبعد كل ذلك، هل يتحول موت الأرض إلى حياة؟.
يفتح – من جديد – الشاعر أمام القارئ مساحات من التحدّي والمقاومة، وإنْ كان (أخيل) قد خرج بحثًا عن الثأر بعد مقتل صديقه (باتروكل) على يد الطرواديين، فإنّ شاعرنا يريد الخروج للإنسان الفلسطيني، كي ينتقم ممنْ سلب الأرض، واغتال الأهل وشوّه الذاكرة وخرّب المعالم الدينية ولم يبق على ملامح الحياة. وتلك هي الصورة المترسّخة في الشعر الفلسطيني، فقد (امتازت صورة الفلسطيني عامة بإيجابيتها، فردية كانت هذه الصورة أو جماعية، واقتصرت على الصمود والنضال والثورة واختفت صورة الفلسطيني المتخاذل والرجعي والعميل والخائن) ، ولعلّ ذلك ما يفسر استعانة المناصرة (بأخيل)، فرغم أن هذا البطل ابتعد عن ميدان المعركة، إلاّ أن الصوت الوطني كان أكثر من الصوت الفردي، فخرج إلى الميدان وأبرز فروسيته، وذلك هو شأن الفلسطيني في الشعر وفي الواقع، فهو يذوب في الرمز الأسطوري ويعيد تجسيد تجربته.
4- بروميثيوس:
وعندما يريد الشاعر أن يتحدث عن رمزية اغتيال العُمق الفلسطيني، لا يجد أكثر تعبيرًا من أسطورة (بروميثيوس) الذي سرق النار من الآلهة ومنحها للإنسان، كي يستطيع أن يدخل في دروب المعرفة والحضارة، لكن يعاقب بأن يقيّد في أعلى جبل ويأتي النسر لينهش كبده، فتظل الكبد تتجدد والنسر يعاود نهشها، لتبقى معاناة بروميثيوس، وصار – هكذا- رمزًا للمعرفة والتضحية، وقصته تصوّر محاولات الإقصاء والاغتيال التي تتعرض لها أصوات التغيير والتمرد أو الدفاع عن الإنسانية والقيم الجميلة. يتوقف المناصرة عند الأبعاد الرمزية لأسطورة (بروميثيوس)، فينشدها في قصيدة (يتوهج كنعان):
حنانيكِ يا حارةً في الخليل
يقينٌ على تلَّةٍ سرقوا قلبه،
جبلٌ قرب قريتنا ويطل على البحر،
والبحر ميتٌ يفاصل زلزاله الأبديَّ،
وأحجاره مرمرٌ،
واسألوا البرلمان البعيدْ
يغيب اسم بروميثيوس في هذا التوظيف وتحضر مهمته في الأسطورة، وذلك لأن عودة الشاعر إلى الأسطورة كانت عودة ذكية، تأخذ عمقها وروحها ولا تكتفي بظاهرها وأسماء شخصياتها، فالمهم ليس هو الحضور الشكلي/ الظاهري للأسطورة، ولكن هو التماهي في جوهرها، والاستفادة من أبعادها الدلالية وإحالاتها الرمزية، ثم (إن قراءة الرمز الأسطوري لا تتحقق في مطابقته لمرجعه الأسطوري أو استقلاله فحسب عنه، وإنما في قدرته كذلك على استيعاب هموم الذات الفردية ومقاصدها الأيديولوجية والفنية في خضم الواقع وحرائقه وتصدّعاته) ، وهي الهموم والمقاصد التي استطاع بروميتيوس أن يختصرها -حسب الشاعر- عبر قلبه المسروق ومعاناته المتواصلة، كما هو قلب الفلسطيني ومعاناة وطنه، وهنا تتجاوز الشخصية الأسطورية بُعدها المألوف، وتعانق أبعادًا جديدة.
يجد الباحث ملامح كثيرة في مختلف التوظيفات الأدبية لهذه الشخصية الأسطورية، وإن (الرواة والشعراء قد نسبوا إلى بروميثيوس سارق النار صفات عديدة وأعطوا الأسطورة معنى فلسفيًا وأخلاقيًا، وانتهى بهم الأمر إلى جعل بروميتيوس رمزًا للفكر الإنساني الذي يتطلّع إلى الحرية والمعرفة) ، ويواجه الألم المادي والمعنوي لأجل الإنسان/ المعرفة، وإنّ المناصرة اكتفى بالتلميح إلى بعض عناصر الأسطورة اليونانية، وفتح مجال التأويل للقارئ ليجعله مساهمًا في تشكيل النص الشعري بالبحث في مرجعه الأسطوري ومستوى التفاعل بين الشعر والأسطورة، لأنّ الرمز قد توغّل في جسد النص، وغاب الاختلاف بين الذاكرة والراهن وتتحقق التماهي والتوحّد. إن الألم المادي الذي أصاب الشخصية الأسطورية هو الألم الذي يصيب الفلسطيني المقاوم، وإنّ مغامرة بروميثيوس بإعطائه النار للإنسان هي مغامرة متواصلة ومتجددة عند الإنسان، فالمثقف يعطي المعرفة ويمنح النور للإنسان والوطن، وقد يتعرض للحصار والإقصاء، بل قد يتعرض للتصفية الجسدية، وهكذا تنهش كبده، بما تحويه هذه الكبد من إيحاءات مادية ومعنوية، لكن رغم القهر الاجتماعي والحصار السياسي، فإنّ الصوت الثقافي يبقى مرتفعًا ويكون أكثر حرارة وحماسة عندما يرتفع في ظل الاحتلال، لأنّ هذا الصوت يعانق وهج الذاكرة وعطر الأرض، فيزداد غليان الكلمة والأرض، و(طبيعي أن تكون الأرض في شعر فلسطين المقاوم أكثر غليانًا من أية موضوعة يمكن أن تخطر على البال، ذلك أنّ تكوين الشخصية الفلسطينية المقاومة لا يمكن أن يبتعد عن معنى وملامح وامتداد الأرض في كل جزء من التكوين الإنساني، فالأرض هي الفلسطيني والفلسطيني هو الأرض).
في الختام
رغم أن شاعرنا المناصرة لم يذهب بعيدًا في توظيف جماليات ورؤى الأساطير اليونانية، وإنما اكتفى ببعضها فقط، مع الحفاظ على القيمة الشعرية وعدم الاستحضار الأسطوري في مستوى الاسم أو الوظيفة، حيث يعتمد تقنية الانزياح التي تغيّر الأسطورة الأصلية. تنطلق الحداثة الشعرية عند المناصرة من فهم عميق للموروث (الأنا والآخر) مع تملّكه وإدراك جوانبه المختلفة، ثم إلباسه خصوصيات جديدة، تتفتح على أسئلة الراهن دون أن تسقط في التقرير أو المباشرة.
وفي توظيفه للموروث اليوناني جعل الأسطورة متأرجحة بين الحضور الشامل في القصيدة مع تناول عناصرها المختلفة، وبين الحضور الجزئي في بعض القصائد والتلميح ببعض العناصر الأسطورية، مع ترك مجال القراءة كي تسهم في إنجاز الدلالات والقبض على الأبعاد الخفية للتوظيف الأسطوري لأن ذلك هو جوهر الكلمة، فهي تعتمد الظلال السحرية غير المألوفة. يتأكد للقراءة- مرة أخرى- أن المناصرة لا ينقل حرفيًا الأساطير، وإنما ينقل روحها وجوهرها، ثم ينجز تحويره وتغييره، أو لنقل إنه ينجز لعبه الفني مع الأسطورة..
ملاحظة:للدراسة مراجع
د-وليد بوعديلة-جامعة سكيكدة

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 30 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : 2019-02-05



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
من ارهاصات المسيرات
بقلم : جمال الدين خنفري
من ارهاصات المسيرات


الفيسبوك والحراك الشعبي الجزائري
بقلم : د.سكينة العابد
الفيسبوك والحراك الشعبي الجزائري


قصة قصيرة جدا / لعبة عنيفة
قصة : بختي ضيف الله
قصة قصيرة جدا / لعبة عنيفة


انتخابات جامعة بير زيت وتراجع حركة " حماس "
بقلم : شاكر فريد حسن
انتخابات جامعة بير زيت وتراجع حركة


توظيف الامثال الشعبية في الثورة السلمية الجزائرية
الدكتور : وليد بوعديلة
توظيف الامثال الشعبية في الثورة السلمية الجزائرية


النهضة العربية الحديثة ... من أوهام النجاح إلى حقائق الفشل
الدكتور : بومدين جلالي
النهضة العربية الحديثة ... من أوهام النجاح إلى حقائق الفشل


يوميات نصراوي: ضعيف يقاويني قصير يطاول
بقلم : نبيل عودة
يوميات نصراوي: ضعيف يقاويني قصير يطاول


كأنّه الشِعر ...
بقلم : باينين الحاج
كأنّه الشِعر ...


الطلبة يُسقطون الباء الأولى.. تماما كما أسقطوا بوتفليقة !
بقلم : جمال الدين بوشة
الطلبة يُسقطون الباء الأولى.. تماما كما أسقطوا بوتفليقة !


بطاقة إلى السجين الفلسطيني
بقلم : شاكر فريد حسن
بطاقة إلى السجين الفلسطيني




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com