أصوات الشمال
السبت 13 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما يجب أن يكون للنهوض بالمجتمعات العربية   *  قراءة أولى في القصيدة الفائزة في "المنارة الشعرية في وصف جامع الجزائر الأعظم"   *  للبرد صهيل الأوسمة.   * رحلة المشتهى او حفر في صورة "العشيقان" .......نقد د.حمام محمد زهير   * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى    أرسل مشاركتك
مظاهرات11ديسمبر1960م: أضواء على أسبابـها ووقائعها وأهميتها
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 210 مرة ]
صورة  الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة

ذكريات الثورة الجزائرية العظيمة كثيرة ومتنوعة،بحيث لا يكاد يخلو شهر من الشهور من ذكريات خالدة قدم فيها الشعب الجزائري تضحيات مجيدة تفخر بها الأجيال على ممر العصور، والأزمنة،وعندما يُذكر شهر ديسمبر يتبادر إلى أذهان الجزائريين تلك المظاهرات العارمة التي انطلقت في شهر ديسمبر سنة:1960م،وكانت لها جملة من الآثار والانعكاسات العميقة على مسار الثورة الجزائرية المظفرة،فالمعروف أن مظاهرات11ديسمبر1960م أكدت للعالم أجمع ذلك الارتباط الوثيق و اللا محدود بين الشعب الجزائري وثورته المجيدة ،وجعلته يُدرك مدى تصميم الشعب الجزائري على استعادة حريته المغتصبة،واسترجاع سيادته المنتهكة من قبل الاستدمار الفرنسي.


ذكريات الثورة الجزائرية العظيمة كثيرة ومتنوعة،بحيث لا يكاد يخلو شهر من الشهور من ذكريات خالدة قدم فيها الشعب الجزائري تضحيات مجيدة تفخر بها الأجيال على ممر العصور، والأزمنة،وعندما يُذكر شهر ديسمبر يتبادر إلى أذهان الجزائريين تلك المظاهرات العارمة التي انطلقت في شهر ديسمبر سنة:1960م،وكانت لها جملة من الآثار والانعكاسات العميقة على مسار الثورة الجزائرية المظفرة،فالمعروف أن مظاهرات11ديسمبر1960م أكدت للعالم أجمع ذلك الارتباط الوثيق و اللا محدود بين الشعب الجزائري وثورته المجيدة ،وجعلته يُدرك مدى تصميم الشعب الجزائري على استعادة حريته المغتصبة،واسترجاع سيادته المنتهكة من قبل الاستدمار الفرنسي.
ستظل مظاهرات11ديسمبر1960م رمزاً من رموز الاعتزاز والافتخار بمنجزات وتضحيات الأمة الجزائرية العظيمة،وبما قدمته من تضحيات جبارة وغالية في سبيل استعادة السيادة لوطننا العزيز،فلا يختلف اثنان في أن مظاهرات ديسمبر1960م هي واحدة من المناسبات التي ستبقى وعلى مر الزمن من الوقفات التاريخية المتميزة والجديرة بالإشادة والتنويه،حيث إنها تجلي وبكل وضوح مسيرة نضال و كفاح و دأب و صبر الشعب الجزائري،ولا ريب في أنها تعتبر منبعاً عميقاً تُستمد منه العبر والدروس،وتُستخلص منه جملة من الرؤى والأفكار والفوائد الجمة.
يجمع المؤرخون على أهمية مظاهرات 11ديسمبر1960م في مسار الثورة الجزائرية،التي نجحت في إقناع العالم بعدالة القضية الجزائرية،وأكدت عزم الشعب الجزائري على استرجاع وطنه المغتصب، إن«11ديسمبر1960م محطة أخرى أثبت من خلالها الشعب الجزائري قوته اللا متناهية وكفاحه الباسل وتلاحمه مع جبهة وجيش التحرير الوطني،من أجل هدف واحد هو الاستقلال،وهكذا أحبط بوعيه وتفطنه أطماع الاستعمار وإستراتيجية ديغول ومخططاته الساعية في حقيقتها إلى فصل الشعب عن الثورة من خلال شعاره الوهمي(الجزائر فرنسية)،مظاهرات 11ديسمبر1960م برهنت للعالم أجمع عن اقتناع الجزائريين دون استثناء بعدالة قضيتهم وبعزمهم على المضي قدماً والتضحية بكل نفيس من أجل استرجاع حقهم الذي اغتصبه المستعمر بالقوة والباطل»)1(.
أضواء على أسبابها وخلفياتها:
لقد سبقت مظاهرات 11ديسمبر1960م جملة من الأحداث والتحولات المختلفة،فقد شهدت فترة1954 -1957م«نجاحاً عسكرياً واضحاً لجبهة التحرير الوطني تميزت بتعاظم القدرات البشرية والعسكرية والتنظيمية لجيش التحرير الوطني،وتمكنه من فرض سلطته على مناطق ريفية واسعة،وقيامه بعمليات عسكرية نوعية ضد المصالح الفرنسية،غير أن الجهود العسكرية التي بذلتها السلطات الفرنسية،والإمكانيات المادية والبشرية التي سخرتها مكنتها من أن تلحق بالمجاهدين الجزائريين الكثير من الخسائر،وابتداءً من سنة:1958م،وهو ما تبينه بوضوح قوائم الشهداء التي تتضمنها مختلف النصب التذكارية المخلدة لذكراهم،حيث إن أغلبهم استشهدوا خلال الفترة الممتدة ما بين:1958و1962م،وقد اعترفت بهذه الحقيقة كذلك التقارير الداخلية لقيادات جبهة التحرير الوطني،ففي تقرير مطول أعده العقيد عمر أوعمران،عضو لجنة التنسيق والتنفيذ ومسؤول مديرية التسليح والتموين العام،مؤرخ يوم:08جويلية:1958م ورد أن(جيش التحرير الوطني الذي بلغ قدراً محترماً من القوة من حيث العدد والتسليح قد مني بخسائر فادحة حالياً،حيث استشهد خلال شهرين فقط6000مجاهد في منطقة ديفيفيه وحدها)،ويعني بها بوشقوف،في إشارة منه لما يصطلح عليه في بعض الأحيان بمعارك الحدود،وأضاف قائلاً: (إذا كنا نجحنا في السنة السابقة(1957م)في تسريب كميات معتبرة من الأسلحة إلى الجزائر،فإن التزود بالأسلحة والذخيرة حالياً أصبح أمراً في غاية الصعوبة بفعل إحكام غلق الحدود).في إشارة منه إلى الخطوط المكهربة و ما يحيط بها من حقول للألغام ومراكز رقابة وقوات عسكرية ضخمة وضعتها السلطات الفرنسية على الحدود مع تونس والمغرب،وبين التقرير الآثار المترتبة على الثورة من هذه الوقائع،فذكر أن(الخسائر في صفوف الإطارات المؤهلة والمكونة سياسياً لم تعوض لسوء الحظ بترقية الشباب المتدرب على الحرب).
وعبر العقيد أوعمران في تقريره عن خشيته من أن يؤدي هذا الواقع إلى تراجع الدعم الشعبي للثورة فقال: (إن الشعب يؤيد حتماً الثورة،غير أنه تعرض لقمع رهيب،ولهذا فإن فقدان الإطارات السياسية والشباب على العموم،وكذلك القمع بكل أشكاله لا يمكن إلا أن يضعف مقاومته ودعمه للثورة)،واعتبر التقرير أن مجيء ديغول إلى السلطة قد عزز مركز فرنسا،فمن الناحية المعنوية تراصت فرنسا المحبطة والمنقسمة على نفسها حول ديغول،واستعادت ثقتها،وتجدد أملها في النصر... »)2(.وقد جاءت مظاهرات 11ديسمبر لتفند جميع هذه الشكوك وتؤكد تلاحم الشعب الجزائري.
لقد اتبع الجنرال ديغول عدة أساليب في سياسته تجاه الجزائر،حيث عاد إلى السياسة الفرنسية التقليدية التي تعتبر الجزائر جزءاً من فرنسا،واعتماداً على منظور الدكتور محمد لحسن زغيدي فسياسة ديغول تجاه الثورة الجزائرية تتلخص في:
أ-سياسة عدم الاعتراف بالكيان الجزائري:حيث اتبع ديغول إستراتيجيته التي تعتمد على الحفاظ على أمجاد وأملاك الإمبراطورية الفرنسية فيما وراء البحار،وفيما يخص الجزائر فقد اعتبرها جزءاً من فرنسا،فقال: «فقد كنت أعتزم أن أحذو حذو فرنسا القديمة التي بعد أن أصبحت بلاد الغال،ظلت محتفظة بالطابع الروماني بحيث ستبقى الجزائر فرنسية من عدة أوجه،وتحافظ على الطابع الذي اكتسبته،هكذا كانت إستراتيجيتي في السياسة التي أريد أن أنتهجها...وكان يقتضي الواجب أن ألجأ إلى المناورة،دون أن أغير هدفي».
تلك هي الخطة المعتمدة من قبله،حيث سار على نهج الحكومات السابقة بالجمع بين وسيلتين:مضاعفة المجهود الحربي،ووضع المشاريع ذات الصبغة الاجتماعية،كما فعل غي موليه من قبل.
ب-العنف ضد الثورة: حيث استعمل ديغول شتى أنواع العنف للوصول إلى ما لم يصل إليه غيره،وهو الانتصار على الثورة الجزائرية عسكرياً،وهذا ما جعله يجند جميع طاقات فرنسا للانتصار عليها،حيث يقول المجاهد علي بومنجل: «بمجيئه إلى الحكم وظف كل الإمكانيات البشرية والعسكرية لحرب الجزائر،حيث أرسل إلى بلادنا العشرات من الجنرالات لإخماد الثورة والقضاء عليها وقد قاسى شعبنا أضعاف ما قاساه في السنوات الثلاثة التي سبقت حكم ديغول،مما يبين بجلاء وحشية حكم ديغول على الشعب الجزائري وعلى امتداد السنوات من حكمه»)3(.
وفي السياق نفسه ذكر الرائد لخضر بورقعة،وهو أحد كبار القادة في الولاية الرابعة أن«مخطط شال الجهنمي قد سقط علينا كالصاعقة،ولم نحسب له أي حساب،وكانت بذلك خسائرنا فظيعة في الأرواح والمعدات..فلم نكن على علم به،ولا بعملية كورون فلا القيادة العامة في الخارج أشعرتنا بهذا المخطط،ولا نحن استطعنا بوسائلنا الخاصة أن ننتبه إليه رغم توفر المؤشرات الدالة عليه،وهكذا واجهنا مخططاً عسكرياً محكماً بأذهان خالية فلم نقم بتعبئة الجماهير الشعبية،ولم نقم بتهيئة قواتنا عسكرياً ونفسياً للتعامل مع الوضع الجديد الذي فرضه علينا العدو،فكانت الكارثة...»،ولمواجهة الهجمة العسكرية الفرنسية اتخذت جبهة التحرير الوطني جملة من التدابير العسكرية الاحترازية لامتصاص الصدمة،وكيفت إستراتيجيتها الحربية مع الواقع الجديد والخطير،الذي فرضه خاصة مخطط شال العسكري،فعلى سبيل المثال أن الولاية الثالثة اتخذت قيادتها مجموعة من التدابير لمواجهة عمليات المنظار لخصها مسؤولها العقيد محند أولحاج في تعليمة مؤرخة يوم:09ماي 1959م،ومما جاء فيها: (خلال الأسابيع القادمة يجب أن تتم مواجهة تكتيكات العدو من خلال تجنب تجميع قواتنا،ولهذا من الأفضل تقسيم الكتائب إلى فرق...حتى تكون أكثر قدرة على الحركة،ويكون من الصعب ملاحقتها...)...،أما صحيفة المجاهد،لسان حال جبهة التحرير الوطني،فأكدت في مقال بعنوان:«فشل عملية المنظار»في تحقيق أهدافها الإستراتيجية والتي تتمثل في تدمير الوجود العسكري والسياسي لجبهة التحرير الوطني في الولاية الثالثة،والتي تُعتبر من قبل الدوائر الفرنسية المعقل الرئيس للثوار الجزائريين،واستثمار الانتصار المزعوم في الدعاية الفرنسية في الداخل والخارج بهدف فرض حل للمعضلة الجزائرية على المقاس الفرنسي)4(.
لقد عرفت الجزائر في الفترة الممتدة مابين:1956-1958 تدفقاً كبيراً لقوات الاستعمار الفرنسي،حيث بلغ عدد القوات الفرنسية مع نهاية الخمسينيات حوالي800ألف جندي فرنسي،وقد قام الجيش الفرنسي«بعمليات كبرى في القرى والأرياف الجزائرية فضاعف من المناطق المحرمة واتخذ من سياسة الأرض المحروقة والمحتشدات وسيلة لعزل الثورة عن الجماهير الشعبية،كما حاولت السلطات الاستعمارية عزل الثورة عن الخارج لخنقها،فأنشأت السدود المكهربة على طول الحدود الشرقية والغربية عرفت بخطي(موريس وشال)وأرغمت أكثر من:280.000جزائري على الهجرة إلى تونس والمغرب،وزجت بمئات الآلاف من المواطنين في السجون والمعتقلات،في هذه الفترة عممت وسائل التعذيب،كوسيلة قمع وأصبحت قنابل النابالم سلاحاً عادياً تستعمله الطائرات الفرنسية في كل مناطق التراب الوطني،ويمكن القول إن الشعب الجزائري عرف من سبتمبر1958م تاريخ تكوين الحكومة المؤقتة إلى نفس الشهر من سنة:1959م المرحلة الأكثر قسوة ومرارة من الحرب،حيث شنت القوات العسكرية الاستعمارية عمليات واسعة النطاق ضد جيش التحرير الوطني استخدمت فيها عشرات الآلاف من الجنود،وأحدث الأسلحة الحربية،مثل عملية(كورون)من فيفري إلى جويلية بجبال الونشريس وعملية(جيمال) من جويلية إلى نوفمبر1959م في جبال القبائل وعمليات(كوروا)و(ايتنسال) و(الشرارة)في جبال الجزائر والحضنة وعملية(بيار بريسيوز)و (الأحجار الثمينة)في جبال قسنطينة،هذا فضلاً عن تطويق كامل المدن والمراكز العمرانية حيث بلغ قمع البوليس ذروته،إلا أن جيش التحرير استطاع أن يتكيف مع هذا الأسلوب موزعاً وحداته إلى فرق صغيرة،وناقلاً المعركة إلى كامل مناطق التراب الوطني وفي جميع الميادين.
من سبتمبر1959إلى سبتمبر1960م ضاعفت الحكومة الفرنسية من مناوراتها لتجنب المفاوضات مع جبهة التحرير الوطني،مسخرة كل طاقاتها العسكرية للقضاء على جيش التحرير الوطني،حيث قام الجيش الاستعماري من جديد بعمليات واسعة مثل عملية(تونتاكيل)في أفريل وماي1960 في جبال الضاية وعملية(بروميثي)في الجنوب الوهراني من ماي حتى سبتمبر1960م،وعملية(سيغال)في جبال الونشريس خلال شهري جويلية وأوت1960م.
واستطاع جيش التحرير أن يواصل نشاطه القتالي المستند إلى حرب العصابات،مثبتاً مراكزه في جبال الأطلس الصحراوي وفي المناطق الحدودية الشرقية والغربية،خائضاً هجمات مركزة على المراكز العسكرية للعدو،ومستفيداً من عمل الفدائيين الذين كانوا يقومون بعمل جبار في المدن والمراكز العمرانية»)5(.
لقد انطلق ديغول في شن عمليات عسكرية كبيرة،واستهل سياسته عام:1959م«بشن عمليات عسكرية ضخمة كثيرة العدد وطويلة المدة،في إطار ما عرف بمشروع شال الضخم بعد أن فشلت عمليات(التهدئة)و(التطهير الواسعة)،وقد اعتمد مشروع شال على الأسس التالية(فيفري1959-ماي1960م):
1-غلق الحدود الشرقية والغربية بالأسلاك الشائكة المكهربة،والمناطق المحرمة،والألغام،والمراكز العسكرية المكثفة.
2-إبادة فرق جيش التحرير من الناحية العسكرية في الجبال.
3-تحطيم جبهة التحرير من الناحية السياسية في المدن والقرى.
4-استحداث إدارة مخلصة للجيش الفرنسي تحل محل جبهة التحرير الوطنية.
ويُطبق هذا المشروع على الشكل التالي:
1-المحافظة على مراكز التربيع مع تطويرها وتصغير حجمها.
2-تشجيع الفرق الفرنسية على الحركة الدائبة والمستمرة ضد جيش التحرير الوطني.
3-تكليف سلاح الطيران بالمراقبة المستمرة والمتابعة الدائمة.
4-تجنيد المزيد من جنود القوم والحركة من الجزائريين للمساهمة في العمليات العسكرية كبدلاء للعسكريين الفرنسيين.
5-القيام بعمليات عسكرية جوية وبرية لتطهير البلاد من الثوار منطقة فمنطقة.
6-احتلال المناطق المطهرة مدة طويلة للتأكد من إبادة جيش التحرير بها.
أما مراحل مشروع شال فقد حددت على الشكل التالي:
أولاً:تطهير ولاية وهران بين فيفري ومارس1959م والمقصود بها الهضاب العليا الغربية بين منتصف أبريل ومنتصف جوان.
ثانياً:تطهير جبال الونشريس بين منتصف أبريل ومنتصف جوان1959م.
ثالثاً:تطهير جبال الظهرة بين منتصف أبريل ومنتصف جوان1959م.
رابعاً:تطهير بلاد القبائل خلال شهور جويلية1959-ومارس1960م.
خامساً: تطهير الشمال القسنطيني بين نوفمبر1959 وماي1960م.
سادساً:عملية الشرارة على جبال الحضنة في جويلية1959م.
ورغم العمليات العسكرية التي شنت ضد جيش التحرير الجزائري،ورغم ضخامة الأموال والإمكانيات التي وفرتها سلطات الاحتلال الفرنسي،إلا أن هذا المشروع فشل في تحقيق أهدافه»)6(.
وبالنسبة إلى الشق السياسي،فقد مرت سياسة ديغول تجاه الثورة الجزائرية بالمراحل التالية:
« أولاً:مرحلة الجزائر الفرنسية،وعامل خلالها الجزائر على أنها إقليم فرنسي وطلب من سكانها أن يصوتوا بنعم أو لا على دستور الجمهورية الخامسة،بينما طلب من سكان المستعمرات الأخرى في إفريقيا التصويت على مبدأ البقاء أو الانفصال عن الاتحاد الفرنسي،وخصص للجزائر66مقعداً في البرلمان(منها44للجزائريين و220للأوروبيين)و32مقعداً في مجلس الشيوخ،وسخر الجيش الفرنسي لتحقيق النتيجة التي يريدها وهي القضاء على الثورة،وأعلن في قسنطينة أواخر1958م عن مشروع قسنطينة كمحاولة لخنق الثورة وتحطيمها على أساس أن أسبابها اقتصادية واجتماعية،وطلب من الثوار أن يسلموا أسلحتهم ويرفعوا العلم الأبيض فيما دعاه سلم الأبطال والشجعان.
ثانياً:مرحلة التردد:بعد فشل المشاريع السابقة أخذ يفكر في أسلوب آخر،وأعلن في خطاب له يوم:08جانفي1959م بمناسبة انتخابه رئيساً للجمهورية بأن الجزائر ستكون لها مكانة ممتازة داخل المجموعة رغم مراوغاته المتعددة لاستمالة الجزائريين والأوروبيين معاً.
ثالثاً: مرحلة تقرير المصير،بعد أن تأكد من قوة جبهة التحرير الوطني،وضعف تأثير مشروع قسنطينة الاقتصادي والاجتماعي،وعجز الجيش الفرنسي عن تحقيق النصر،فبعد أن زار الجزائر في شهر أوت،ودرس الأوضاع عن كثب أعلن في يوم:16سبتمبر1959م عن مبدأ تقرير المصير للجزائر بعد أربع سنوات من تحقيق التهدئة التي حددها بعدم زيادة المقتولين عن 200 شخص في العام وذلك على الشكل التالي:
1-التصويت على الاستقلال والانفصال.
2-التصويت على الاندماج مع فرنسا.
3-التصويت على الفيديرالية مع فرنسا.
رابعاً:مرحلة الجزائر الجزائرية:وتتمثل في إيجاد الجزائر الجزائرية بدون جبهة التحرير الوطني،ولتحقيق ذلك ألف في شهر جويلية1960م لجنة من 120 عضواً ينتمون إلى البرلمان،ومجلس الشيوخ،والمجالس الإقليمية،والغرف التجارية والفلاحية، وشيوخ البلديات،ومستشاريها ووزعوا على أربع لجان فرعية هي:
1-لجنة الإصلاح المالي.
2-لجنة الإصلاح الإداري.
3-لجنة الإصلاح الزراعي.
4-لجنة الهيئات والفئات السكانية.
وقد اعتمد ديغول في إنشاء الجزائر الجزائرية دون جبهة التحرير الوطني على عدة عوامل،من أبرزها:تعب السكان من الحرب،وميلهم إلى مساندة أي حل يحمل إليهم أمل السلم،وطالب بوقف الأعمال الفدائية قبل الشروع في التفاوض،وصرح بعبارة(الجمهورية الجزائرية)في أوائل شهر نوفمبر1960م التي ستوجد في المستقبل،وأعلن عن استعداده قبول قيامها مادام أن الجزائريين يريدون قيامها،غير أنه كان يصر على عدم التفاوض مع جبهة التحرير الوطني،لأن الجزائر الجزائرية ستكون للجزائريين في الجزائر،وليس في الخارج كما يزعم...
ولتحقيق هذه الخطة سعى ديغول إلى خلق قوة ثالثة،وأعلن عن عدم ضرورة انتهاء القتال للشروع في تزويد الجزائر الجزائرية بأجهزتها الإدارية الخاصة،فقام بإجراء انتخابات المجالس المحلية،وتحصل أنصاره على الأغلبية مع معارضتهم لفكرة الإدماج،وسعى إلى تدعيم مركزهم بإنشاء جيش جزائري لهم من الحركة يحمل اسم الحرس»)7( ،ولتوفير فرص النجاح لمشروع الجزائر الجزائرية،جاء إلى الجزائر يوم:10ديسمبر1960م للقيام بالدعاية لهذا المشروع،وليقوم بشرحه للسكان،ولاسيما من المستوطنين الأوروبيين الذين تأكدوا بأن الثورة الجزائرية في طريق النصر،ولذلك فإنهم بمجرد سماعهم خبر زيارته إلى الجزائر قاموا بإضراب شامل،وبمظاهرات صاخبة في اليوم الذي سبق وصوله إلى الجزائر،وذلك لإشعاره بغضبهم ورفضهم لسياسته،وهذا ما دفع أبناء الشعب الجزائري إلى القيام بمظاهرات معاكسة يثبتون فيها إلى العالم مدى تعلقهم بوطنهم ودفاعهم عن سيادتهم فكانت مظاهرات11ديسمبر 1960م موضوع حديثنا،فقد«تشجعت الجماهير على القيام بالمظاهرات عشية زيارة الجنرال ديغول للجزائر،حيث إن أعوان ضباط الشؤون الأهلية انتشروا في أحياء الرويسو وبلكور،وهو يؤكدون على أنهم لا يعارضون قيام مظاهرات-مسلمة-بل يعارضون مظاهرات الأوروبيين التي كانت تعارض مقولة ديغول-الجزائر جزائرية-وتهتف بحياة ديغول،فاغتنم التنظيم هذه الفرصة وضاعف عمله وسط الشعب،ومنذ تلك اللحظات انطلق الشباب الأوروبي بنوع من الجنون الجامح في مظاهراتهم دون أن تعترضهم قوات الاحتلال الفرنسي،وشاهدت جماهير الشعب الجزائري في تلك المظاهرات مقدمة لحواجز جديدة»)8(.
أضواء على وقائعها:
تجمع مجمل الدراسات وشهادات المجاهدين الذين عاشوا يوم:11ديسمبر1960م على أنه كان يوماً مميزاً،ارتوت فيه هذه الأرض الطاهرة بدماء آلاف الشهداء الذين خرجوا إحقاقاً للحق،ودفاعاً عن وطنهم المفدى«ففي يوم:09ديسمبر1960م حدث الانفجار،فقد تحركت جماهير بلكور تلقائياً،وفي بداية التحرك كانت تدافع عن نفسها وهي تشاهد الجرائم التي ترتكب من قبل المستوطنين الذين ظلوا يرتكبون الفظائع دون عقاب أو ردع،وفي يوم:10ديسمبر1960م تحركت جميع الأحياء بالعاصمة،فسرعان ما ظهر أثر التنظيم المحكم في تلك المظاهرات،وعينت لجنة تنظيم في كل حي،وقد ساهمت المرأة الجزائرية بشكل فاعل وبكيفية خارقة في تلك المظاهرات، حيث خرجت المرأة الجزائرية،وكانت أكثر جرأة وإقداماً وتحدياً للعدو،ففي ساحة بلكور قامت امرأة جزائرية بانتزاع العلم الجزائري من أحد الشبان الجزائريين،كونها لاحظت أنه لم يرفعه عالياً كما يجب،وأنه لم يكن يركض بشكل قوي،واندفعت تجري بالعلم حتى أصبحت في صدارة المظاهرة،وقد سعى الشباب الجزائري الذي شارك في المظاهرات إلى الاتصال بالصحافيين الذين كانوا يقومون بتغطية الحدث،ويحثونهم على ضرورة نقل الأحداث على حقيقتها،والتي تبرز تلاحم الشعب الجزائري وبكل قوة مع قضيته العادلة،وقد كانوا يرددون نريد الحرية ونريد الاستقلال،وقد تركت القوات الفرنسية المتظاهرين الفرنسيين يفعلون ما يشاؤون في حين قابلت مظاهرات الجزائريين بالتقتيل والتنكيل وارتكاب الجرائم الفظيعة،وعند حلول الليل من يوم العاشر من ديسمبر1960م كان كل شيء يدل على أن الهدوء قد عاد إلى نصابه،لكن ما أن أصبح يوم:11ديسمبر حتى تعالت الزغاريد من أعالي بلكور،وفي المدينة ترددت الأصداء من حي إلى آخر،فخرج السكان عن بكرة أبيهم إلى الشوارع في مظاهرات عارمة لم تشهد البلاد لها مثيلاً من قبل،واتسعت لتشمل الكثير من المدن مثل وهران وعنابة،وقد سقط على إثرها العديد من أبناء الشعب برصاص الجيش الفرنسي وجنود المظلات ورجال كتائب القمع وغيرها من الوحدات الفرنسية المسلحة،وقد اضطر الجنرال ديغول إلى اختصار زيارته إلى الجزائر وعاد إلى باريس مصرحاً بأن تلك الزيارة مكنته من الاطلاع على الأوضاع،وقد تحدثت البيانات الرسمية عن مقتل96شخصاً في الجزائر العاصمة،و18 في وهران و28في عنابة،وهو رقم بعيد عن الأرقام الحقيقية للضحايا،خصوصاً أولئك الذين لفظوا أنفاسهم تحت التعذيب على أيدي رجال المظلات بعد إلقاء القبض عليهم،ودفنوا في مقابر جماعية،وقد وصفت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية على لسان رئيسها(فرحات عباس) هذه المظاهرات بأنها درس رهيب لدعاة(التهدئة)المتخلفين عن عصرهم،الذين ما زالوا يحلمون بخرافة فصل شعبنا عن جيشه وحكومته،ولقد تحدث الشعب وقال كلمته،وتحدث ديغول في خطاب متلفز بتاريخ:20ديسمبر1960م أن جزائر الغد ستكون إذاً جزائرية»)9(.
يقدم المؤرخ الراحل الدكتور يحيى بوعزيز-رحمه الله- وصفاً دقيقاً لتلك المظاهرات ،حيث يقول: «لقد انتظمت تلك المظاهرات في معظم المدن الجزائرية،وبخاصة الجزائر العاصمة،ووهران،وسيدي بلعباس،والأصنام،وشرشال،وتيبازة،والبليدة،وبجاية،وقسنطينة،وعنابة،واستمرت من يوم:10إلى يوم:16ديسمبر1960م،ولم تتوقف إلا عندما وجهت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية نداءً إلى الشعب الجزائري لإيقافها،بعد أن وصلت إلى الغرض المطلوب،وحققت ما كان مرجواً من ورائها،وقد اتسمت تلك المظاهرات بالعنف والشدة بصورة خاصة في مدينة وهران،وفي أحياء مدينة الجزائر مثل بلكور،والحراش،وصالامبي(المدنية حالياً) والقصبة،وحمل السكان خلالها الأعلام الوطنية،ونادوا بشعارات تحيا الجزائر،ويسقط الاستعمار،تحيا جبهة التحرير الوطني،الاستقلال للجزائر،واندفع الرجال والأطفال والنساء إلى التظاهر متحدين الدبابات والرشاشات والقنابل،ورسم الجرحى بدمائهم الأعلام الوطنية،وشعارات الاستقلال والحرية،ولعب اليهود دوراً بارزاً في الإرهاب والاعتداء على المقدسات الإسلامية كالمساجد.
وكنموذج لهذه المظاهرات نورد وصفاً مصغراً لبعض أحداثها في مدينة وهران كما أوردته جريدة المجاهد اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني آنذاك بعد ثلاثة أيام من توقفها: (انطلقت المظاهرات يوم10ديسمبر،واصطدمت بوحدات من الجيش الفرنسي التي منعتها من الدخول إلى الأحياء الأوروبية،وفي يوم11استأنف الفرنسيون مظاهراتهم على الساعة التاسعة والنصف،فتوجهوا إلى مبنى إدارة الكهرباء والغاز،ثم إلى إدارة المالية،وهم يهتفون بشعارات:الجزائر فرنسية ودوغول على المشنقة،وبعد ذلك توجهوا إلى مقر إدارة جريدة وهران الجمهورية الموالية لديغول وحطموا واجهتها الزجاجية،وحاولوا مهاجمة مبنى رجال الدرك،واستمروا في هيجانهم حتى الساعة الواحدة بعد الظهر دون أن تتدخل فرق الأمن ضدهم،وعندئذ حدث ما لم يكن في حسبانهم،فقد انطلقت مظاهرات الجزائريين كالسيل الجارف من الأحياء العربية تهتف باستقلال الجزائر وعروبتها،واتجهت إلى الأحياء الأوروبية وحاول بعض الأوروبيين اعتراضها بسيارته فداس جزائرياً وقتله،وجرح آخرين،وتحركت قوات فرنسية ضد الجزائريين الذين أخذوا ينزلون إلى الميدان، يتلاحقون بسرعة من مختلف الجهات والأحياء،واستعانت بالدبابات والمصفحات والرشاشات،والقنابل،وروى شهود عيان آنذاك بأن الجزائريين يلقفون القنابل في الهواء ويعيدونها إلى العدو لتنفجر في جموعه وتقتل الكثير منهم،وشهد حي البلانتور- سي الصادق حالياً-حوادث مهولة في هذا اليوم دامت حتى السادسة مساءً،واستمرت القوات الفرنسية في إطلاق النار على الجزائريين حتى الساعة الثامنة بعد ذلك.
وفي يوم12/12استأنف سكان مدينة وهران مظاهراتهم الصاخبة بشكل أقوى وأعنف،ولم يقترب الأوروبيون من أحيائهم العربية،فضلاً عن اقتحامها،وظل الجزائريون يهتفون بعروبة الجزائر وإسلامها،واستقلالها،واكتفى الأوروبيون بالتظاهر داخل أحيائهم فقط ولمدة محدودة بعد أن تأكدوا من عجزهم عن المواجهة،وقامت القوات الاستعمارية بمحاصرة الأحياء العربية وسكانها بالأسلاك الشائكة،وغلق المسالك والطرقات بالحواجز،ودأبت على قذف الجموع الجزائرية بالقنابل اليدوية،والرشاشات لمحاولة تفريقها،وبقيت هذه المظاهرات تتجدد يوميا حتى يوم:16/،وتكونت في وهران منظمة فرنسية إرهابية قتلت عدداً من الجزائريين في أماكن متفرقة،خنقاً بالأسلاك الكهربائية حتى بعد أن توقفت المظاهرات)» )10(.
وينبه الباحث الدكتور محمد قنطاري إلى الكثير من المغالطات التي وقعت في التأريخ لهذا اليوم الخالد في التاريخ الجزائري،حيث يقول: «وحسب المصادر والوثائق والصور والأشرطة التلفزيونية والشهود...وتصحيحاً للتاريخ،وما نُشر وينشر وما قيل ويقال عن مظاهرات11ديسمبر 1960م في تحديد هذا التاريخ لزيارة ديغول للجزائر وقيام المظاهرات الجزائرية ضده وضد الأوروبيين المستعمرين أن بداية نقطة محطة ترحال الجنرال ديغول للجزائر كانت في مدينة عين تموشنت عمالة وهران في 9ديسمبر1960والتي كان يبلغ عدد سكانها آنذاك9000أوروبي من كبار المعمرين و25000مواطن من الجزائريين الفقراء والفلاحين،وحل الجنرال ديغول في يوم ممطر،واستقبلته جماهير شعبية من الأوروبيين الذين استقدموا معهم عمال وفلاحي المزارع:نسبة كبيرة منهم من اليد العاملة المغربية لتحية ديغول،ونداء(الجزائر فرنسية)لكن عكس ذلك عندما وصلوا إلى عين تموشنت اندمجوا مع إخوانهم الجزائريين،وشكلوا قوة كبيرة من الجماهير الشعبية التي استقبلت ديغول،وهي تخفي له وللمعمرين المفاجأة...استقبله المتطرفون في بداية الأمر بشعارات ولافتات كتب عليها(الجزائر فرنسية)يسقط ديغول،وهو يسير أي ديغول في الشارع الوطني وسط الهتافات والأطفال والنساء تطل من النوافذ تهتف هي الأخرى بالجزائر فرنسية،يسقط ديغول،يسقط العرب...وبتحضير من القيادة الثورية لجبهة وجيش التحرير الوطني ومن المناضلين فجأة ظهرت لافتات الجزائر جزائرية-أطلقوا سرح بن بلة-والأعلام الجزائرية ترفرف في الأيدي والنساء يزغردن تتبعها عدة هتافات من أفواه الجزائريين والجزائريات: (تحيا جبهة التحرير الوطني) (يحيا جيش التحرير الوطني) (تحيا الجزائر جزائرية-الوحدة الجزائرية الشعبية والترابية-الصحراء جزائرية-لا لتقسيم الجزائر...)،وغيرها من الشعارات،وكان إلى جانب ديغول الجنرال كريبان،والجنرال جون موران،وقد أجرى ديغول بدار بلدية عين تموشنت حديثاً مع أعضاء المجلس البلدي،ثم فيما بعد حديثاً مع140 ضابطاً قائلاً:(ستكون الجزائر جديدة،ويجب علينا أن نساعدها لتكون جديدة فعلاً..وإلا كل شيء انقطع بينها وبين فرنسا وللجيش دور كبير ولا يجب أن تسير إلى الأسوأ كما وقع في الفيتنام،فالعمل هنا في الميدان أمام الجماهير،للإطلاع ومعرفة الحقيقة التي يعيشها ويعاني منها الشعب وجيشنا كان ضد الثوار(الفلاقة).لقد لعبتم وتلعبون دوراً محترماً فيما يخص التضامن،ثم قال:الجزائر في طريق تغيير نفسها وشخصيتها من يوم إلى آخر،شخصية الجزائر تبرز للوجود في الجزائر جزائرية،وهناك شرط لتنمية الجزائر لصالح أبنائها:الأول:السلام وهو ما نسعى إليه للجزائر الأخوية،والثاني:التعاون بين الجانبين العربي والفرنسي وللجميع نفس الحقوق والواجبات).
ثم خرج الجنرال ديغول من دار البلدية واتجه مرة أخرى نحو الجماهير،يصافحها ويناقشها في السلم والسلام بالجزائر،والتعايش السلمي بين الجميع،مع احترام الشخصية وتقرير المصير على حد قوله،وكان رد الجزائريين المتظاهرين الذين تغلبوا على الفرنسيين في العدد واستعمال العنف(تحيا الجزائر جزائرية-النصر أو الاستشهاد،يسقط الاستعمار-نموت لتحيا الجزائر حرة مستقلة... )والأعلام الجزائرية ترفرف في وجه الرئيس الفرنسي وجنرالاته وضباطه المرافقين له،واستخدم المتظاهرون الفرنسيون الذين تعززهم القوات البوليسية القوة ضد الجزائريين ووقعت معارك ومواجهات دامية وفرقت المظاهرات بالقوة وسقط في الميدان عدة شهداء وجرحى... » )11(.
ووفق رواية قادر كلاش فإن عدداً كبيراً من المستوطنين الأوروبيين صُدموا بقوة المظاهرات في الجزائر العاصمة،فقد تحرك موكب من المتظاهرين بأعلام جزائرية ولافتات من أطراف أعالي بلكور في اتجاه شارع(تيار)سابقاً،وانطلق موكب آخر من حي الحامة إلى الشارع نفسه،وكانت المواكب منظمة يؤطرها أعضاء المحافظة على الأمن والنظام،وكان بين المتظاهرين عدد كبير من النساء والأطفال،وكان الجميع أشد ما يكونون عزماً ونظاماً وانضباطاً،وقد تلقى المتظاهرون في شارع(تيار) مجموعة من القذائف من مختلف الأنواع،وأطلق عليهم الرصاص،وقد جرحت امرأة في صدرها وكانت تحمل بين ذراعيها رضيعاً ميتاً،وسقطت في ساحة(جان دارك)سابقاً،وقد وصل الجيش على متن شاحنات عسكرية،وشرع يطلق الرصاص على الجماهير المتظاهرة،حيث سقط عدد كبير من المتظاهرين بين قتيل وجريح،وقد اتحد كل من الجيش والأقدام السوداء على قتل المتظاهرين الجزائريين في شارع أوغست كونت،غير أن هذه الجرائم المرتكبة لم تنجح في إيقاف المظاهرات،فقد تحول شارع(ألبان روزي)إلى مسرح لمظاهرة ضخمة دامت من العاشرة صباحاً إلى السادسة مساءً،فقد وقفت الجماهير تهتف بشعارات مؤيدة لجبهة التحرير الوطني،كما امتدت المظاهرات إلى حي(سلام باي)-المدنية-،وتميزت بكثافتها،واتساع رقعتها،وتجاوز المتظاهرون الآلاف ما جعل الجيش الفرنسي يحاصره بالمدرعات والدبابات )12(.
خصصت المجاهدة مزياني مداني لويزة في كتابها«مذكرات امرأة عاشت الثورة»حيزاً لا بأس به للحديث عن مظاهرات11ديسمبر1960م،فتطرقت في البدء إلى الخلفيات التي سبقت تلك المظاهرات،حيث نبهت إلى أنه كان لموقف ديغول من المحادثات الأولى بين الجزائر وفرنسا وتصريحاته بأن الجزائر لابد من بقائها في اتحاد مع فرنسا جملة من الآثار التي شجعت الكثير من المتطرفين الذين يصرون على بقاء الجزائر فرنسية على القيام بالمظاهرات والاحتجاجات،وتذكر بأن من قاد الفاشية الاستعمارية هو(لاقيار)الذي سبق أن ارتكب الكثير من الجرائم الفظيعة في شهر فيفري سنة:1960م،من تخريب وتقتيل،وتصف المجاهدة تلك المظاهرات الخالدة بقولها: «نعم فلم تكد تنتهي هذه السنة:1960م حتى انفجر الوضع بالقطر الجزائري وثارت ثائرة الشعب،فحطم أول قيد كان يربطه بالاستعمار،منذ قامت الثورة الجزائرية،حطم هذا القيد الثقيل،وانتفض معبراً عن رأيه جهراً بصراحة دون خشية أو خوف تلك هي مظاهرات11ديسمبر1960م،حيث قام الشعب في كل أرجاء الوطن(الجزائر)،وكأنه على موعد،والحق أنه ليس على موعد إلا موعد التضامن والاتحاد بين الشعب الجزائري تحت ظلال ثورته المجيدة،قام بالتصدي للعدوان والحقد الفاشي،والاستعمار الغاشم بالتضحية بالنفس والنفيس في سبيل الحرية والكرامة للجزائر الغالية ولشعبها الأبي...
في ليلة ممطرة باردة من ليالي ديسمبر وهي:10ديسمبر1960م سمعت ليلاً الزغاريد من قلب حي(سالم باي)الذي بدأت منه المظاهرات،مظاهرات11ديسمبر1960م،فقيل إنها الحرية...ولكن هل الحرية تأتي هكذا فجأة؟وبدون مقدمات؟وخصوصاً ونحن في نكسة من محاولات أول محادثات تقرير المصير والوصول إلى السلم،هكذا غير ممكن؟كان هذا التساؤل الكبير العريض وهذه الدهشة الزائدة،هما اللذان أثارا فضول الكثير للخروج لفهم ما يجري،ولمعرفة سر تلك الزغاريد المتعالية،والزغاريد عنوان الفرح أو الجهاد،وكانت المفاجأة كبيرة،إذ تجمهرت بعض الجماعات من الشعب في الساحة الكبيرة،وهم يحملون بعض الشعارات كتحيا الجزائر والجزائر إسلامية،وهم يهتفون بكل قوة،وهذه الشعارات هي من المحرمات عند المستعمر،لو استطاع أن ينزعها من مخيلتهم ووجدانهم لفعل،وكان الناس يأتون من كل اتجاه وكل مكان بالحي بين متسائل ومندهش،يأتون ويحتشدون،ولكن سرعان ما حل موعد(حظر التجول)فتفرق الناس وباتوا في بيوتهم يحلمون،ويعدون العدة لتكرار ما حصل في اليوم التالي(أي الغد)فماذا يعدون يا ترى لاشيء سوى أعلامهم ولافتاتهم من قطع القماش التي تحمل مشاعرهم الصادقة،وإيمانهم بها،والتحدي للواقع المؤلم،والتصدي للمستعمر الظالم...
-فما هو سر هذه النبضة؟و ما هو السر في إشعال هذه المظاهرات؟إنه الكبت والقهر والألم والتحدي للظرف وما يمليه،عوامل تجمعت وسببت هذا الانفجار العظيم،وكانت هي الأسباب الحقيقية والجوهرية،وكل ما عداها فهي مسببات لا أكثر...
وفي الصباح تحركت الجموع من الساحة الكبيرة إلى الجهات الأخرى من الحي(كديار المحصول)وباقي الجهات الأخرى في11ديسمبر1960م،ومنها إلى(حي بلكور)بينما أخذت تعم المظاهرات البلاد كلها شرقها وغربها وجنوبها...فالشعب كله عبر والشعب كله كبر الله أكبر،وكانت هذه المظاهرات بمثابة البلسم الشافي للجزائر الجريحة،وكانت داعمة وبكل قوة للكفاح البطولي الذي يخوضه المجاهدون منذ ست سنوات،وأكدت تلك المظاهرات على إرادة الشعب في نيل استقلاله وحريته وعزمه على المضي قدماً إلى الأمام حتى النصر...
ولا يمكن نسيان صباح:11ديسمبر1960م،وأنا وسط جموع المتظاهرين الذين يجوبون الشوارع ويهتفون:تحيا الجزائر-الجزائر جزائرية،الجزائر مسلمة،تحيا جبهة وجيش التحرير الجزائري يحيا فرحات عباس وأحمد بن بلة،وقد كتب على كل السيارات –دون استثناء FLN كما كتبت على الجدران وعلى الأرض،وفوق أقواس النصر وعلى الرايات البيضاء الخفاقة في السماء،واندفع الشعب غاضباً هادراً،يحرق سيارات العدو ويدمر متاجره،إلا من ثبت عنه أنه محايد،وانطلقت ألسنة اللهب حمراء تأكل تلك السيارات،وكأنها تأكل العدو أكلاً،واعتلى الشباب والشابات أسقف السيارات وهم يحملون الأعلام واللافتات ويهتفون باستقلال الجزائر،كما انتشرت العبارات الوطنية في كل مكان،فكان المتجول في (حي سالم باي)لا يصدق أنه في هذا الحي الذي يحاصره المستعمر وجنوده حصاراً شديداً،كل الناس خرجت،وممن لم يخرج-من المرضى مثلاً-كانوا يهتفون من الشرفات وكانت النساء يقمن برمي زجاجات العطر،وعلب السكر وذلك لحاجة الناس إليها وكذلك الأعلام من النوافذ،وقد خيطت في وقتها واستعملت لهذا الغرض في هذا اليوم المشهود،وهناك من يجول بين المتظاهرين يسقي العطشى ويروي ظمأهم-ظمأ اللهب المقدس...،كانت الفرحة عارمة،وكان رد المستعمر عنيفاً ومبيداً،وهو إطلاق النار على المتظاهرين في كل مكان،فسقط الشهداء والجرحى...
ولا يمكنني أن أنسى أبداً يومها الدبابات خلفنا والجنود يحاصروننا في(ديار المحصول)،وأخذوا يطلقون النار،وكنت لحظتها أنتظر وأرقب أية رصاصة تخترق صدري أو رأسي أو وأنا أمشي وأنا أهتف وأنا أصرخ وبكل قوة(الجزائر عربية)،وفي غفلة مني التفت فوجدتني وبعض الأفراد فقط،وقد تفرق شمل المتظاهرين ولم يكن وراءنا إلا المدافع المنصوبة على الدبابات،أخذتني بعدها رجلاي إلى بيت من بيوت الحي،حيث استقبلتني سيدة فسقتني الماء،وأسعفتني من شدة تعبي،تابعت طريقي بعد ذلك مع الجموع إلى(حي بلكور) وكان حقد المستعمرين كبيراً،فقد كانوا يرمون المتظاهرين بأصص الزهر الثقيلة قصد قتلهم من الشرفات وهم يختفون في بيوتهم،ويصمون آذانهم عن الزغاريد المرعدة التي كانت تزيد من ثبات المتظاهرين،وتقلق المحتل الغاشم...
والتقت الملحمة في(حي بلكور) وارتفع العلم الجزائري خفاقاً في إحدى بناياته الحكومية في شارع ليون(بلوزداد) حالياً وسقط الكثير قتلى وجرحى ،واستعملت السيارات الشعبية لحمل الجرحى إلى مستشفى(مصطفى باشا)وإلى(المدارس العربية الحرة) وإلى المساجد وبعض البيوت التي تحولت أثناء هذه الملحمة إلى مراكز لعلاج الإصابات(ودامت هذه المظاهرات ما يقرب من أسبوع في أنحاء الجزائر،أما في وهران فكانت بداية لسلسلة من المظاهرات لم تنقطع إلا بعد مدة،وبقيت آثار التخريب ماثلة أمام العدو الغاشم أكثر من سنة...).
بدأ دفن الشهداء في اليوم التالي من بداية المظاهرات وسقوط الضحايا-شهداء مظاهرات11ديسمبر1960م-ضحايا غدر المستعمر...بدأ في(سالم باي)و(القصبة)و(بلكور-الحراش-)و(العالية)،دفن شهداء المظاهرات التي هزت الدنيا بقوتها وشدتها وعدل مطالبها،ففي(سالم باي)بدأت النعوش تتهادى في السيارات الكبيرة مثنى وثلاث ورباع...تتبعها الجماهير الغفيرة حاملة الأعلام،وهاتفة بالجزائر الحرة طالبة الرحمة للشهداء من الهم جلت قدرته،بينما الزغايد تشق عنان السماء...تلك الزغاريد التي تعطي المرء أكثر من معنى التصدي والتحدي والحرية و الإيمان العميق والتضحية،نعم تلك التضحية الغالية التي قدمها الشعب الجزائري مضحيا بفلذات أكباده،وعلى إثر سماع تلك الزغاريد يخرج الناس ليلتحقوا بركب جنائز الشهداء،ويا لها من مظاهرة والجماهير موعدهم المقبرة مقبرة(سالم باي)،وعند المقبرة تعلق الأعلام فوق بابها كما تعلق على بعض أغصان الأشجار،ويهتف المشيعون طويلاً،ويتبادلون كلمات التشجيع والتأبين...» )13(.
وقد حظيت مظاهرات11ديسمبر1960م باهتمام واسع من قبل المجاهد محمد تقية في كتابه:«الثورة الجزائرية:المصدر،الرمز والمآل»،حيث وصفها بأنها نهاية أسطورة عودة السلام في المدن الكبرى،وتكذيب صارخ لفكرة النصر العسكري،واستشهد بما ذكره أحد المؤرخين الجزائريين-لم يذكر اسمه-:«إن أيام ديسمبر1960م تكذيب صارخ لكل من يدعي جمود الجماهير وخمولها واستسلامها،وعدم امتثالها لتعليمات القيادة السياسية والعسكرية،إنها برهنت على وعي الجماهير ومتابعتها عن كثب لما تقوم به القيادة وما تأمر به،على الرغم من عدم انخراطها الفعلي في التنظيم العضوي لأسباب قاهرة،فكيف نُفسر انفجار المظاهرات في لحظة واحدة وفي مناطق متباعدة إذن،وإن لم يكن بفضل وجود عمل سري في العمق،عمل على إيقاظ الوعي تماماً مثل مطر الشتاء الذي يسمح بميلاد أزهار الربيع».
يشير المجاهد محمد تقية إلى أن تلك المظاهرات أدت إلى ترجيح كفة الثورة في الأمم المتحدة،إذ نالت أثناء الانتخاب حول تقرير المصير يوم:20ديسمبر1960م ثلاثة وستين صوتاً مؤيداً مقابل ثمانية أصوات معارضة(وهي أصوات دول استعمارية وعنصرية مثل البرتغال وجنوب إفريقيا أو بلدان كانت في قبضة فرنسا مثل ساحل العاج ومدغشقر وفولطا العليا والكاميرون والتشاد والغابون) فيما امتنعت سبع وعشرون دولة عن التصويت وبذلك صدر أول قرار يعترف للشعب الجزائري بالحق في تقرير المصير والاستقلال )14(.


أهمية مظاهرات11ديسمبر1960م:
لقد كان لمظاهرات11ديسمبر1960م جملة من الانعكاسات الهامة على مسار الثورة الجزائرية العظيمة،فقد جعلت فرنسا تدرك بأنه من الاستحالة أن سكت الشعب الجزائري الثائر على مظالمها ،ومن غير الممكن أن تبقى في الجزائر،حيث أدركت«فرنسا أن بقاءها في الجزائر لن يكتب له وأن أيامها أصبحت معدودة،رغم محاولات ارتكاب أعمال إجرامية مثل الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها المنظمة السرية للجيش في حق الشعب الجزائري،وهكذا جاءت مظاهرات11ديسمبر1960م تعبيراً صادقاً لإيمان هذا الشعب بقضيته العادلة،وأنه في مستوى التضحيات وبمقدوره النضال سياسياً وعسكرياً،وما جبهة التحرير الوطني إلا المُعبر الحقيقي عن مستقبله واستقلاله والبوتقة التي انصهرت فيها قوته لتكون المنطق الرافض للهيمنة الاستعمارية وعبودية المستعمر التي فرضت عنوة على هذا الشعب،كما أن هذه المظاهرات التي شملت ربوع الوطن استطاعت تغيير الطروحات منها الطرح العسكري،وأعطت العدو درساً في الوعي السياسي الذي وصل إليه الشعب الجزائري،وكشفت سياسة فرنسا المتهرئة التي قامت على البطش والاستعباد،فكان لا بد من إزالة ذلك بالقوة التي تجسدت في انتفاضة كان عربونها استشهاد العديد من الجزائريين فكانت العبرة وكانت الذكرى» )15(.
يُقسم الدكتور محمد قنطاري نتائج مظاهرات11ديسمبر1960م إلى مستويين:المستوى الداخلي والخارجي،فعلى المستوى الداخلي«نتج عن المظاهرات خسائر فادحة في الأرواح تفاوتت تقديراتها وإحصائياتها المتضاربة بين الطرفين الجزائري والفرنسي:فالأرقام الجزائرية تقدر بأكثر من 800شهيد عبر التراب الوطني خلال المظاهرات الأسبوعية،وأكثر من1000جريح،واعتقال أكثر من1400جزائري من النساء والصبيان والشيوخ،فقد أدت تلك المظاهرات إلى:
-إبراز الوحدة الوطنية الشعبية والترابية في وحدة الصف الوطني وراء قيادة جبهة وجيش التحرير الوطني وحكومته الناطق الرسمي باسمه.
-التحرر من عقدة الخوف والمجابهة مع القوات الفرنسية المتفوقة عدة وعدداً،والتحاق ضعاف النفس والمرتدين بصفوف الثورة...والتخلي عن الإدارة الفرنسية ومصالحها المدنية والعسكرية،واتضح للجميع من هو في صفوف الثورة ومن هو في صفوف العدو...
-أدت المظاهرات إلى انتقال المعارك الطاحنة والمواجهة مع قوات العدو في المدن والقرى لتخفيف الضغط على المجاهدين في الجبال والصحاري،وتفتيت القوات الفرنسية الأمر الذي أدى إلى تحطيم الأسطورة الفرنسية وترسانتها العسكرية المعززة بجنود وسلاح الحلف الأطلسي ومن المرتزقة واللفيف الأجنبي.
-تشديد وحدات جيش التحرير الوطني في الجبال والصحاري داخل المناطق وعلى الحدود معاركها وهجماتها على القوات الفرنسية ومصالحها الإستراتيجية والاقتصادية،وتكثيف العمليات الفدائية في القرى والمدن ضد المعمرين والعملاء،وقرر مجلس الوزراء الفرنسي اتخاذ الإجراءات التالية:
أ-منع أو حظر التجول في المدن الجزائرية التي عاشت وتعيش اضطرابات ومشادات وذلك من الساعة10ليلاً ومنع التجمعات التي تزيد عن10أشخاص.
ب-طرد40شخصاً من كبار الموظفين الفرنسيين من عملهم الذين دعموا وشاركوا ووجهوا الاضطرابات تلبية لنداء(جبهة الجزائر الفرنسية).
ج-تم غلق63متجراً لمدة أسبوعين نظراً لمشاركة أصحابها في الإضراب وتحريض الشعب و مخالفة القوانين بالجزائر العاصمة.
د-إلغاء كل المقابلات الرياضية إلى إشعار آخر...
هـ-حل(جبهة الجزائر الفرنسية)وكذلك(جبهة التحرير الوطنية للجزائر الفرنسية)التي تكونت في شهر جويلية1960 التي تضم بعض الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة لليمين المتطرف.
وفي العالم الخارجي انعقدت الاجتماعات الشعبية والمنظمات الجماهيرية من الطلبة والعمال والنساء والفلاحين والتجار والموظفين والحرفيين والجمعيات والهيئات الثقافية والعلمية والدينية،والأحزاب السياسية وغيرها من الهيئات القومية الوطنية في مسيرات ومظاهرات وتجمعات وندوات عبر مدن وقرى العالم العربي في تضامن وتأييد للشعب الجزائري في كفاحه العادل،وحقه في الحرية والاستقلال لإعادة سيادته الكاملة على أرضه،كما تم استنكارهم لجرائم الحرب الفرنسية في الجزائر من تعذيب وتقتيل وسجن ونفي،وعلى سياسة الإبادة الجماعية للشعب الجزائري،والأرض المحروقة التي تتبعها فرنسا منذ سنوات طوال،وعلى كل ما يرمز للأصالة والشخصية العربية الإسلامية في الجزائر...،وعلى المستوى الدولي قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد انتهاء المناقشات يوم الأربعاء حول القضية الجزائرية بالمصادقة على لائحة الكتلة الآسيوية الإفريقية التي تنص على إشراف الأمم المتحدة ومراقبتها لتقرير المصير في الجزائر،وقد كان التصويت على اللائحة كفقرات تم التصويت على مجموعها،إذ أحرزت اللائحة العامة للقضية الجزائرية على80صوتاً وامتناع8دول معارضة حيث تنص الفقرة الأولى من اللائحة على أن الأمم المتحدة(تعترف بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بحرية وحقه في الاستقلال...)فصوت لصالح الفقرة83دولة وامتنعت10دول معارضة.
أما الفقرة الثانية فتنص بالضرورة الملحة على إعطاء الضمانات اللازمة وفعالية التأكيد من أن حق تقرير المصير سيطبق بحرية ونجاح وعدالة وتؤكد على احترام التراب الجزائري وسلامته،وصوتت لفائدتها73دولة مع امتناع 20دولة ودون معارضة» )16(. .
في تقييمه لأهمية مظاهرات11ديسمبر1960م يذهب الدكتور يحيى بوعزيز إلى أن مظاهرات ديسمبر1960م كانت لها نتائج بالغة الأهمية،إذ كانت بمثابة بعث جديد للمقاومة الشعبية الجماهيرية في المدن والحواضر الجزائرية التي كان الاستعمار الفرنسي يدعي أنه قضى عليها تماماً،وأن الشعب الجزائري أصبح صديقاً للجيش الفرنسي الذي قام بتصفية فرق جيش التحرير الجزائري،فقد كانت دهشة الإدارة الاستعمارية كبيرة وشديدة عندما شاهدت ذلك الفيضان الشعبي وهو يكتسح الساحات ويرفع الأعلام الجزائرية،وتتعالى في وسطه الزغاريد،والجميع ينادي بحياة الجزائر،وسقوط الاستعمار الغاشم،وحياة الثورة الجزائرية وجبهة التحرير الوطني.
بيد أن دهشة ديغول كانت أشد وأبلغ،فقد اتضح له من خلال ما شاهده وعاينه بنفسه أن التقارير التي كانت تصله مزيفة وغير صحيحة،حيث كانت تصف له خلود الشعب وسكينته،وموت جبهة التحرير الوطني في أوساط الشعب الجزائري،فقد تأكد أن السلطات الاستعمارية في الجزائر كانت تكذب عليه وتغالطه،وتصور له انهزاماتها على أنها انتصارات،وهذا ما أشارت إليه إحدى الصحف البريطانية التي ورد فيها أن:(ديغول فهم الآن أنه كان يتصور وجود قوة للأوروبيين أكثر مما هي في الواقع،كما كان يتصور أن قوة الجزائريين هي أقل مما هي عليه في الواقع).
وقد عبر ديغول عن دهشته الكبيرة بقوله: (إن ما رأيته وسمعته هو واقع يجب أن نقبله،ويجب أن نزن به المشكلة الجزائرية بميزان صحيح).ولذلك أسرع وقطع رحلته،وعاد إلى باريس ليبدأ مرحلة جديدة وأخيرة،وهي الاعتراف بجبهة التحرير الجزائرية كممثل شرعي ووحيد للشعب الجزائري،كما أدرك ضرورة الدخول معها في مفاوضات مباشرة التي انتهت باعترافه مرغماً باستقلال الجزائر وحريتها الكاملة،فقد تأكد الفرنسيون أن نهايتهم بدأت،وأن رحيلهم عن الجزائر هو أمر لا ريب فيه،وهذا ما أشارت إليه صحيفة لوموند يوم(14ديسمبر1960م)على لسان أحد الفرنسيين الذي قال: (الآن لم يبق لنا إلا أن نحاول المحافظة على الأمن ريثما نحزم أمتعتنا ونركب الباخرة)،فرد عليه آخر بقوله: (لقد دقت ساعة الحقيقة... ) )17(.
الهوامش:
(1) ينظر:مظاهرات11ديسمبر1960...محطة جديدة لإثبات التلاحم الوطني ودحض مناورات ديغول،مقال منشور في مجلة الجيش،العدد:449،رمضان1421هـ/ديسمبر2000م،إعداد:كمال.ع،ص:21.
(2) ينظر:رمضان بورغدة:الجنرال ديغول والثورة الجزائرية(1958-1962م)-سنوات الحسم والمخاض-،منشورات بونة للبحوث والدراسات،عنابة،الجزائر،1433هـ/2012م،ص:269-270.
(3) ينظر:د.محمد لحسن زغيدي:سياسة ديغول اتجاه الثورة الجزائرية،مقال منشور في مجلة التراث،عدد خاص بالذكرى الأربعين لثورة نوفمبر الخالدة،1994م،مجلة تصدرها جمعية التاريخ والتراث الأثري لمنطقة الأوراس ،العدد:07،جمادى الثانية،نوفمبر1994م،ص:113 وما بعدها.
(4)ينظر: رمضان بورغدة:الجنرال ديغول والثورة الجزائرية(1958-1962م)-سنوات الحسم والمخاض-،ص:273.
(5)ينظر:كتاب كيف تحررت الجزائر؟،تقديم عبد الحميد مهري،وزير الإعلام والثقافة،منشورات وزارة الإعلام والثقافة،1979م،ص:81.
(6)ينظر:د.يحيى بوعزيز:رحلة في فضاء العمر،طبعة خاصة وزارة المجاهدين،عالم المعرفة للنشر والتوزيع،الجزائر،2009م،ص:93 -94.
(7)ينظر: د.يحيى بوعزيز:رحلة في فضاء العمر،ص:100وما بعدها.
(8) ينظر:عمار قليل،ملحمة الجزائر الجديدة، مطبعة دار البعث،قسنطينة الجزائر،ج:02،ط: 01 ،1412هـ/1991م،ص:337.
(9) ينظر:عمار قليل،ملحمة الجزائر الجديدة،ج:02،ص:338 وما بعدها.
(10)ينظر: د.يحيى بوعزيز:رحلة في فضاء العمر،ص:102.
(11)ينظر: د.محمد قنطاري:مظاهرت ديسمبر1960:أسبابها-وقائعها،ونتائجها،مقال منشور في مجلة المصادر،مجلة فصلية يصدرها المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر1954م،العدد الثالث،1421هـ/2000م،ص:34-35.
(12)ينظر: قادر كلاش:مظاهرت11 ديسمبر1960 ،مقال منشور في مجلة الثقافة ترجمه إلى اللغة العربية:حسن بن مهدي،مجلة تصدرها وزارة الثقافة بالجزائر،العدد :105-106،نوفمبر-فيفري1996م،ص:16.
(13) ينظر:مزياني مداني لويزة:مذكرات امرأة عاشت الثورة، منشورات دحلب،الجزائر،1996م ،ص:147 وما بعدها.
(14) ينظر:محمد تقية:الثورة الجزائرية المصدر،الرمز والمآل،دار القصبة للنشر،هدية من وزارة المجاهدين بمناسبة الذكرى ال55لاندلاع الثورة التحريرية،الجزائر،2010م،ص:518.
(15)ينظر: بوضرساية بوعزة:مظاهرت11 ديسمبر1960م:ذكرى وعبرة ،مقال منشور في مجلة الثقافة ،مجلة تصدرها وزارة الثقافة بالجزائر،العدد :105-106،نوفمبر-فيفري1996م،ص:25-26.
(16)ينظر: د.محمد قنطاري:مظاهرات ديسمبر1960:أسبابها-وقائعها،ونتائجها،المرجع السابق،ص:49 وما بعدها.
(17) للتوسع ينظر: د.يحيى بوعزيز:رحلة في فضاء العمر،ص:102وما بعدها.
الدكتور/محمد سيف الإسلام بوفلاقة
قسم اللغة العربية بجامعة عنابة-الجزائر
ـــــــــــــــــــــــــ
الـعـنـوان:
الدكتور مـحمد سيـف الإسلام بـوفـلاقـة
Mouhamed saif alislam boufalaka
ص ب:76 A ( وادي القبة) -عنابة – الـجـزائـر
الـمحمول: 775858028 (213)00
الناسوخ (الفاكس) : 35 15 54 38 (213)00
البريد الإلكتروني :saifalislamsaad@yahoo.fr


نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 23 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : 2018-12-30



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي
بقلم : د. سكينة العابد
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي


العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي
بقلم : نعمان عبد الغني
العولمة  وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي


رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري
بقلم : ايمن بدر . صحفي مهاجر في النرويج
رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري


يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:
بقلم : نورالدين برقادي
يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:


إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com