أصوات الشمال
السبت 13 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما يجب أن يكون للنهوض بالمجتمعات العربية   *  قراءة أولى في القصيدة الفائزة في "المنارة الشعرية في وصف جامع الجزائر الأعظم"   *  للبرد صهيل الأوسمة.   * رحلة المشتهى او حفر في صورة "العشيقان" .......نقد د.حمام محمد زهير   * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى    أرسل مشاركتك
ما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 203 مرة ]

رواية غرفة مثالية لرجل مريض للكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا

رواية واحدة يمكنها أن تصدمك ، و أن تتغلغل عميقا في دواخلك فتجعلك تعيد النظر في أفكارك ، قد تقتلعك من حاضرك لتذهب بك بعيدا في أقاصي الماضي ، قد تجعلك تحفر عميقا في التاريخ، كما يمكنها أن تتسلّل إلى مشروبك فتكون السكر المذاب فيه ، أو العلقم الذي يجعلك تنفر منها.
أمّا رواية غرفة مثالية لرجل مريض للكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا فستجعلك قطعة ثلج مذابة في كأس من بللور تتداخل المذاقات لديك بين حلاوة علاقة الأخت الكبرى بأخيها الأصغر ، و علقم فقده هو و باقي أفراد الأسرة . ستجعلك تنتبه للعنب الأسود محاولا استذكار مذاقه و أنت تغيّر مفهومك عن غرفة المريض، ستنتبه إلى أنّها المكان الأكثر نظافة في هذا الزمن القذر، فيها يتطهّر الإنسان من أدران تفاهات الحياة و يصبح شفافا و كأنّه غير معني بشرور البشر.
هذه الرواية الصادرة عن دار الآداب ترجمها بسام حجام بلغة فائقة البهاء ، تنساب إلى الروح فتمسك بتلابيبها و تجعلك أسيرا لها لا تملك إلا أن تلتهمها إلى أن يبقى شيء منها عالقا فيك لا تدرك أيّ نص آخر سيخلّصك من مفعولها.
يوكو أوغاوا الروائية اليابانية التي صدر لها أكثر من عشرين رواية و نالت جائزة "أوكتاغاوا" اليابانية عن روايتها الحمل تسحبك في رواية غرفة مثالية لرجل مريض إلى عوالمها الكريستالية لتحدّثك عن زيارة بطلة روايتها لأخيها المريض المصاب بمرض السرطان في مراحله الأخيرة ، هذه البطلة هي موظفة في المستشفى ، لطالما كتبت تقارير طبية حول حالات مرضية مستعصية ، لكنّها وجدت نفسها هذه المرّة معنية بتقرير طبي لحالة مرضية لا أمل في شفائها ، إنّها حالة شقيقها الأصغر.
الوضع مربك بالنسبة للبطلة التي فقدت والديها ، و اضطرتها الظروف أن تعيش بعيدة عن هذا الأخ الأصغر ، لكنّ مرضه قرّبها منه أكثر حتى أنّها تكاد أن تجزم بأنّ فقدها له أشدّ مرارة من فقد أمّها التي كانت مجنونة ، و قتلت بطلق ناري و هي تصرخ في وجه أحد المجرمين معبّرة عن رفضها للظلم، كانت الصوت الوحيد الذي صرخ في وجهه ، في حين كلّ من كان حولها التزم المت و الاستسلام ، و كأنّي بها أرادت أن تقول بأنّه من الجنون أن نكون الصوت الوحيد المختلف، سنهزم لا محالة .
هذه الأمّ التي جعلت حياة البطلة تعيسة قد تكون السبب الذي جعلها تنتبه لكون أخيها الشقيق هو عالمها الذي ينتشلها من كل ما حولها من أمور مزعجة و لا إنسانية ،هذا الشقيق هو هي، لا يمكن أن تكون بدونه، إنّه كما الظهر الذي نستند عليه أو الذراع الذي نتّكئ عليه. إنّ فقده يعني تقطيع أجزائها، تحويلها إلى أشلاء.
تقول الروائية على لسان بطلتها و هي تتحدث عن غرفة أخيها المريض: "كنت أعشق غرفة المرضى تلك، إذ أشعر حين أكون فيها بدعة المولود الجديد الذي تغمره مياه حمّامه الأول . و يغدو جسدي نقيا من الداخل ، شفافا حتى آخر تجويف." ص35
بطلة الرواية تقنعك بأنّ وجود أخ و عائلة أجمل ما يمكن أن يحدث لك، و هي تتحدث عن تجربة أن يعيش الإنسان في ميتم ، تتبلّد مشاعره المتعلّقة بالانتماء إلى أسرة، إنّه لا يمكنه الإجابة عن سؤال: عندما يفقد المرء أخا ما الذي يحلّ به؟
و تصف لنا حالة هؤلاء الأيتام عندما يحظون بعائلة جديدة على لسان "س" و هو الطبيب المعالج لأخ البطلة : عندما يحظون بأسرة جديدة ، كانوا ببساطة يغادرون منزلنا ، أقصد الميتم ، يغادرونه خلسة بينما الأولاد الآخرون يغسلون أسنانهم أو ينامون في فترة القيلولة."ص31
وصف تذهب من خلاله الروائية إلى مناطق قصية في النفس الإنسانية ، إنّها عبقرية السارد حين يقف عند التفاصيل الصغيرة التي هي حصى جبل الحكاية المتين.
و تستمر في هذا الحفر لتصل بنا إلى متاعب الروح و تبرز لنا ما تكابده البطلة و هي تفقد شقيقها شيئا فشيئا بفعل انتشار المرض الخبيث في جسده، فلا تجد من عزاء سوى حالة توحّد تام مع أخيها تتملكها و كأنّها الوسيلة الوحيدة لإنقاذه أو لإنقاذها من مصير مؤلم، تقول البطلة :
"كانت الغرفة الخارجية للتوّ من عناية المرأتين المولجتين بالخدمة أكثر إشراقا من المعتاد، هنا لا أشعر بوطأة الوقت إذا لم أجد ما أفعله. ففي وسعي البقاء لساعات من دون أن أفعل شيئا ، إذ يكفي أن أراقب أخي مستمتعة بنظافة غرفته التي لا تضاهى لكي أشعر بالرضى."
و كأنّ الروائية تهيّئنا لتفصح عن وجهة نظرها حول هذه الحياة و هي تقول على لسان بطلتها : إنّ الحياة التي تكرّر نفسها، نأكل ، و ننام ، و نرمي الفضلات ، إنّها الحياة ، لا أكثر و لا أقلّ,"70
هذه وجهة النظر التي تجعل البطلة تجد الملاذ من قذارة الحياة في غرفة مريض يواجه الموت ، و كأنّها تؤكّد بأنّ هذه الحالة هي الخلاص الوحيد من كلّ هذا.ثمّ تضيف على لسان بطلتها: الحياة بلهاء ، كما تعلم ، قذرة و تافهة" ص30
إنّها خلاصة رواية قد تنتبه إلى أنّ في مذاقها بعض حموضة العنب، لكنّك ستشعر بذوبان ثلج لا تدري أيّ فصل ساقه إلى زاويتك.

تجعلك تعيد النظر في النظرة للمرض و للمريض و للفقد و للنهايات التي تؤلمنا.
تصوّر لنا الكاتبة رحلة بطلتها مع مرض أخيها الذي لا شفاء منه، إنّه السرطان في مراحله المتقدّمة بعد أن ينتشر في الجسد، فتلتقط تلك التفاصيل الدقيقة في يومياتها و هي ترافق أخاها .
قرأت في الرواية أنّ البطلة كانت تشرب شايا في كوب كرتوني ،و كنت أشرب الشاي في كأس زجاجي و بنكهة النعناع ، فوجدتني أضيف له ورق حبق كما يليق بمذاق رواية ترجمت بلغة متناهية في العذوبة و كأنّها حقنة مساعدة على تخفيف الألم .في النهاية اكتشفت أن الشاي صار باردا كالصقيع.

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 3 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : 2018-12-10

التعليقات
حياة عبد المولى/سمراء متيّجة
 أستاذة جميلة مراحب
كلّ ما تفضّلتِ به في قراءتك لرواية غرفة مثالية لرجل مريض رائع بل اكثر،فعلا قبضت على لبّ الفكرة في ذاك العمل الياباني الصّغير في حجمه الكبيثر في معانيه...لن أزيد حرفًا على ما قدّمته،كلّ ما أرغب في قوله بأنّها رواية ممتازة تستحق أن يطّلع عليها القارئ لانه سيكتشف بأنّ الغرفة المقصودة ليست غرفة المستشفى بل غرفةٌ الكثير منّا يبحث عنها..منّا من وجدها ومنّا من لايزال في رحلة البحث

تحيّاتي لك أستاذة جميلة 


جميلة طلباوي
 العزيزة حياة ، شكرا جزيلا على هذه الإضافة العميقة ، شكرا لك و أنت تقاسمينني فاكهة القراءة ، نلتقي على مائدة نص آخر له من البهاء و العمق و المتعة . مودّتي  




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي
بقلم : د. سكينة العابد
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي


العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي
بقلم : نعمان عبد الغني
العولمة  وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي


رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري
بقلم : ايمن بدر . صحفي مهاجر في النرويج
رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري


يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:
بقلم : نورالدين برقادي
يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:


إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com