أصوات الشمال
الخميس 11 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  قراءة أولى في القصيدة الفائزة في "المنارة الشعرية في وصف جامع الجزائر الأعظم"   *  للبرد صهيل الأوسمة.   * رحلة المشتهى او حفر في صورة "العشيقان" .......نقد د.حمام محمد زهير   * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى   *  أنا، دون غيري.    أرسل مشاركتك
وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي مُكَبِّرًا./والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! / الحلقة:01
بقلم : محمد الصغير داسه
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 521 مرة ]

يَخْتَفِى سِي لَخْضَر "..وَمِنْ مَكْمَنِهِ يُؤْتَى الْحَذَرُ.." كمَا يُقال، يُطَارِدُ الزَّمَن الْهَارِبَ، يَسْهَرُ لِلهَزِيع الأَخِير مِنَ الليْل، يَتوَغّلُ فِي الأدْغَالِ، وبيْنَ الأشْجَارِالْمُمْتَدّةِ الأفيَاءِ، يَتمَوْقَعُ فِي الأَوْدِيّةِ وَالثنَايَا، يَظهْرُ ويَخْتفِي كقَطرَاتِ الْمَطر الرَّاقصَةِ، يجْلسُ عَلى الصُّخُورالصّلدَاءَ، فَتمْنَحُهُ صدْرَهَا النّدِيِّ أمْنًا، يُعَانِقُهَا فِي رفْقٍ وحَنَانٍ، ضَحَكاتُ الأمَلِ ترْتَقِي، تُعانِقُ اصْوَاتَ الطيُور، القوَافِلُ مَاضيّةٌ إلَى حَالِ سَبِيلهَا آتيّةٌ، يَرْفعُ رأسَهُ، يَتَذكّرُطفْلَهُ، فَيبْتهِلُ كالنُّورِ، سيّارتُ الْعَدوّ تجُوبُ الْمَكانَ، مُترَصِّدَةً خَطوَاتِهِ، يَجِدُ لنفْسِهِ مُتكآ في العَرَاءِ، كزَهْرَةٍ تَنَامُ بَيْنَ الصُّخُوراللّصِيقةِ، ليْسَ لديْهِ سِوَى وسَادَاتٍ يَصْنعُهَا مِنْ الحَلفَه، وبهْوٌ كالشّبَح يحْمِيهِ من البرْدِ، يَقِفُ هُنا..يَتصنّتُ هُنَاكَ،

01-من جَوْفِ العَتمَةِ تنْبعِثُ انْشُودَةُ الفِدَاءِ، ترْتَعِشُ أجْنِحَتُهَا مُرَفْرِفَةً، تجْتاحُ الدُّرُوبَ، أيَّةُ كلِمَةٍ يُمْكنُ أنْ تكُونَ مُشِعَّة ً مُضِيئَةً للدُّرُوبِ الوَعِرَةِ ؟! تطْرُدُ الضَبَابَ الكثيفَ كيْمَا تطرُدُ الذُّبَابَ، مَاتَ الأبُ وعُمُرُ الْفَتَى{خليْفَاتِي لخْضَر} اثنَتا عَشْرَةَ رَبِيعًا، كانَ طَالبًا فِي مَقْرَأة وَالِدهِ، هُوَ اكبَرُ إخْوَتهِ، يَتكفّل بالعَائِلةِ طفْلاً، يَشْتغلُ بالفِلاحَةِ والتِجَارَةِ، فتًى فطِنًا يَقِظاً مِقدَامًا، مُتَشبِّعًا بالترْبيّةِ الرُّوحِيّةِ، وبألْطَافِهَا الْوَطنيّةِ الْعَمِيقَةِ، ومُذْ نعُومَةَ أظافِرَهِ، أخَذَيتعهّدُ شجَرَةَ الحُريَّة الوَارفةِ الظّلالِ، ليسْتظلَّ بفيْئِهَا اصْحَابُ الضّمَائِر الْحَيّةِ، الأرْضُ الطيِّبَةُ المِعْطاءُ لاَ تلدُ الاّالطيِّبَ مِنَ الثمَارِ، للثوْرَةِ ارْهَاصَاتٌ وبِدَاياتٌ، وللرّجَالِ الأشْاوِسِ اسْرَارٌ وتجَارِبَ، ولِلنشاطِ السيَاسِي فِكرٌ مُتوقدٌ، وأبْعَادٌ إنْسَانيّة عَمِيقَةٌ، ظهرَتْ سِريّة النّشاطِ السِيّاسِي فِي الوَطَن، فانْبلجَ نُورُهَا كَاشِفًا ديَاجرَ الظلاَمِ، مُضَمّخًا بِالأْحْلاَمِ، تشَكّلتْ احْزَابُ المُعَارَضَةِ، تَهُزُّ مَضَاجِعَ الْعَدوّ الدّخِيل وتُرْبِكُ الْجُبَنَاءَ، يَرْتَمِى الشبَابُ فِي أحْضَانِهَا، كانَ سي لخْضَرمِنَ بَيْنِ المُنخَرطِين الأوَائِل فِي حزْبِ الشعْبِ، كانَتْ لهُ جوَلاتٌ وصَولاتٌ، وحُضُورٌقويٌّ فَاعِلٌ، والمَوَاقِفُ ترْفَعُ أقدَارَ الرِّجَالِ كمَا يُقالُ، ذَاتَ مُناسبَةٍ {1945} انْفَضَحَتْ لعْبَةُ ألانْتخَاباتِ، بمنْطقةِ سِبْتَ البَلُوطِ {بلديّة بعْطة حَاليَّا} قامَ الْفَتى رُفْقة مُحَمّد فرْحَانِي، والشيْخ بنْ عيسَى، والطيِّبَ الجُغْلالِي، بتحْطِيمِ صندُوقِ الانْتخَابَاتِ، انْهوْا مَهْزلَةَ اللّعِب بِعُقولِ الشُذّجِ والبُسَطَاءِ،والذِينَ يَلهَثُونَ خَلفَ السَّرَابِ، وأحْيَانًا البُؤَسَاءُ هُمْ أعْوَانُ الإسْتعْمَار، فالسَدَنَةُ يُشِيعُونَ ثقافَةَ الخوْفِ والرُّعْبِ والإنْحِنَاءِ، وللخيّانَةِ ألْفُ لِسَانٍ ولسَان" والألْسُنُ سُيُوفُ لاًيُمْكِنُ إغْمَادُهَا.." الهَائِمُونُ فِي هَذا الزّمَنِ عَلَى ظهُورِ حَمِيرِهِم والْبغَالُ، شُعْثٌ غُبْرٌ جيّاعٌ، يمدُّ لهُم الْحُزْنُ لِسَاناً كالثعْبَانِ، ولتفْعَلَ السيّاسَة بالقلوبِ الضَّعيفة مَاتشاءُ! سَتبْقَى القلوبُ المُحًصّنَة تَنْبُضُ، يرْحَل سي خليْفَاتِ لخْضَر، تُرًاوِدُهُ هًوَاجِسَ نُبْلٍ مَفْقُودَةٍ وَحَنِينٍ، والرِّحْلةُ شّاقةٌ قاسيّةّ، والفُؤَادُ ولُوعٌ، الصَّمْتُ يوْمَئذٍ مُريعٌ؛ هبّتْ ريّاحُ الثوْرَة، فعَصَفَتْ بالوَطنِ الأهْوَالُ والهُمُومُ، وَالظَّالِمُ المُسْتبدُّ يدْفعُ بالإنْسَانِ لينْتقمَ، ويُمْعِنُ في ألإنْتقَامِ، فِرنْسَا الظالمَةُ الحَقُودُ، جَعَلتْ الشّعْبَ كلّهُ يَثورُ ويَنْتقمُ؛ ذَاتَ مَسَاءٍ {1956} جَاءَ رجُل نحِيفٌ، فَارعُ الطولِ عليْهِ اثرُ التعَبِ، يَرْتَدِي قَشّابِيّة سَوْدَاءَ، يَبدُو أنّهُ مِنْ بِلادِ الْقَبَائِل، يَمْشِى بِخُطَى وَئِيدَةٍ، يَدُقُّ ارْضَ المَكانِ دَقًا، فتسْألهُ زوْجَته، من يَكونُ هَذَا الرُّجلُ الذِي اخَذَ يتردّدُ عليْك؟! يَقولُ مُبتسمًا: هَذَا مِن رِفاقَ الدّرْبِ، مِن المُجَاهِدِين الابْرَار! أريدُ أنْ ارْحَل مَعَهُ إلَى الْبَعِيدِ، مَاذَا تقُولُ؟ أترْحَلُ إلَى الْبَعِيدِ وتترُكُ بيْتَكَ وَوَلدَكَ ؟! يَقُولُ مُتنَهِدًا: لنْ يرْحَل الأمَل..دَعِينِي اعْتزمُ فِعْل شيْءٍ، الْمَجْدُ يحْتاجُ إلَى أمَلٍ، إلَى تضْحِيّاتٍ جِسَامٍ، وأرْوَاحٍ مُتوثبَةٍ فاعِلةٌ.


02- أرِيدُ سَماعَ صوْتٍ نَدِيٍّ نَقِيٍّ، أبْحْثُ عَنْ أفْكارٍ مَلسَاءَ، كلمَاتٍ شفّافّةٍ مُضِيئةٍ، تتدَفّقُ عِطرًا وعَبِيرًا، قوَافِلُ المَجْدِ ترْفعُ اصْوَاتَهَا مُلبيّة، تُريدُ مِن البيْتِ أنْ يُعَانِقَ الهَوَاءَ المُنْعِشَ، يَافرْحَتاهُ..! صَارَ الحوْشُ مَرْكزاً للثوْرَةِ والثوَّارُ، نُسُورٌ ترْحَل وأخْرَى تعُودُ، تَسْكنُ الأعَالِي لتفَجّرَ فَيَالِقَ الْظلاَمِ، جَوَلاتٌ مَاكُوكيّةٌ تُوقِظُ فِي النّفْسِ شُعَاعَ الأَمَلِ، يمُرُونٌ بالْمَنْطقَةِ الرّابعَة ليَرْتَوُوا، وفِي الْمَنْطِقَةِ السّادِسَة يَصْنعُونَ الحَدَثَ، يرْوُونَ الغَليلَ، يشْفُونَ غَيْضَهُم، يُنْعشُون الظمْآنَ، يَتوَقّفُون..يَسْألُون، يسْترِيحُونَ..فِي عَوْدتِهِم وايّابِهِم يتزوَّدُونَ بالألبِسَةِ، بالذّخِيرَةِ والأدْويَّة، ينْصرِفُونَ مُبْتهِجِينَ، يَأكلُونَ خُبْزَ الطريق، يَشَرَبوُنَ مَاءَ الْغدِير، فِي الْحَوْشِ يَسْتَرحُونَ اسْترَاحَةَ مُحَاربٍ، وفِي دَوَاخِلهِم ثَأرٌوانْتقامٌ مِنْ عَدُوٍ مَقِيتٍ، الْحوْشُ لؤْلؤَةٌ تَنامُ عُلى قَارِعَةِ الطريقِ { رقم:18} لهُ بَابٌ يَفتحُ عَلى الطرِيق، وآخَرَيُفْضِى إلَى العَرَاءِ، تضَارِيسَ تتوغّلُ في الْغَابَة السَّوْدَاءَ، هُنَا يبْسُطُ سي لخْضرذرَاعيْهِ، ليُرْسِلَ الطعَامَ للجَيْس، الأكْل يُحَضَّر فِي الإسْطبِل قصْدَ ازَالَة رَوَائِحَ الشِّوَاءَ، سيِّدةُ البيْت تُعِدُّ اكوَامًا من الأرْغِفَةِ، مَحْشُوَّةٌ بشرَائحَ اللحْمِ،عُيُونُ الْخَوَنَةِ لاتَنامُ، دُودٌ يَتَسَكَّعُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، يُفَتِّشُ عَنْ مأكَلِ فِي أجْسَادِنَا"..وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ.." ذَاكَ الْخَائِنُ الشَّقِيُّ يَتَشَمَّمُ الْخَوفَ ليُبلّغَ اسْيَادَهُ، سي لخْضَر مرْكزٌ مُهِمُّ للتمْوِين، الجيْش يَتلقَّى دَعْمًا كبيرًا، الْخَبَرُشَاعَ وذَاعَ، ليَصَلُ قيّادَة الولايَةِ الرابعَة، فيُبْرِقُ المُجَاهِدُ مُحمّد البرْوقي إلَى الرِّفَاقِ،أنْ يَتخِذُوا الْحِيطةَ والْحَذَرَ، يُغيِّر سي لخْضَراسْمَهُ، الخَائنَ يَترَصّدُهُ وَيَكْشِفُه، يَخْتَفِى سِي لَخْضَر "..وَمِنْ مَكْمَنِهِ يُؤْتَى الْحَذَرُ.." كمَا يُقال، يُطَارِدُ الزَّمَن الْهَارِبَ، يَسْهَرُ لِلهَزِيع الأَخِير مِنَ الليْل، يَتوَغّلُ فِي الأدْغَالِ، وبيْنَ الأشْجَارِالْمُمْتَدّةِ الأفيَاءِ، يَتمَوْقَعُ فِي الأَوْدِيّةِ وَالثنَايَا، يَظهْرُ ويَخْتفِي كقَطرَاتِ الْمَطر الرَّاقصَةِ، يجْلسُ عَلى الصُّخُورالصّلدَاءَ، فَتمْنَحُهُ صدْرَهَا النّدِيِّ أمْنًا، يُعَانِقُهَا فِي رفْقٍ وحَنَانٍ، ضَحَكاتُ الأمَلِ ترْتَقِي، تُعانِقُ اصْوَاتَ الطيُور، القوَافِلُ مَاضيّةٌ إلَى حَالِ سَبِيلهَا آتيّةٌ، يَرْفعُ رأسَهُ، يَتَذكّرُطفْلَهُ، فَيبْتهِلُ كالنُّورِ، سيّارتُ الْعَدوّ تجُوبُ الْمَكانَ، مُترَصِّدَةً خَطوَاتِهِ، يَجِدُ لنفْسِهِ مُتكآ في العَرَاءِ، كزَهْرَةٍ تَنَامُ بَيْنَ الصُّخُوراللّصِيقةِ، ليْسَ لديْهِ سِوَى وسَادَاتٍ يَصْنعُهَا مِنْ الحَلفَه، وبهْوٌ كالشّبَح يحْمِيهِ من البرْدِ، يَقِفُ هُنا..يَتصنّتُ هُنَاكَ، يرْكُضُ ليَصِلَ، يَرْفعُ صوْتهُ مُجَلْجِلاً: هَاتُوا الطعَامَ ! ذَاتَ غُرُوبٍ كَانَ لايزَالُ مُتخَفيًا فِي الغَابةّ {الكحْلة} يَرْمُقهُ صَدِيقُه بنَظرةٍ حَادّةٍ، ويَقُولُ لهُ:أنْتَ مُسْتهدَفٌ! ارْحَلْ..في الْغَابَةِ حَمّالاَتُ الْحَطّابِ، جَحَافِلَ تقُودُ الْخَرَابَ، الْمَنافِذُ مَسْدُودَةٌ ! هيّا نهْرُبُ..يَتَصَنّعُ الابْتِسَامَةَ يقُول: سَآوِي إلَى الكهُوفِ، وإنِّي لمُقاومٌ شرسٌ.


03- فِي صبَاح ذَلِك اليوْمِ الْحَزين، يحْمِلُ احْلامَهُ عَلَى كتفيْهِ، يمْتطِي ظهْرَ الفَضَاءِ، يتسَاءَلُ بمرَارَةِ: هَل تُشْرِقُ الشمْسُ فِي يَوْمٍ مِنْ الكرْب؟ إنِّي ارْنُو بِلاَ بَصَرٍ! يَتصاعَدُ لُهَاثهُ، ينْظرُ إلَى الغيُومِ، إلى دُمُوعِ النجُومِ الصّافيّة، الرَّحِلُون فجْرَ هَذَا اليوْمِ يتهَامَسُونَ، اصْوَاتُ الرّجَاءِ تمْتدُّ لتَصِلَ، احْذِرُوا من الأفَاعِى المُجَنّحَة، فَلهَا فَحِيحٌ واجْرَاسٌ، مَالذِي يجْعَلُكَ تُفكّرُ في ذبُولِ الاشّجَارِ والريّاحُ تهُبُّ سَاخِنة؟! هَلْ تَتسِعُ مَسَاحَة الْغَابَةِ {الكحلة1224 هكتارًا } لِهَذِهِ الْحُشُودِ؟ لقدضَاقَتْ بمَا رَحُبَتْ واوْصَدَتْ أبْوابَهَا ! ارْكُضْ برجْلِيْك، ادْفَعْ بِنفْسَك لِتَخْرُجَ يَاهَذَا ! إنّهُمْ يُطوِّقُونَ الغابَةَ، يَضْربُونَ حِزَامًا عَلى الحَوْشِ، يَسُدُّونَ الْمَسَالِكَ والمَنافِذَ، يسْتيْقظ ُافرَادَ الاسْرَةِ عَلى وَقْع هَدِيرِ المُجَنْزرَاتِ والدبَابَاتِ وأزِيزُ الطائِرَاتِ، شَقْشقَاتُ احْذيّةِ الْعَسَاكِر تَدُكُّ الأرْضَ دكًّا، تمْلأُ الْفَضَاءَ غُبارًا وصَخَبًا، إنّهُ الْهوْلُ..ربّاهُ..! اقبَل سُكَانُ الْحَيِّ بعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ يتسَاءَلُونَ،الأسْئِلةُ الضَائِعَةٌ تَطرَحُ جِرَاحَهَا فِي التّيه، هُمْ يتوَجَّعُونَ، يَتفجَّعُونَ، آهٍ..الْغَابَةُ الكحْلة تحْتَرِقُ..يَالِلْهَوْلِ! الطائِرَاتُ ترْمِي حمُولتهَا مِنْ الغازَاتِ السّامَةِ، الرّوَائحُ الْكَريهَةُ المقزّزَة تنْبعِثُ مِن كُل مَكَانٍ، تنْتَشِرُ أعْمِدَةُ الدّخَانِ، اسْرَابٌ سَوْدَاءَ تمْلأُ الْمَكانَ ظَلاَمًا ووَحْشَةً، الْسِنَةُ اللّهِبِ المُتعَاظِمِ الشبَقِ تزْرَعُ الْمَوْتَ، يَحْترِقُ الشّجَرُ والحَجَرُ، ادِيمُ الأرْضِ يَتحَوّلُ إلى أجِيجٌ مُلتهبٌ، إلَى رمَادٍ أسْوَدَ يَنْثرُ الاخْتِنَاقَ، ويَسْألُ بِقرَفٍ لِمَاذَا الأشْجَارَتَمُوتُ وَاقِفَةً ؟! إنّه يُوَاجِهُ المَوْتَ مُحَاصَرًا، يَدْفَنُ وَجَعَهُ فِي الْجَمْر، ِوَسَطَ هَسْهَسَاتِ النّار،الرّصَاصُ الطائِشُ يتسَاقطُ، نبَضَاتُ القلبِ تزْدَادُ قوّةً وعُنْفُوَّانًا، ثمّةَ هَمْمَاتُ ودمْدَمَاتٌ وصُرَاخٌ، يا إلَهِي..! الكائِنَاتُ الْحيّة تَشْرِئِبُّ بأعْنَاقِهَا، تفِرُّمِنْ هَوْلِ الْهَوْلِ، الطيُورُ تَرْتَجِفُ، كَأنَّهَا تَنْتَشِي بِالْخَرَابِ، يمْشِي عَلى اللهَبِ مُضرّجًا بالدّمَاء، يَسْعَى بِلاَ قدَمٍ، يَغْشَاهُ الظَّلاَمُ الدَّامِسُ، يَعْتَصِرُقلْبُهُ وَيَتَمَزَّقُ كَبِدَهُ، لحَظاتٌ اسْتثنائِيّةٌ يَعِيشُهَاغيْرُ مُحْتمَلَة، يبْقَى صَامِتًا كأنَّ احَاسِيسَه تبخّرَتْ، لم تبْقْ مَعَهُ إلا زَفرَاتٌ تُمَيّزُهُ عَن المَوْتِ وَالْقَلْبُ وَامِقٌ، السَيْرإلَى الأمَامِ مَسْدُودٌ، السيْرإلَى الخَلفِ مُسْتحِيلٌ، فأيْن الْمَفرُّ؟! لقَد سَقطَ فِي الوَحْل، إنّهُ يحْترقُ، كُلّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِهِ يَحْتَرِقُ، كبِيرُ {الفلاقة} يسْقطُ أسيرًا، واحَسْرَتاهُ..! يَحْتَضِنُونَهُ بِشَبَقٍ مَسْعُورٍ، تَتقاذَفُهُ الايَادِي القذِرَةِ مُكبّلاً، تدُوسُهُ الاقدَامُ مُتعثرًا، نازِفًا فمَهُ، رَاضيًا بسَمَاحَةِ رسَالتِهِ، وقدْضَرَبَ بسَهْم وَافِرٍ فِي الفدَاءِ، هُوَ ذَا يرْنُوإلَى الصَّمْتِ شَامِخًا، تَعْتَرِيهِ فِي هَذِه الأثنَاء نوْبَةٌ مِنْ السُّعَال، يَلْتَفِتُ بسُرْعَةٍ البَرْقِ مُنْتشِيًا، وشَفَتاهُ تُرَدِّدُ: اللهُ اكبَر، يَتأكّدُ أنّ الرّفَاقَ اخْترَقُوا الطوْقَ، اصْبَحُوا خَارجَ الْحِصَار، أقبَلتْ طائِرَةٌ مِرْوَحِيّة عَلى جَنَاحِ السُّرْعَةِ، تَنْقُلهُ إلَى مُعْتَقلِ سُورِ الْغُزْلاَن، لهَذَا المُعْتقلُ سُمْعَةٌ سَيِّئةٌ, وقَسَاوَةٌ ورُعْبٌ لايُطاقُ، فِي الْمُعْتَقلِ أحَاطُوهُ بِالكِلاًب المُدَرَّبَة عَلَى نَهْشِ الْمُعْتقلِينَ، هَاجَمَتْهُ بشَرَاسَةٍ، أخَذَتْ تُشَوِّهُ جَسَدَهُ، عَمَليّةُ الاسْتَنْطَاقِ كانَتْ رَهِيبَة، الضَّرْبُ المُبرَحٌ، اللّكمَاتُ القويَّةُ عَلَى الوَجْهِ، وعَلَى كَامِل الأطرَاف، يُعَلّقُ، يُطفِئُونَ الشَّجَائِرعَلى جِسْمِهِ، تُنْتَفُ رُمُوشُ عَيْنيْه، تُقلعُ أظافِرَهُ، يُثقبُ كفُّهُ وقدَمَيْه، يُمَدَّدُ عَلَى حُطَامِ الزّجَاجِ والْمَسَامِيرَ، يُضْرَبُ على بَطنِهِ ورجْليْه، يُحَطّم أنْفُه، تُكسّر اسْنَانُهُ ، يُحْرَمُ مِن الْمَاءِ والطّعَامِ، يَفْقِدُ وَعْيَهُ، فيَترُكُونَهُ مَرْميّا يَتخَبّطُ فِي دَمِهِ، ويُسْتأنِفُونَ مَعَهُ الْعَذابَ من جَديدٍ، فيُرْمَى فِي حَوْضِ مِن الْمَاءِ الْعَفِن، تُسَلّطُ عَليْهِ الصَّوَاعِقُ الكهْربَائِيّة، وفِي الزَنْزَانَةِ المُظلمَةِ يَبْقَى بِدُونِ مَاءٍ وَلاطعَامٍ..يسْتنْشِقُ الْهَوَاءَ الْمُلوّثِ، تُطاردُهُ الْحَشَراتُ، يتوَاصَلُ مُسَلْسَلُ الْعَذَابِ مَمْزُوجًا بِلُعَابِ الْمَكْرِ، ويُحْرَمُ مِنَ الرَّاحَةِ والنَّوْم.

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 23 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ : 2018-12-01



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي
بقلم : نعمان عبد الغني
العولمة  وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي


رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري
بقلم : ايمن بدر . صحفي مهاجر في النرويج
رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري


يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:
بقلم : نورالدين برقادي
يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:


إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة


" أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي
بقلم : الشاعروالناقد المغربي احمد الشيخاوي





ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com