أصوات الشمال
الثلاثاء 12 رجب 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشارع الجزائري و ( برتولد بريخت)   * السماء تبكي علي حال شعبي   * مهمات صعبة تنتظر د. محمد اشتيه في رئاسة الحكومة الفلسطينية الجديدة    * قصص قصيرة جدا للقاص: بختي ضيف الله / الجزائر   *  مجزرة نيوزيلاندا .. الجاني لم يصادف اي مقاومة، كأنه دخل خمّاً للدجاج يقتل ما شاء   * الحراك الشعبي الجزائري والربيع السلمي للتغيير   * رباعيات   * سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار "أن تفكر في فلسطين" للكاتب المغربي عبدالله صديق.   * قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة   * المعادلات الصعبة للحراك الجزائري   * خُلقت حراً   * شبكة المقاهي الثقافية تحتفي بــ " نصيبنا من الظلمة " ديوان شعر للإعلامي الشاعر عبدالعزيز بنعبو بالرباط / المغرب   * السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب   * قراءة مختصرة في قصيدة "المنارة" الفائزة في مسابقة وصف منارة الجامع الأعظم لصاحبتها فاتحة معمري:   * قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!    * العقاد.. والحكم الاستبدادي   *  وَتُبْحِرُ فِي الْغُمُوضِ..ولاَ تَلتَفِتُ!!   * محنة الشعراء   * المراكز الفكرية في الولايات المتّحدة الأمريكيّة «الظاهرة والدّور والتأثير»   * رواية " أوركسترا الموت"    أرسل مشاركتك
الْمَخَاضُ (2)
بقلم : الكاتبة التّونسيّة زهرة مراد
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 450 مرة ]
غلاف كتابي

الجزء الثّاني من "المخاض" ستلوه البقيّة / أتمنّى لكم قراءة ممتعة


الْمَخَاضُ (2) بقلم زهرة مراد
مَا أَنِ اِنْفَرَدَتْ، فِي غُرْفَتِهَا، وَأَزَاحَتِ اللِّحَافَ عَنْ وَجْهِ مَوْلُودِهَا لِتَرَاهُ، حَتَّى تَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي عُرَوقِهَا وَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِـهَا لِلَحَظَاتٍ... اِصْفَرَّتْ كَالوَرْسِ وَازْدَادَتْ دَقـَّاتُ قَلْبِهَا وَتَسَارَعَتْ، اِنْحَبَسَتْ الْكَلِمَاتُ فِي حُنْجُرَتِهَا. وَجَمَتْ. اِنْقَبَضَ قَلْبُهَا دَاخِلَ صَدْرِهَا. لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا، وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا. بَقِيَتْ تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ الصَّبُوحِ وَتُسَبِّحُ بِاسْمِ اللهِ فِي سِرِّهَا. كَانَ الْمَوْلُودُ رَائِعًا فِعْلًا، جَمِيلًا وَسَاحِرًا، إِلاَّ أَنَّهُ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي مَكَانِ الْعَيْنِ الْأُخْرَى، ثُقُوبٌ صَغِيرَةٌ تَكَادُ لَا تُرَى. آهٍ مِنَ الْحَيَاةِ! إِنَّهَا لَا تُعْطِي شَيْئًا كَامِلًا. الْآنَ فَهِمَتْ سِرَّ اِهْتِمَامِ طَاقَمِ الْأَطِبَّاءِ بِهِ وَعَدَمِ السَّمَاحِ لَهَا بِرُؤْيَتِهِ سَاعَةَ وِلَادَتِهِ، الْآنَ عَرَفَتْ لِمَاذَا شَدَّ اِنْتِبَاهَ الْإِعْلَامِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ وَحَدْبٍ. بَكَتْ صَامِتَةً حَتَّى اِحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا، وَلَكِنَّهَا اِحْتَضَنَتْ صَغِيرَهَا مِنْ جَدِيدٍ، أَرْضَعَتْهُ، وَقَالَتْ تُحَدِّثُهُ كَأَنَّمَا سَيَفْهَمُهَا: "لَنْ أَتَخَلَّى عَنْكَ. سَأَرْعَاكَ مَهْمَا يَكُنْ الْأَمْرُ حَتَّى أُعِيدَ إِلَيْكَ كُلَّ الْبَهَاءَ". ثُمَّ مَسَحَتْ دُمُوعَهَا، وَحَمَلَتْ وَلِيدَهَا، وَخَرَجَتْ لِضُيُوفِهَا مُبْتَسِـمَـةً.
كَانَ الْجَمِيعُ مِمَّنْ حَضَرَ لِيُهَنِّئَهَا بِمَوْلُودِهَا، يَعْرِفُ مَا حَدَثَ. لَكِنَّهَا وَحْدَهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ، وَلَمْ تَكًنْ تَدْرِي أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ. لِذَلِكَ فُوجِئَتْ حِينَ بَدَأَ الْأَهْلُ وَالْأَصْحَابُ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْمَوْضُوعِ مُبَاشَرَةً، وَكُلٌّ يُقَدِّمُ اِقْتِرَاحَهُ لِتَحْسِينِ حَالِ الْوَلِيدِ. قَالَ أَحَدُ الْأَقَارِبِ: "هَذَا الْمَوْلُودُ رَائِعٌ وَسَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ". وَقَالَتْ إِحْدَى الْقَرِيبَاتِ: "لَا بُدَّ مِنْ إِجْرَاءِ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ لِعَيْنِهِ، حَتَّى يُصْبِحَ نَظَرَهُ سَوِيًّا، فَعَيْنٌ وَاحِدَةٌ، قَدْ تُفْقِدُهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الرُّؤْيَةِ بِوُضُوحٍ وَرُبَّمَا تَبْدُو لَهُ الصُّوَرُ مُضَاعَفةً، وَعُمُومًا لَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةَ الْأَخِيرَةَ". وَأَضَافَ صَدِيقٌ: "لَقَدْ تَقَدَّمَ الْعِلْمُ، وَنَحْنُ فِي تُونِسَ نَمْتَلِكُ الْكَفَاءَتِ الطِّبِّيَّةِ بِـامْتِيَازٍ، يمْكِنُ عَرْضُهُ عَلَى أَطِبَّائِنَا لِإِيجَادِ حَلِّ لَهُ، فَيُصْبِحُ أَجْمَلَ وَأَرْوَعَ". تَوَاصَلَ الْحَدِيثُ وَتَعَدَّدَتِ الْاِقْتِرَاحَاتُ. وَبَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ فِي جَدَلٍ، قَالَتِ الْأُمُّ: "آمُلُ أَنْ أَجِدَ لِابْنِي حَلًّا مُنَاسِبًا حَتَّى يَعِيشَ حَيَاةً طَبِيعِيَّةٍ هَادِئَةٍ دُونَ أَنْ يَسْخَرَ مِنْهُ أَحَدٌ، حِينَ يَكْبُرُ، وَحَتَّى إِذَا مَا أَصْبَحَ لَهُ إِخْوَةٌ، لَا يَشْعُرُ بِالنَّقْصِ أَمَامَهُمْ، وَلَكْنْ لَا أَدْرِي كَيْفَ!؟". قَالَ الْأَبُ: "لَا تَحْزَنِي. لَنْ أَرْضَى بِأَنْ يَبْقَى بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ دَفَعْتُ الْعُمْرَ ثَمَنًا لِذَلِكَ". قَالَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ: "لِمَ الْحَيْرَةُ؟ يُمْكِنُ مُعَالَجَتُهُ فِي إِحْدَى مُدُنِ الْغَرْبِ، فَهُمْ أَدْرَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ، وَيَقْدِرُونَ عَلَى خَلْقِ الْمُعْجِزَاتِ."
نَظَرَ إلَيْهِ وَالِدُ الرَّضِيعِ وَقَالَ: "لَا! لَنْ أَسْمَحَ بِذَلِكَ. سَوْفَ يَكُونُ عِلَاجُ ابْنِي هُنَا فِي بِلَادِهِ."
أَضَافَـتِ الْأُمُّ مُـتَحَمِّسَةً: "نَعَمْ، لَا أُرِيدُ لِوَلَدِي أَنْ يُعَالَجَ إِلَّا بِأَيَادٍ وَطَنِيَّةٍ، أُرِيدُهُ أَنْ يَجِدَ عَيْنَهُ الْأُخْرَى هَا هُنَا، فِي وَطَنِهِ".
صَمَتَ الْجَمِيعُ قَلِيلًا، وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا، وَعَدَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالْمُسَاعَدَةِ.
أَقَرَّتِ الْعَائِلَةُ، بِمُشَارَكَةِ الْجَمِيعِ مِنَ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ، أَنَّ التَّدَخُّلَ الْجِرَاحِيَّ ضَرُورَةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا، خُصُوصًا أَنَّ الرَّضِيعَ قَدْ أَظْهَرَ، مَعَ الْأَيَّامِ الْمُوَالِيَةِ، قَلَقًا وَأَلَمًا مِمَّا تُفْرِزُهُ عَيْنُهُ الْمُشَوَّهَةُ مِنْ قَذَى بِسَبَبِ التَّعَفُّنِ الَّذِي أَصَابَهَا. فَأَصْبَحَ يَبْكِي وَيَصْرُخُ طِوَالَ الْوَقْتِ، وَالْأُمُّ تُحَاوِلُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ بِلَا جَدْوَى، رَغْمَ اِسْتِعَانَتِهَا بِالطَّبِيبِ الَّذِي كَانَ يَصِفُ لَهُ الْوَصْفَةَ تِلْوَ الْوَصْفَةِ.
كَانَتْ مَا أَنْ تُنَظِّفَ عَيْنَهُ حَتَّى تُفْرِزَ عَفَنًا جَدِيدًا، فَأَصْبَحَتِ الْمِسْكِينَةُ تَعِيشُ فِي تَوَتُّرٍ مُسْتَمِرٍّ وَفِي خَوْفٍ دَائِمٍ. وَإِذَا بِالتَّعَفُّنِ يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّـا إِلَى أَعْضَاءَ أُخْرَى مِنْ جِسْمِ الطِّفْلِ، مِمَّا أَرْبَكَ كُلَّ الْعَائِلَةِ وَكُلَّ الْأَقَارِبِ وَأَرْبَكَ الْأَصْدِقَاءَ. فَسَارَعَ الْوَالِدَانِ بِإِدْخَالِهِ الْمُسْتَشْفَى.
هُنَاكَ، اِجْتَمَعَ كُلُّ الْأَطِبَّاءِ وَالْاخْتِصَاصِيِّينَ لِلتَّشَاوُرِ حَوْلَ إِمْكَانِيَّةِ فَتْحِ الْعَيْنِ الْمُشَوَّهَةِ. وَتَعَدَّدَتِ الْاِقْتِرَاحَاتُ الْعِلْمِيَّةُ، وَخَاضَ الْجَمِيعُ فِي كُلِّ الْاِحْتِمَالَاتِ الْوَارِدَةِ عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتُجَ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّدَخُّلِ الْجِرَاحِيِّ. هَلْ يَنْجَحُ؟ هَلْ تَكُونُ نَتِيجَةُ التَّدَخُّلِ الْجِرَاحِيُّ إِيجَابِيَّةٌ؟ أَلَا تَكُونُ لَهُ آثَارٌ جَانِبِيَّةٌ سَلْبِيَّةٌ؟ تَسَاؤُلَاتٌ كَثِيرَةٌ طُرِحَتْ، وَطَالَ النِّقَاشُ دَاخِلَ مَجْلِسِ الْأَطِبَّاءِ بَيْنَمَا كَانَتْ حَالَةُ الْمَوْلُودِ تَسُوءُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، لَكِنَّهُ مَازَالَ مُتَمَسِّكًا بِالْحَيَاةِ.
الْأُمُّ، مَا زَالَتْ تُعَانِي مِنْ عَذَابَاتِ الْأَلَمِ لِأَجلِهِ، وَالتَّوَتُّرُ مَا زَالَ يَلُفُّ الْجَمِيعَ. عَجْزٌ جَعَلَ كُلَّ الْأَهْلِ يَحْيَوْنَ فِي حَيْرَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ وَقَلَقٍ دَائِمٍ. قَضَّى الطِّفْلُ أَيَّامًا عَدِيدَةً فِي الْمُسْتَشْفَى. وَطَالَتْ مُدَّةُ إِقَامَتِهِ حَتَّى أَصْبَحَتْ أَسَابِيعَ. ثُمَّ اِمْتَدَّتْ حَتَّى اِسْتَغْرَقَتْ شُهُورًا، وَمَجْلِسُ الْأَطِبَّاءِ، مَا زَالَ يُنَاقِشُ الْأَمْرَ دُونَ أَنْ يَتَّخِذَ أَيَّ قَرَارٍ عَمَلِيٍّ. فَهَلْ يَقَعُ إِنْقَاذُ الْوَلِيدِ مِنَ الْمَوْتِ؟ هَلْ تُكْتَبُ لَهُ الْحَيَاةُ بِعَافِيَةٍ؟ هَلْ تَفْرَحُ وَالِدَتَهُ بِهِ فَرْحَةً حَقِيقِيَّةً كَامِـلَـةً لَا يَشُوبُهَا حُزْنٌ وَلَا يَعْتَرِيهَا أَسَى؟ هَلْ يَتَمَكَّنُ أَهْلُ الْاخْتِصَاصِ مِنْ أَبْنَاءِ الْوَطَنِ مِنْ إِعَادَةِ الْبَصَرِ السَّلِيمِ لِهَذَا الْمَوْلُودِ الْبِكْرِ؟ إِنَّهُ أَمَلُ الْأُمِّ وَحُلْمُهَا الْأَكْبَرُ. (يتبع)
من كتابي البكر (على وقع ولادة) الصّادر عن الثّقافيّة للنشر سنة 2014

نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 21 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ : 2018-11-29



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
رباعيات
بقلم : محمد محمد علي جنيدي
رباعيات


سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار "أن تفكر في فلسطين" للكاتب المغربي عبدالله صديق.
بقلم : عبدالكريم القيشوري
سفارة فلسطين بالعاصمة الرباط المغربية تحتفي بإصدار


قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة
قصة : بختي ضيف الله
قصة قصيرة / السواد..الذي غير وجه المدينة


المعادلات الصعبة للحراك الجزائري
بقلم : د. محمد عبدالنور
المعادلات الصعبة للحراك الجزائري


خُلقت حراً
بقلم : سيف ناصري
خُلقت حراً


شبكة المقاهي الثقافية تحتفي بــ " نصيبنا من الظلمة " ديوان شعر للإعلامي الشاعر عبدالعزيز بنعبو بالرباط / المغرب
بقلم : الكاتب عبدالكريم القيشوري


السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب
بقلم : ابراهيم قرصاص
السّلميّة لا تقبل الكراهيّة و التعنّت ليس حلاّ لمطالب الشعب


قراءة مختصرة في قصيدة "المنارة" الفائزة في مسابقة وصف منارة الجامع الأعظم لصاحبتها فاتحة معمري:
بقلم : عبد الرحمن عزوق
قراءة مختصرة في قصيدة


قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!
بقلم : نبيل عودة
قرارات المحكمة العليا المتكررة تؤكد ان اسرائيل هي دولة جميع مواطنيها!!


العقاد.. والحكم الاستبدادي
بقلم : محمد محمد علي جنيدي
العقاد.. والحكم الاستبدادي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com