أصوات الشمال
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..   * ملامح من ديوان مزيدا من الحب للشاعر عبد العلي مزغيش   *  احتفاءٌ بعالم...مآثرٌ تُنشر، ومفاخرٌ تُذكر   * عنترة العبسي   * جامعة باتنة تـحتـــفي بالشاعر عثمان لوصيف في ندوة علمية متميزة   * مثقفون يناقشون أزمة تسويق الكتاب في الجزائر و آفاقه   * مغفرة   * اختتام مهرجان المسرح الفكاهي بالمدية...تابلاط تفتك جائزة العنقود الذهبي    * رحيل القاصة العراقية ديزي الأمير بعيدا عن بلدها الذي تحبّ   * المسابقة الوطنية للرواية القصيرة   *  وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي مُكَبِّرًا./والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! / الحلقة:01   * حفريات أثرية جديدة تؤكد : ثاني تواجد بشري في العالم كان في شرق الجزائر   * أركيولوجيا القصيدة 'العمرية' أو الكتابة معنى..    * قصتان قصيرتان جدا:(كابوس، ألم)   * هكذا تنازل سيهانوك عن العرش.. فماذا عن حكامنا؟   * ليلة الأدب والعجب    * الْمَخَاضُ (2)   *  لماذا يضحك "هذان"؟؟؟   * الطبعة 12 تحمل اسم الفنان الراحل الطيب ابي الحسني   * رائحة بيروت    أرسل مشاركتك
لك الصحراء التي ألبسها...
بقلم : جميلة طلباوي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 239 مرة ]
جميلة طلباوي

تلك الصحراء التي ما زال طين واحاتها ملمسه رطبا في يد الطفلة التي تسكنني ، ما زالت قدماي تجدان الملاذ الآمن بين ذرات كثبان رملها ، مازالت أساطيرها تشدّ فضولي و تدهشني ، و لا عطر أجمل من روائح أعشابها و لا فاكهة أحلى من تمورها، وجدتني ألبسها بهجة ، و ألبسها سكونا و هدوءا، و ألبسها في أحيان أخرى جمرا حارقا .
حالات متعدّدة أعيشها مع بيئتي الصحراوية التي كثيرا ما تكون قاسية بشدّة حرّها ، بزوابعها الرملية ، لكنّ صوت والدتي رحمها الله ظلّ يتردّد في وجداني و هي تقول : "هذي الطوبة ما عندنا عليها وين". بمعنى لا مفرّ لنا من بئتنا هاته مهما قست علينا ، نفس العبارة وظّفتها على لسان والدة بطل روايتي الخابية حين قرّر الهجرة إلى الضفة الأخرى بعيدا عن مدينته الجنوبية التي اعتبرها خانقة لأحلامه.
كان لا بدّ لي أن أدوّن عبارة أمّي وفاءا لها و لهذه "الطوبة" لبيئتي التي هي أمّ من نوع آخر ترضعنا عشقها و قيمها و بعض سحرها، و تأكيدا على فلسفة والدتي و نظرتها للمكان بأنّه ستر لنا ، لباس لنا و بدونه تتعرّى أرواحنا و تغترب .
الفكرة بدت لي أعمق من نظرة تجعل المكان فضاءا نسكنه أو يسكننا ، فبدأت حكايتي مع كتابة صحرائي الفاتنة ، كتبتها كما يحاول العاشق أن يكتب قصيدة لحبيبته ، و كتبتها كما يحاول المغامر استكشاف الأماكن .
و حين يكتب العاشق فلا بدّ له من لغة فيها من البهاء و من الوصف لمفاتن الحبيبة، و حين يكتب المغامر فهو يحاول استنطاق الزوايا و الأماكن ، يسائلها و يحفر عميقا في التفاصيل التي توصله إلى الحقيقة .
هذه الخلطة حاولت الارتكاز عليها في تجربتي و أنا أكتب الصحراءفي متني السردي.
في هذا السياق سأتحدّث عن روايتين هما الخابية التي صدرت لي عام 2014 عن الوكالة الوطنية للنشر و الإشهار ، و وادي الحنّاء التي صدرت لي عام 2017م عن دار ميم للنشر.
في روايتي الخابية انطلقت من جزء مهمّ في القصر الذي شيّده الرجل الذي سكن الصحراء قديما من طين الأرض و أخشاب النخيل ، هذا الجزء يسمّى في الجنوب الغربي الجزائري "الخابية" و في مناطق أخرى من الوطن يسمّى " المطمورة" . في الخابية كان رجل القصر يخبّئ المؤونة التي يعود إليها في الأيام العصيبة كالجفاف ، أو عند محاصرة الغزاة للقصر أو عند أيّ ظرف آخر يكون طارئا فيمنع سكان القصر الذي يحيط به سور كبير من الخروج لجلب قوتهم.
الخابية استوقفتني لأستلّ منها خيوط روايتي التي حاولتْ مساءلة المكان المكتنز لميراث الأجداد و نحن محاصرين بغول العولمة الذي يكاد يلتهمنا. فوجدتني أمام فلسفة جعلت رجل القصر يرى بأنّ باطن الأرض أولى به إن عجز عن صنع أكله و ملبسه من خلال تلك الخيم من الحجر التي كان ينصبها و تتمّ تحت ركامها عملية الانتحار الجماعي ، بقيت آثارها يسميها سكان المنطقة الكراكر ، و سواء كانت الحكاية حقيقية أو مجرّد أسطورة، فإنّ قيمة العمل و السعي للوصول إلى الاكتفاء الذاتي ، فكرة مهمّة جدا ما أحوجنا إليها و نحن لا نأكل ممّا نزرع و لا نلبس ممّا نصنع فويل لنا .
في روايتي الخابية لم أغفل عن النحت بلغتي لرسم اللوحات الطبيعية التي تزخر بها الصحراء ، حاولت أن أفرش بساطا للحكاية من يوميات أبناء الصحراء ، من تلك التفاصيل الجميلة في حياتهم كإعداد الشاي مشروبنا السحري ، و الأطباق التقليدية و الأهازيج الشعبية ، كلّها كانت حاضرة و خيوط الرواية تبني عوالم بطلها فاتح الذي تنبّه مبكّرا إلى ضرورة التصالح مع ميراث السنين و بأنّ النمط المعماري لديه انعكاس على سلوك الإنسان.

فاتح رأى بأنّ العمارة نمط معماري غريب عنّا ساهم في خلق اغتراب الفرد و انفصاله عن المجموعة و بالتالي تمزّقت الروابط الاجتماعية .
في حين أنّ نمط القصر الذي بناه أجدادنا قديما و هو عبارة عن تجمّعات سكنية يحيط بها سور كفيل بإعادة الفرد إلى المجموعة و المساهمة في توطيد العلاقات الاجتماعية التي أضحت باردة.
فكّر فاتح في إنجاز المشروع السكني بنمط أجداده ، و تحدى الإدارة التي عارضته ، لكنّه اصطدم في النهاية برفض السكان لهذا النمط ، و بإصرارهم على النمط الغربي و فقدانهم لقابلية التعايش في مجموعات أو في عائلات كبيرة كما كان الأجداد.
خلال رحلة فاتح لتنفيذ مشروعه تتسارع الأحداث و تتوتر بينه و بين خصومه ، يعيش لحظات حبّ و لحظات فقد ، و يسترجع في كلّ محطّة قيمة من القيم الانسانية التي انهارت بانهيار سور القصر القديم .
أمّا روايتي وادي الحنّاء ففيها خرجت من مدينة بشار الجنوبية لأدخل مدينة جنوبية أخرى هي ولاية أدرار أو توات أو تيمي كما كانت تسمى قديما.
أدرار مدينة صحراوية على بعد 1600كم عن الجزائر العاصمة تلتحف بالرمل ككلّ مدن الجنوب الجزائري ، تتفجر في بساتينها سواقي تعرف باسم الفقارات حفرها أبناء توات فحوّلوا الصحراء القفار إلى جنّة فوق الأرض.
لأدرار كما معظم المدن الجنوبية قصورها من الطين و أخشاب النخيل، لها زواياها التي عُرفت بتحفيظ القرآن الكريم و بإقامة الاحتفالات الدينية ، و أكثر ما شدّني إليها ارتباطها بنبتة هي صديقة الفرح، إنّها الحنّاء التي لا تعطي ذلك اللون البهي إلا إذا جففت أوراقها ثمّ سُحقت سحقا.
الفكرة قفزت إلى ذهني و معها ارتسمت صورة الإنسان في هذه الحياة الذي تسحقه الظروف و قسوة الحياة فيعطينا أجمل ما لديه ،أو أنّه يسحق سحقا ليزيّن حياة الآخرين ، و في حين ننظر لأناس على أنّهم يصنعون الفرج ، لنكتشف بأنّهم أشبه بأوراق حنّاء سحقتهم الظروف القاسية سحقا فأعطونا أجمل ما لديهم .
وجدتني أرسم بقلمي أولئك الذين سحقتهم الحياة لكنّهم حملوا قيما جميلة ،و مهما كانوا بسطاء، قد لا نلتفت إليهم باعتبارهم خدما في قصر شيخ الزاوية مثلا، أو خمّاسة في الحقول الجنوبية في فترة من تاريخنا ، مهما بدت لنا مهنتهم بسيطة ، إلا أنّهم كانوا أوراق حنّاء تُسحق فتزيّن حياة الآخرين. حفرت أكثر و سحقت الفكرة سحقا لأقفز على طابو التمييز العرقي و الطبقي في جنوبنا ، سلطت الضوء على جانب من حياة نساء في صحرائنا في هذه المنطقة .
و مازالت الرمال تتحرّك ، مازالت السواقي تجري تشق أرض الحكاية ، ما زالت هذه الصحراء تغرينا و تستدرجنا لتستلّ الحكاية من أقلامنا.
جميلة طلباوي

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 20 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ : 2018-11-28



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
رحيل القاصة العراقية ديزي الأمير بعيدا عن بلدها الذي تحبّ
بقلم : بشير خلف
رحيل القاصة العراقية ديزي الأمير بعيدا عن بلدها الذي تحبّ


المسابقة الوطنية للرواية القصيرة
بقلم : بشير خلف
المسابقة الوطنية للرواية القصيرة


وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي مُكَبِّرًا./والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! / الحلقة:01
بقلم : محمد الصغير داسه
                     وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي مُكَبِّرًا./والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!!  / الحلقة:01


حفريات أثرية جديدة تؤكد : ثاني تواجد بشري في العالم كان في شرق الجزائر
بقلم : رياض شعباني / الإذاعة الجزائرية
حفريات أثرية جديدة تؤكد : ثاني تواجد بشري في العالم كان في شرق الجزائر


أركيولوجيا القصيدة 'العمرية' أو الكتابة معنى..
بقلم : الدكتور: عبد الجبار ربيعي
أركيولوجيا القصيدة 'العمرية' أو الكتابة معنى..


قصتان قصيرتان جدا:(كابوس، ألم)
قصة : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصتان قصيرتان جدا:(كابوس، ألم)


هكذا تنازل سيهانوك عن العرش.. فماذا عن حكامنا؟
بقلم : علجية عيش
هكذا تنازل سيهانوك عن العرش.. فماذا عن حكامنا؟


ليلة الأدب والعجب
بقلم : كرم الشبطي
ليلة الأدب  والعجب


الْمَخَاضُ (2)
بقلم : الكاتبة التّونسيّة زهرة مراد
الْمَخَاضُ (2)


لماذا يضحك "هذان"؟؟؟
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                          لماذا يضحك




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com