أصوات الشمال
الثلاثاء 7 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
أحاديث سامي وسمير 2: رائحة التفّاح
بقلم : الكاتب طه بونيني
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 176 مرة ]
الكاتب طه بونيني

سلسلة قصص قصيرة، تُكمل كل منها ما سبقها، فيما يُشبه فصول الرواية.
في القصة الأولى، كان حديث سامي وسمير، وهما راكبين في قطار يتجه من وهران إلى العاصمة، كان حديثهما حول مكانة القانون في مجتمعنا. وتتناول هذه القصة، نقاشا آخر، وأترك عنياتكم تتعرف على فحواه...

أحاديث سامي وسمير 2: رائحة التفّاح

كان القطار قد حرق بعض الوقود، متقدّما نحو العاصمة. الجوّ صافٍ في الخارج، ربيعيّ مُزهر. أفضل موسم للسفر بالقطار. عبر النافذة، مناظر تخلبّ اللب. وقد استطاعت هذه المناظر أن تنتزع بعض الركّاب عن هواتفهم النقالة، فتُريحهم من مأساتهم التكنولوجية لدقائق.
حتّى سمير، الرجل الذي عادَ إلى مكانه مُجبرا، راح يُلقي عينا خاطفة على ما قدّمته الطبيعة للركّاب من الجمال.
"همممممممم". أصدر سمير همهمة، ثمّ قال يُحدِّث نفسه بصوتٍ عالٍ: "آه تذكّرت! السكنات الاجتماعية...".
لقد تبيّن أنّ سمير لم يكن يستمتع بالمناظر، بل كان ساهيا يحاول التذكّر. ثمّ انقضّ على الجريدة، يتصفّحها من جديد، للمرة الرابعة...
"انتهى وقت الطُعون للسكنات الاجتماعية! ماذا؟! ماذا؟!! كيف انتهى؟! هل تُصدّقون هذا؟! انتهى!!"
طوى الجريدة ووضعها بعصبية، ثمّ نظر إلى سامي وقال:" جريدة ب 20 دينار، ماذا تنتظر منها!!"
"هناك جرائد أغلى إذا شئت!" أجابه سامي، وأضاف: "لكنّها لن تعجبك أيضا".
" ألا تقرأ الجرائد؟". سأله سمير.
"صرتُ أقرأ المجلات بدلها." أجاب سامي.
"تقصد مجلات الفن؟".
"لا مجلات الصحة، والهندسة والاختراعات والاقتصاد، والرياضة أحيانا، كلّ ما يخلو من السياسة".
"لكنّ السياسة تؤثر فينا؟ فكيف تتجاهلها؟" يسأل سمير.
"لكنّك تُؤثر في نفسك، أكثر ممّا تؤثر هي فيك. إلّا إذا تركتَ نفسك في يد السياسة، عندها تصير السياسة وحدَها المؤثر فيك!!!" أجاب سامي.
"انتظر انتظر انتظر..ما هذا؟! هذه فلسفة يا أخي. لا تُدخلني في الفلسفة، فأنا كلوندستان بسيط".
"أنتم سائقو الأجرة والحلاقون كذلك، فلاسفة بالفطرة..."
"من فضلك انتظر. لنصعد درجة درجة. أنا شخص صاحب دخل بسيط، أرزحُ في مشكلة سكن، فهل ممكن أن توضح لي بفلسفتك كيف أُفكّ بنفسي هذه العقدة بدون تدخّل السلطات؟!". يسأل سمير مُختبرا جليسَه.
"انظر معي" وأومأ سامي إلى جموعِ الركّاب.
"ماذا أنظر؟". يتساءل سمير.
"انظُر إلينا جميعا، هنا، في منازلنا، في الشوارع، في الجهات الأربع من البلاد. ألسنا نتشارك قاسما مشتركا أكبر؟". قال سامي بينما يُجيل عينيه بين الركّاب، ثمّ راح يُحدِّق في طفل صغير.
"القاسم المشترك أنّنا جزائريون". أجاب سمير بغير جدّية.
"بل نحن نتشارك شيئا آخر"
"ما هو يا أيها الفيلسوف؟"
"لا نعرف كيف نحيا!!".
"ستُحدّثني عن عيوبي وحشراتي من جديد؟!" ينتفض سمير.
"بل أتحدّث عنا جميعاً".
" ها أنا أمامك. لم آخذ عطلة حقيقية منذ سنوات حتّى اليوم! عُطلي كثيرة لكنّي لا أستغلُّها، إلّا في التفاهات..على كلٍّ.. كما قلتُ لك، لا نُدرك قيمة الحياة. نُحدثُ كثيرا من الضجيج والغبار، حتّى لا نعودُ نُميّز شيئا في طريقنا، ثمّ نغادر في صمت. كما يقول المثل: عاش ما كسب مات ما خلّى".
قال سامي ثمّ اخترقَت مُخيِّلتُه نافذة القطار، تاركةً جسده جالسا في جمود، ومشت حُرّة على أحد السهول ثمّ آبت إليه.
"كلامك يتركني في حيرة. ما هي "التفاهات" التي تُضيّع عُطلك فيها؟". يتساءل سمير بفضول.
" البناء ومستلزماته ومشاكله يا أخي. أطفأ البناء زهرة عمري ويطمع في السرقة من كهولتي أيضا". يجيب سامي.
"لكنّ المرء يحتاج لسكن يؤوي إليه، وما دمنا بدونه فنحن ضائعون في هذه الحياة". قال سمير.
"يا أخي، إنّنا نحيا المشاكل، ولا نحيا الحياة. وضعنا "شيئا" محورَ حياتنا، وتركناها تدور حوله. أليست الحياة أكبر من ذلك. صِرنا نعبد الأشياء، والسكن أحدُها. إنّها كالأصنام.. نعم كالأصنام". قال سامي.
"لم أكن أتصوّر بأن السكن الاجتماعي صنم؟" يتهكّم سمير.
"إنه كذلك يا صديقي. ركِّز معي. تنهض صباحا، أول ما تفعله تنظر إلى الهاتف (شيء)، تذهب للعمل كالآلة، فوظائفنا بلا روح وما هي إلا مطية لشراء الأشياء. ثم تنهي عملك، لتجد نفسك مقابل التلفاز (شيء)، أو الهاتف النقال، أو تعتني بالسيارة (شيء)، لأنّها ستوصلك غدا للعمل. أليست هذه الحياة مفرغة من الروح؟" يتساءل سامي متأسفا.
"كانت حياتنا أفضل في الماضي...". أسعفت سمير هذه العبارة فقالها.
"كانت حياة قليلة الأشياء كثيرة المعاني".
"كُنتُ أسمع المذياع كثيرا في الماضي، وأذهب لصيد السمك، وأسافر كثيرا على الدراجة النارية، وكُنّا نُخيّم مع شلة من أصدقائي في الغابة...لم يعُد لهذا وجود الآن..."
لفظ سمير هذه الكلمات، وكأنّ شخصا آخر ينطقُها في مكانه، وقد كان يبتسم بينما يقولها. وعقّب سامي متجهما:
"أتُصدّق أنّني اشتاق لنفسي. كُنتُ حيّا لحدّ أنّي كُنت لا آكل التفاحة حتّى أتشمّم عبقها ورائحتها العطرة، وأشرب الماء كما لو أنّني أشربه لأول مرّة، وأنظر إلى الأشجار كما لو أنّها كائنات مقدسة تنظر إليّ وتهمس لي...وكنت لا أكف من النظر إلى السماء وزرقتها وشمسها وقمرها ونجومها وغيومها وأود لو تُظهر لي ما وراءها...لقد كُنتُ أسعدُ بالغيث وبرائحة الأرض وقد ارتوت بمائه...أمّا الآن فلا أدري أين تواريتُ."
"c’est ça la vie ! " قال سمير بالفرنسية وكأنّ هذا القول يفكّ كل الألغاز والأحجيات.
" الحياة تجرفنا، إلى وادي القلق ومنه إلى شلالات تقذفنا تعساء إلى الموت". قال سامي بنفس التجهم.
"ماذا تريدني أن أقول لك، ألجمتَ مُخيّ؟!".
سكنَ سامي للحظة، وفعل سمير مثله. ثمّ قال سامي بصوت يُشبه الهمس، إلّا أنّه كان مسموعا. إنّه حديث القلب:
" لو تعلّمنا الإنصات أكثر للطبيعة ولبعضنا البعض، لو تعلّمنا أن نقنَع وألا نجري وراء الفانيات حتى نفنى، ولو استغللنا كل يوم في الاستمتاع بما جعله الله مجانيا في حياتنا، لاستطعنا ربّما أن نرجع إلى الحياة." قال سامي وهو يبتسم.
"وهل من شيء مجاني في حياة الأشياء كما سمّيتَها؟!". قال سمير.
"انظر من النافذة".
أومأ سامي إلى جليسه وسكت. فقد كان المنظر أجمل من أن تفيه الكلمات. أمّا سمير فأخذ يُردّد ناظريه بين سامي وبين المنظر الذي ترنو إليه عيناه، ثمّ أخذ يضحك.
انزعج سامي قائلا: "ما بك؟"
"ما تُسمّيه حياةً ما هو إلّا تجاهل وهروب من الواقع المُرّ. أهذه هي الحياة التي تريدها؟ أن تُخدّر نفسك بالمناظر الطبيعية ورائحة التفّاح؟!!". سأل سمير.
"قلتُ لك يا صديقي، نحن نلعب الغميضة مع الحياة ولا نجدُها أبدا. تتركك تعدُّ حتى تموت وهي أمامك لكنّك لا تراها، لأنّك ببساطة كُنت تغمض عينيك طوال حياتك!!". قال سامي.
أمسكَ سمير رأسه وقال: "أوجعتَ رأسي، حمداً لله وصلنا لمحطّة الشلف، سأنزل لأشمّ بعض الهواء النقيّ وأتحرّك قليلا لعلّ بعض نور الشمس يُحييني".
نهض سمير، بينما ينظر إليه سامي مُتعجّبا ثمّ مبتسما، وقال في نفسه: "وهذه هي الحياة التي أكلّمُك عنها..."
يُتبع



نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 6 محرم 1440هـ الموافق لـ : 2018-09-16



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com