أصوات الشمال
الأحد 12 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * أحاديـــث العشيـــــــات   * "الشاعر الإبستمولوجي": (مرسي عوَّاد) في "أول العرفان"   * قضايا الأدب الإماراتي من خلال كتاب: «الأدب في الـخليج العربي» لوليد مـحمود خالص   * بلادي   * صوتك كحنان النَّايْ   * إصدار رواية " المُستبدّة " للروائية الأردنية هيا بيوض   * قصائد نثرية قصيرة 2   * الد/ محمد فوزي معلم: المؤرخون الفرنسيون يرفضون الاعتراف بمصطلح الفترة الرومانية   * ندوة وطنية بعنوان معركة باريس حلقة مشرقة من ثورة التحرير الجزائرية   * قراءة أدبية في رواية { رياح القدر }    * الشاعرة اللبنانية نور جعفر حيدر تستلم جائزة سعيد فياض للإبداع الشعري في دورتها ال15   * نحن والدراسات الثقافية   *  تحْتَ وَطأةِ المَآسِي..تمُوتُ الأحْلاَمُ..!! /الحلقة الثاني..02    *  نظرة إلى المرأة.   * قد زارني طيف الحبيب   * الذوق الجمالي فلسفة تستمد قيمتها من الذات    * إنّ كيدكنّ عظيم.   * البسكري الذي قتله فضوله   * الدكتور محمد بغداد.. نحو إعادة النظر في المفاهيم القديمة للخطاب الديني   * الأيام الأدبية السابعة بالمدية تسلط الضوء على ذكرى ألـ17 أكتوبر    أرسل مشاركتك
غضب وعجب
بقلم : سعدي صبّاح
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 245 مرة ]
صورة سعدي صبّاح

لمحتها من اليوم الذي ودّعت فيه دشرتي ولداتي ومضارب شغبي وتنزّهي جنب البيدر.. وقصصي مع أسراب القوابع التي تتهادى على حبّات القمح المتلألئة مع رحيل الظّهيرة.. ونسيم الصّبا، وشاءت الأقدار لأكون جنبها، بعدما اكترى لي سماحة الوالد بيتا صغيرا، لا شيئ يعجبني فيه إلاّ القرميد الأحمر والرمانة الطّاعنة في القدم وصديقي جفّال.. الذي كان يضارعني في تعاسة الحظ.. ولم يجد غرفة في الدّخلية البائسة.. التي لا تليق حتّى للأراخي والعجول، تفتح بابها الخشبي مع إشراق الصّباح قبل ذهابنا إلى الإعداديّة الحرّة.. لنأخذ بعض الدّروس المحتشمة، على يد الأستاذ أحمد الذي شحّت عليه الدّنيا وأمّ الدّنيا وساقته الأقدار.. من أجل قوت الصّغار في العبّاسيّة، لأول مرّة عرفت اسمها سعديّة بعدما رماها ذلك الكهل المتأنـق بلبانة.. سعديّاااا، ولأول مرّة أسرق نظرة.. دون تأمّل، ليس سرّا شغلتني قصّتها أكثر ممّا شغلني طاليس وفيثاغورس، وذات ثلاثاء من أيّام أيلول، يوم سوق تصكّ فيه الإعداديّة أبوابها، ويبارحني جفّال ويتركني مع وحدتي لأتحرّر ويتّحرّر هو ليمارس الصّعلكة المتجذّرة فيه، بين الشّوارع والأزقّة، لويت إلى الرّمانة وتركت الباب مواربا، وخلسة أبصرتها تتوڨ يمنة يسرة..

عاصبة الجبين.. وهو يتسلّل خفية ثم ينثني عبر الزّقاق هرولة!، صدّيت الباب ورحت أتسلّى برفوف الحوش المعجّة بالعصافير، وما هي إلا لحظات حتّى طرق جفّال.. يتأبّط رغيفين وعلبة سردين، وبما يشبه الهمس قال لي مندهشا: رأيت رجلين يخرجان من بيت جارتنا، فتجاهلته وميّعت له ما شاهده، وأين العجب؟ قد يكونان من عائلتها ونحن أتينا من دشرتنا النّائية من أجل الّدراسة، لا دخل لنا في ما لا يعنينا، وضمرت فضولي ،وقصّتها تطاردني كاللعنة.. ولم أفصح ولم أبح، وانعطفت به لحلّ بعض الفروض لنتجّنب ثرثرة المصري وعتابه ،وفي منتصف نهار الغد وبعد خروجنا من معمعة الجبر والهندسة، وجدناها في انتظارنا بإبريق القهوة والكعبوش، تعتذر في قالب هزلي ترافقه ابتسامة قاتلة: السّماح..تأخرت عليكم بالضيفة.. هذه حاجة خفيفة ومازال، لحظتها لاحت لي أزاهير البحتري في غير أوانها، وزقزقة عصافير النّشوة من وراء الرّمانة، وأصخت لهديل الحمام يعلن حياة أخرى تنعدم فيها الرّتابة والغربة والاكتئاب، والظّاهر أن جفال البشوش لا يشغله إلاّ الكعبوش! وبعد الضيفة صارت منّا وصرنا منها.. تستّرت بالسّخاء وصارت الجميلة لا تتحسّس ولا تتحرّج منّا وتفتح الباب على مصرعيه لضيوفها، مع الحيطة والحذر من جهة الشّمال، وتأقلمنا مع المكان، وصارت سعديّة وتصرّفاتها في الأمر الرّوتيني الأكثر من العادي، تجود علينا بالقهوة وزبدة الضآن التي تصلها من البوادي مع السّوّاڨة الموّالين .. الذين ينزلون على بيتها أفرادا وجماعات رغبة في قهوتها المميّزة والاستماع ولو لحظات لعقّوڨ عيسى وحدّادي ابراهيم وأغانيهم الغرامية التي تؤجّجها (التورني ديسك) وسار قطارنا وئيدا يتجوّل بين شوارع المدينة المعجّة بالغرائب والعجائب والمتناقضات، وقسّم وقتنا بآلية.. بين الإعداديّة والمدّاح مساء الاثنين.. والمذاكرة والزردات التي تقام على أنغام الزّرنة ورقص النّساء.. الوافدات المتحرّرات، وفي الليل أنا وجفّال والموّال وترك القيل والقال وكثرة السّؤال، أحيانا يطرقنا عمّي الحاج السّايح، يتسامر معنا بعد المراجعة، وفي عينيه سرّ لكن يشقّ عليه الإفصاح عنه.. هكذا قرأته ولن تخيب فراستي، ولم أفصح لجفّال ولا أشغله عن دروسه في أمر لا يعنيه، وجارتنا هي الأخرى تريد أن تقول لنا شيئا.. والشيء لا يخرج عن سكان الحي وما يشكّلون لها من إزعاج وعرقلة لعلاقتها وتواصلها بشكل مشبوه مع المتردّدين.. وجلـهم من القرى المجاورة، هكذا دار في خلدي دون أدلّة إلا ممّا يخاطب به الحدس، تردّدها على غرفتا باستمرار حتى الغروب وتارة ما بعد الغروب، وعمّي السّايح يكسّر الدّجى ليزورنا تقريبا كلّ ليلة، وكنت ككلّ ليلة أكتشف شمائل عمّي السّايح ومبادئه من خلال حديثه ،فأدركت بأنّ اللغز الذي بين عينيه يدور حول جارتنا الجميلة، كما توصّلت بأنّها مستاءة من الحاج السّايح.. من خلال تلميحاتها، وربّما جيش الغلمان الذين يراشقون بابها الخارجي وروّاد بيتها هم من صنع الحاج السّايح ،وإن دلّ على أمر إنّما يدلّ على وقاره ونبذه لمثل هذه الأمور.. هكذا قلت لنفسي كاتما عن جفّال، وفي ليلة حالكة طرق الباب ولا يكون إلاّ السّايح وبيده صنية القهوة في عز ّالليل والفطير البلدي، فرحنا به كعادتنا ونجّدنا له المراح متشوّقين لقصصه التي لا تضاهيها إلاّ قصص الڨوّال الشيخ الصّديق في كنف سوق الثلاثاء الذي لا نتأخّر أبدا عن الحضور لحلقته التي تضيف لنا وتكشف عن سيرة بني هلال.. وقصص أخرى تروي عن شجاعة العرب من عهد عنترة بن شدّاد، لكنّه هذه الليلة أحجم عن سرد قصص البطولات، لا في الجاهلية ولا في صدر الإسلام ولا حتى إبّان حرب التّحرير، إنّما يدور حديثه المبهم عن الحي وما يجري فيه من تجاوزات تنحصر في ممارسات غريبة عن تقاليد المدينة ومبادئها والشّمائل المتجذّرة في أهلها، هنا بدأ ينبلج فجر الحاج ..ويتّضح ما يضمره، وكنت أقصّ حديثه بكلّ الأمالي وجفّال لا يبالي، فتشجّعت: سمّ الأشياء بمسمّياتها، نحن نكنّ لك محبّة خاصة وتبجيل وسرّك في بير ،استطرد بالحرف الواحد: سعدية سامحها الله ليست ابنة المدينة وجلبت لنا العار.. وعلّمت أطفالنا مبادئ نحن في غنى عنها، وأنتما على علم وكلّ المدينة، واصطدمت بعلاقتكما معها وأنّني أرى كلّ عطفها وهداياها لكما لحاجة في نفسها، ومن الآن أنا أولى بكما، وهذا يبقى في السّرّية التّامة، لقد خدّرت بعض المشاغبين لمحاصرتها ومهاجمة ومداهمة بيتها كلّما تسلّل آثم إلى وكرها القذر ..هذه المدينة شريفة بشيوخها ورجال دينها.. ولا يمكننا أنّ نسكت أبدا عن كلّ داعرة ترفضها مدينتها.. لتجد هنا المال والدّلال، فأناشدكما بالدّخول لمعمعة الرّفض المطلق.. لكلّ من تسوّل لها نفسها وتريد تلطيخ المدينة وتلطيخ نفسها.. الملطّخة أصلا.. ولا سيما سعديّة.. لأنّها أفسدت ملامح الشّرف في حيّنا بالدّرجة الأولى، ولما أعطاني الكلمة أردت أن أقول له: نحن أتينا من البادية من أجل الدّراسة وليس من أجل التّجسّس على خليقة الرّب، فتراجعت وقلت له: يا عمّي السّايح أنت محقّ.. ومن رفض بؤرة الانحلال ما ظلم.. وما طالب بالمحال، لكن عطلة الخريف على الأبواب.. وبعد العودة ستسمع منّا ما يرضيك، فابتسم وصبّ لي فنجان، وبعد الغد بارحنا المدينة ككلّ الطّلبة، وتركنا إعداديتنا خاليّة على عروشها.. المصري في منامته وسعديّة في طبيعتها وطقوسها تتحدّى الحجر.. والسّايح في غيضه وسخطه، قضينا أسبوعا متحرّرين من عناء الدّروس وعيشة اللمجة الباردة، وهراء المصري وتخطيط السّايح وفتنة سعدية وتردّدها على بابنا ورأفتها بنا ومحبّتها الخالية التّخوم، وجدنا ضالتنا بين مطارة الشّحارير وأسراب الڨلال وبين القطيع والسّخال، ومرّ الأسبوع بعجل وعدنا إلى المدينة الهادئة، ومع بضع أمتار رأينا سيارات متراصفة.. مجلجلة بأبواقها بمناكب بيت عمّي السّايح، وطلقات البارود والزّغاريد، وصوت ذلك الشّاب النّايلي (يا البيت لي حطّيت ما تديري نار ..خرّجو تركيّة ترڨص نبرا من لضرار )، جفّال غير مكترث، أمّا أنا فقد أعطيته الحقيبة ولويت إلى الزّقاق لأسأل بفضول عن العرس الذي تصورته لابنة السايح أو ابنه، فأنبأني ذلك الشيخ الطّاعن بأنّ العرس للحاج السّايح ذاته.. ألف مبارك والعروس من المدينة أم من الضّواحي يا عمّي؟ فأجابني متعجّبا.. يا ولدي من أيّام كان يشكو منها ويحرّض عنها ويطالب برحيلها وسمعت بأنّه قدّم شكوى للأمن بأمرها.. واليوم ها هو يتّخذها زوجة ثانية.. غادرته مندهشا أكثر منه ورأيت باب سعديّة الخارجي مغلقا بأحكام.. وشارعنا الكبير كلّه هدوء وسكينة.


سعدي صبّاح

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 24 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : 2018-08-06



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
ندوة وطنية بعنوان معركة باريس حلقة مشرقة من ثورة التحرير الجزائرية
بقلم : عبد الرحمن جرفاوي
ندوة وطنية بعنوان معركة باريس حلقة مشرقة من ثورة التحرير الجزائرية


قراءة أدبية في رواية { رياح القدر }
الشاعرة : سليمة مليزي
قراءة أدبية في رواية { رياح القدر }


الشاعرة اللبنانية نور جعفر حيدر تستلم جائزة سعيد فياض للإبداع الشعري في دورتها ال15
عن : أصوات الشمال
الشاعرة اللبنانية نور جعفر حيدر تستلم جائزة سعيد فياض للإبداع الشعري في دورتها ال15


نحن والدراسات الثقافية
الدكتور : وليد بوعديلة
نحن والدراسات الثقافية


تحْتَ وَطأةِ المَآسِي..تمُوتُ الأحْلاَمُ..!! /الحلقة الثاني..02
بقلم : محمد الصغير داسه
               تحْتَ وَطأةِ المَآسِي..تمُوتُ الأحْلاَمُ..!!          /الحلقة الثاني..02


نظرة إلى المرأة.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                                نظرة إلى المرأة.


قد زارني طيف الحبيب
بقلم : رشيدة بوخشة
قد  زارني طيف الحبيب


الذوق الجمالي فلسفة تستمد قيمتها من الذات
بقلم : أ/ فضيلة عبدالكريم
الذوق الجمالي فلسفة  تستمد قيمتها من الذات


إنّ كيدكنّ عظيم.
بقلم : علاء الأديب
إنّ كيدكنّ عظيم.


البسكري الذي قتله فضوله
موضوع : الأستاذ الطاهر جمعي
البسكري الذي قتله فضوله




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com