أصوات الشمال
الأربعاء 8 رمضان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * سنن اللون في قصيدة لمحمود درويش   * التخلف ومتلازمة القهر   * بيت الشعر يجمع شعراء الأغواط في أربعينية شهداء الطائرة العسكرية   * في بيوت الله تسفك الدماء..    * نهاية وسائل الإعلام   * اَلْقُدْسُ تَبْكِي وَنَارُ الْحُزْنِ تَشْطُرُهَا الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم   * مخطوطة الشيخ الطيب عيلان ذات قيمة علمية و العائلة تطالب باسترجاعها   * وعدة سيدي محمد السايح ببريان ولاية غرداية تسامح و تأخي و تضامن.   * اللسانيات التطبيقية؛ الرهانات والتطبيق في الدرس اللساني العربي( يوم دراسي بجامعة باجي مختار-عنابة-)   * يا قدسُ    * فـلسطــــــــــين   * "تسبيحة عشق"   * عناوين زائفة تُرفع للاسترزاق و لخداع الناس    * قراءة نقدية لقصة " عقدة " للكاتب: جمال الدين خنفري بقلم الناقد: مجيد زبيدي   * الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقــــــة يُقدم كتاب«الرواية والاستنارة»للدكتور جابر عصفور   * يتيمة الجزائر... الجامعة الجزائرية   * لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة-02-   * .. برزت إلى السطح ، وفرضت سطوتها   * أكثر مساهم في تأليف قاموس «أكسفورد» الإنجليزي «مجنون»!!   * الى سميح القاسم في ذكرى ميلاده     أرسل مشاركتك
قراءة في كتاب "الإنسان وانسجام الكون - سميائيات الحكي الشعبي"
بقلم : محسن المحمدي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 388 مرة ]
رُشِّح الكتاب لجائزة الشيخ زايد القائمة الطويلة لفرع الفنون والدراسا

يقدم كتاب"الإنسان وانسجام الكون- سميائيات الحكي الشعبي " لمؤلفه محمد حجو، تحليلاً أدبياً وفنياً واجتماعياً ونفسياً، للحكايات الشعبية في الثقافة الشعبية العربية، مستعيناً بعدد من النظريات والمناهج العالمية والطرائق السيميائية العالمية التي تهتم بتفكيك الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية . فالباحث يزاوج بين طرائق السميائيات والتحليل النفسي، ويوظف تحليل ستراوس للأساطير. كما يهتم بـ" النظرية الغريمازية "، بهدف تقديم دراسة علمية وأدبية للحكي الشعبي، قل ما نعثر عليها في الثقافة العربية المعاصرة.

بطاقة تعريفية بالكتاب :

عنوان الكتاب : الإنسان وانسجام الكون / سيمائيات الحكي الشعبي
المؤلف: محمد حجو
الطبعة : الأولى 2102
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الأمان، منشورات الإختلاف
الصفحات: 723 صفحة

بطاقة تعريفية بصاحب الكتاب :
الدكتور محمد حجو، أستاذ باحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط - أكدال. أستاذ التعليم العالي، متخصص في السميائيات وتحليل الخطاب. حاز على دكتوراه في علوم اللغة من جامعة تولوز في فرنسا (1988) ودكتوراه في الآداب من جامعة القاضي عياض في مراكش (2002) كما حاز على شهادة في علوم الموسيقى من المعهد الوطني للموسيقى (2006) في الرباط أقام مجموعة من المعارض في الفنون التشكيلية منذ وشارك في ندوات دولية في بولونيا وإيطاليا وفرنسا والصين.

بعض مؤلفاته:
وهلم شرا 1994 رواية
الانسان وانسجام الكون: سيميائيات الحكي الشعبي 2012 كتاب نقدي
دروس في الحب والسعادة 2016 رواية
ربما سوف يكون 2017 مجموعة قصصية
شاي ونعناع .. وربما 2018 ديوان شعري

تقديم الكتاب:
قسم الكتاب إلى ثلاث أبواب هي : الباب الأول "المتن أو الحكي والبيئة" ويضم:
الفصل الأول : مجال تجميع المتن، الفصل الثاني : ترجمة المتن، الفصل الثالث : النص الشفوي المكتوب. أما الباب الثاني فهو : "حكاية الحكايات أو لذة القص" ويضم: الفصل الأول : البناء السردي، الفصل الثاني : البناء الفكري، الفصل الثالث : الزمكان. وأما الباب الثالث والأخير فجاء بعنوان "حكاية الناس أو لذة المعرفة" ويضم الفصل الأول : الإنسان ومسار التعلم، الفصل الثاني : الإنسان والقيم، الفصل الثالث : الإنسان والطبيعة .
أهمية الكتاب:

تكمن أهمية الكتاب، في قدرته على سبر أغوار نصوص تنتمي إلى نوع أدبي لطالما عانى من التقصير والإهمال، إنها الحكاية الشعبية، التي ظلت تعاني من الإقصاء والتهميش، فكان هذا الكتاب محاولة لدراستها دراسة سميائية، للبرهنة على تقديمها لقدر كبير من الانسجام والتلاؤم للإنسان الذي يبحث عن نفسه في عالمها، وباختزانها واختزالها لتاريخه الرمزي وحياته الانفعالية يُخلق، لتبعثه عبر لحظات الحكي التي تربطه بإحساس الطفولة وحلم الخلود .

منهجية البحث :
اعتمد المؤلف في بحثه على منهجية تطبيقية، بعيدة كل البعد عن التنظير والاطناب
فيه، منهجية تجعل القارئ يتلذذ بالقراءة ولا يمل منها، عكس الكتب التنظيرية التي ترهق قارئها بكثرة النظريات والمفاهيم والمصطلحات، هاته الأخيرة التي نراها متجلية داخل التحليلات التي قام بها لكل حكاية. ثم إن المؤلف يجعل لكل محور يريد مناقشة مقولة تسبقه، تختزن وتختزل مجمل ما سيأتي بعدها، وكأن هذا الأخير شرح لها .

الإشكالية العامة :
تتمثل في كيفية استفادة الأدب الشفهي من التدوين، وطرائق ومناهج الاشتغال على
نصوصه، لتبيان القدر الكبير من الانسجام والتلاؤم الذي تقدمه للإنسان في علاقته مع الكون ؟ .

مقدمة الكتاب :
يبدأ المؤلف كتابه "الإنسان وانسجام الكون" بمقدمة وتمهيد عام، جعلهما خريطة طريق لكل متلق، وكتذوق أولي يعرف متلقي الكتاب بمذاق مجمله. فقد أبرز فيهما أهمية الحكي الشعبي وأفضليته، كونه يعبر عما هو شمولي كوني وعام في علاقة الإنسان كذات عاقلة بالوجود. ونظرا لفظاعة الفقر الذي تعاني منه مكتبة الأدب إذ على مستوى التوثيق أو على مستوى الدراسة والتحليل، فقد شكل ذلك لدى المؤلف - بالإضافة إلى حبه لهذا المجال – حافزا لدخول غماره، ونفض غبار التهميش والإهمال عنه. فكان كتابه دراسة سميائية نفسية لبعض الحكايات الشعبية، كان تجميعها من صاحب الكتاب نفسه .

قراءة في العنوان :
يقال "الكتاب يقرأ من عنوانه"، ويقال "من ألف كتابا فقد عرض عقله على الناس"، فلا غرابة إذا قلنا إن عنوان الكتاب هو عرض لعقل الكتاب، وعنوان الكتاب هنا هو "الإنسان وانسجام الكون، سميائية الحكي الشعبي"، فمن خلاله يمكن أن نصدر أفق توقع لما سيناقشه الكتاب، ربما سنصاب بدهشة لاتساع المسافة الجمالية بين ما توقعناه، وبين ما يوجد بالكتاب، أو ربما ستتقلص لتطابقهما. كلنا يعلم مفهوم السيميائيات الذي هو "علم دراسة العلامات داخل الحياة الإجتماعية" وكلنا أيضا يعلم بأن "الحكي الشعبي هو حكي ينتمي للأدب الشفهي، يتناقله الناس عن طريق الرواية الشفهية منذ القدم، إذن فالكتاب سيقدم لنا تحليلا سميائيا لهذا الحكي، لكن ما علاقة التحليل بالإنسان وانسجامه مع الكون ؟؟
يثير العنوان تساؤلات لا نجد لها إجابات إلا مع نهاية العمل، لذلك سنقوم بعرض أبرز القضايا المعروضة في الكتاب، حتى نتمكن من الإجابة عن أسئلتنا .

الباب الأول : المتن أو الحكي والبيئة
مجال تجميع المتن :
يناقش المؤلف هنا المجال التاريخي والجغرافي للمتن الحكائي الذي اعتمده في مؤلفه، فهو يحدثنا عن موطن هذا المتن والذي هو قبيلة بني مسارة، هاته القبيلة التي تقع غرب مدينة وزان، والتي تقدر مساحتها بخمسة آلاف كلم مربع، ونظرا لغياب وثائق وملفات تاريخية تؤرخ لهاته القبيلة وعن طرق عيشها قديما، فقد وجد المؤلف في الحكايات معوضا لتلك الوثائق، فالأدب الشفهي يرتبط بالبيئة التي ولدته، ولذلك فهو يؤرخ لهذه البيئة بشكل من الأشكال، فهي تشكل جغرافيا من كلام، لم تمنعها تضاريس الأرض والزمان والسياسة من الذيوع والتناسل، فخريطة الحكاية الشعبية هي خريطة الأرض كلها، وتاريخها يرتبط بتاريخ الحروف منذ ولدت على لسان وشفاه الإنسان.
وانطلاقا من كون الرواة العنصر الأساس في تخليد الحكايات وإمدادها بالحياة عبر سائر العصور والأقطار، فإن المؤلف أولاهم اهتماما كبيرا، فعلى عكس الأخوين غريم والرومنسيين ورواد المدرسة الفنلندية الذين اعتبرو أن الشعب لا ينتج وإنما يكتفي بإعادة الإنتاج، فإن محمد حجو يرى عكس ذلك، فالحكايا في نظره مثل بقع الزيت المنتشرة تبقى ماثلة لا تمحى من الذاكرة الجماعية، وكامنة في ملكة الرواة تنتظر فرصة الانبعاث من جديد، وهاته الملكة ليست في متناول كل الناس، فهناك أناس محبوبين ومرغوبين أكثر من غيرهم، فللشفهية متطلباتها. فضلا عن كون راوي الخرافة مبدعا لها وللحظة الحكي بأسلوبه الذي يميزه عن راو سابق أو لاحق له.
وانطلاقا مما سبق يقدم لنا المؤلف رواة متنه، حيث نجدهم تسعة، ست نساء، وثلاثة رجال وهم كالآتي :
القيسية : روت له تسع حكايات وهي :
هيبة، احديدان، القنفذ والذئب، العنزة والذئب، عرس الكلبة، زوجة الغول، ابن السلطان، الأولاد السبعة، الزوجة الغادرة.
القشرينية : روت له خمس حكايات وهي :
الحمار والذئب، الغولة، عائشة الرمادة، هيبة، الرطل ونصف الرطل.
عائشة : حكت له اثنتي عشرة حكاية وهي :
اليمامة والذئب، علي يغزل، الحمار والذئب، العنزة والذئب، الغولة، حكاية اللقلق، احديدان، البومة والنملة ضرتان، حكاية الموت، حكاية الغراب، حكاية يوم المعزة، النبي والغنم والماعز.
منانة : حكت له ست حكايات وهي :
هيبة، ذو العينين الزرقاويين، الأخوين المتشابهان، الغربال، الغولة، الأرملة وأبناؤها السبعة.
الزواقية : حكت له حكايتان هما : احديدان، الحمار والذئب.
مليكة : حكت له حكاية وهي : لونجة بنت السبعة أغوال.
علي بن عمر : حكى له ست حكايات وهي : مائة صاحب وصويحب، المقتاد، الإبن الوحيد، الخاتم السحري، عنقود الدم، الزوجة المتنكرة.
عبد السلام الديب : حكى له أربع حكايات وهي :
الإخوان أحمد، الفقير، التاجر والتويجر، علي الحشاش.
محمد بلحاج : حكى له تسع حكايات وهي :
ابن الغني، بنت السلطان، الصديقان، جحا الجبل وجحا الغرب، مساعدة الأعمى، الأعمى، الماكر في دار العميان، القاضي العادل 0. القاضي العادل 2
بعد الانتهاء من هذا المحور يطرح المؤلف تساؤلا افتتاحيا للمحور الذي يليه وهو : متى وأين يكون الحكي ؟؟
ينطلق المؤلف هنا من مقولة لعبد الفتاح كيليطو "موطن الخرافة هو الليل" ليتساءل من خلالها مع متلقي الكتاب : ما الذي يمنع الحكي النهاري ؟
يعزو الأستاذ محمد حجو هذا الرفض إلى "العمل"، فبما أن الحكاية الشعبية تحيى في الأوساط القروية، أي في مجمع زراعي بالدرجة الأولى، ولكون الزراعة عمل مشرب بملامح المقدس، فإن نظرة الناس إليه كانت نظرة مقدسة، فهي التي تكمن وراء التحريم، وذلك لإبراز قيمة العمل بالنسبة للطفل.
إضافة إلى ذلك فالحكايات لا تحكى إلا في فصل معين، فالحكي ليس مطلقا على
عواهنه، فكما تختلف طرق السرد تختلف مواعده، وفي البيئة التي أخد منها المؤلف حكاياته ترتبط ظروف الحكي بظروف العيش وطبيعة الأرض، وهكذا يمارس الحكي في الشتاء وفي نهايات فصل الصيف وبدايات الخريف، فهاتان الفترتان هما فترتا بطالة وفراغ، ليس هناك ما يشغل الناس، ففي فصل الشتاء يكون قرويو الجبال قد أنهو حرث أرضهم، وفي نهاية الصيف وبداية الخريف يكون موسم الحصاد قد انتهى وخزنت الغلات.
يضيف المؤلف تساؤلاته ، فيتساءل ما نوع الحكايات التي تحكى في كل فترة ؟
يجيبنا المؤلف :
المرحلة الشتوية : تحكى في هاته المرحلة حكايات الأطفال، أي حكايا الحيوان o
والأغوال، وهي حكايات تتميز بالقلق والخوف اللذين يرافقان عملية الحكي، وهي
حكايات تتناسب في موضوعاتها مع طبيعة المرحلة الشتوية مرحلة القلق والانتظار.
وهي فترة تقابل اللاشعور البشري بطابعه الخفي ولذلك فلا غرابة أن يعبر الأدب
الشفهي عن ناسه وعن حياتهم لأن قلق الحكايات في النهاية ما هو إلا قلق الإنسان .
مرحلة نهاية الصيف وبداية الخريف : الطابع الغالب على هاته الفترة هو انتظار o
الأمطار لبدء عملية الحرث لكنه انتظار لا يصحبه قلق كقلق الشتاء، لأن الخزائن
تكون مملوءة بالغلات، والحب لم يزرع بعد وعليه فإن الناس تغلب عليهم البهجة
والحيوية، وتتميز أيضا هاته الفترة بكونها موسما للتزاوج، حيث تعم الأفراح وتنشط تجارة لوازم الاحتفال، ويطغى على العموم شعور جميل بالذات ورغبة قوية في الحياة. وهكذا ينطبع حكي هذه المرحلة بالهزل والسخرية، فتكون الحكايات مرحة خفيفة في معظمها، وهي حكايات رجال لا تحكيها النساء.

من الشفوي إلى الكتابة :
السائل / المتجمد - صورة المنطوق / المكتوب :
يشبه المؤلف الحكاية الشعبية بالكائن الدائم الترحال الذي لا يسكن بيتا إلا غادره، يتلونة بطبائع الناس والشعوب التي تستقبله، يتقمص قيمها الجمالية والأخلاقية، بحيث يبدو هذا التجوال كسائل لا يستقر على حال ولا يأخد صورة نهائية، ولهذا فإن نقله إلى الكتابة بمثابة تجميد له.
لكن يتساءل المؤلف : كيف ننقل حركة من مقام الفرجة إلى بياض الورق؟؟
وكيف نترجم إشارة ومعناها ؟
إن خصائص الكلام ليست هي خصائص الكتابة، فمهما بلغت أساليب النسخ والكتابة
من دقة وتحرز فإنها تبقى بعيدة إلى حد ما عن الوفاء للنص الشفهي . وهذا مايطرح حسب المؤلف إشكالا يكاد يصير ورطة، فقد يؤذي التدوين إلى تحوير أو تحريف.
لكن حسب المؤلف فكل ما على المترجم فعله هو كما قال فريدريش فون ديرلاين بأنما يجب فعله "هو التزام سماتها الصادقة" .

-2 من العامية إلى الفصحى :
تحويل السائل المتجمد / صورة الصورة :
إذا كان نقل الحكاية من الشفوي إلى الكتابة يمثل عملا من الدرجة الأولى فإن نقلها من العامية إلى الفصحى يمثل عملا من الدرجة الثانية، وإذا كان في الأول قد اعتمد رسم الأصوات فإن في العمل الثاني سيعتمد إعادة رسم ما رسم، أي سيحاول إعادة تحويل السائل المتجمد، لكن إذا كان الأمر هكذا في الترجمة فكيف يكون في المعنى ؟
يتساءل المؤلف، إذا كانت الطريق إلى المعنى رهينة باستحضار السياق بكل حيثياته
الممكنة، النفسية والاجتماعية والثقافية، فكيف يكون الأمر بنصوص منثورة في العالم ؟ منحوتة من ليل لا شعور البشرية عبر الزمن وليس التاريخ .. وإذا كان في وقتنا الراهن الاشتغال على نصوص متحركة في الصورة، كأن يصور مشهد الراوي، صوتا وصورة مع جمهوره ويكون متنا لأطروحة لا تغفل قطرة من فرجة ليس ممكنا فإن الممكن هو حركة الكلام فوق الورق، وحركة الذهن في اللغة، وحركة الخيال منتشرة بينهما .

-3 من الوفاء إلى الخيانة :
تداول السيولة :
يحاول المؤلف الإجابة في هذا الشق عن سؤال مفاده : كيف يتم الوفاء في تمرير
السائل من نظام لغوي إلى نظام آخر ؟ فالإنسان دائما في بحثه عن المعنى يعوض العالم بالصورة الجامدة و المتحركة، فهذا التعويض إذن ترجمة، والترجمة لا تعني ترجمة قائمة كلماته، بل إن الاشتغال يكون على ما تنضح به العلائق والأسيقة والأنساق ويتواشج في الذات من انطباعات، فبالرغم من كون الترجمة خيانة إلا أنه لا يمكن الإنكار أن لغاتنا سنن وقوانين فنحن نصف الاشياء بالكلمات والأرقام أو الصورة في حين أن ما نصفه من لحم ودم وحركة.. وبهذا فلترجمة نص لا بد من قراءته ثم محاولة فهمه وتحليله وبعد ذلك صياغته في لغة أخرى .. لكن مع كل هذا فلا ينبغي الحديث عن وفاء الترجمة لأنه لا يمكن تحقيقها ..

حركة الصورة :
يستجلي المؤلف هنا بعض ملامح تاريخ المجال الدلالي لبنية لغوية معينة، وما يمكن أن تطرحه من عوائق، وما تتطلبه من تأويل عند الترجمة، كي لا يزيغ بها عن محتواها الذي ليس وليد النص فقط، وإنما هو مجموع رحلتها في تاريخها الخاص، واستحضار هذا التاريخ في الفعل الترجمي هو ما اعتبره المؤلف جمالية أو متعة خيانة الأصل للنسخة، لأن البنية المبدعة في النسخة قد تقع في النفس موقعا أحسن من الأصل، فنفضل الترجمة على الأصل، ويقدم لنا أمثلة على ذلك، ففي حكاية مساعدة الأعمى، يقول الأعمى يا لسعادتي الزوجة والفرس والخرج لا أدري بعد ما بداخله، ف يالساعدتي هي ترجمة لعبارة بالدارجة تقول : آبياضي. يسائلنا الكاتب من أين هذا التقابل بين البياض والسعادة ؟
يجيبنا بأن ضد البياض السواد، والبياض يساوي السعادة عكس السواد الشقاء، ففي
البيئة التي جمع منها الحكاية تقال عبارة "نهار بياضي" للتعبير عن الفرحة أو السعادة، ويقال للشكوى وسوء الحظ "عمري ما شفت نهار بياضي" أو "ليام كحالت" .

النص الشفوي المكتوب
-1 لعبة المفارقة :
الأكمد والشفاف :
يقدم لنا المؤلف هذا الشق من خلال سؤال تمثيلي هو " هل يستطيع المترجم الكاتب أن يصوغ عوالم الحكاية الشعبية –التي هي عوالم رملية تتغير معالمها باستمرار- في نصوص نهائية كما يصوغ الصانع الرمل أواني زجاجية ؟ وإذا قبلنا من الصانع الآنية الرملية الزجاجية كنص، فهل نقبل من المترجم الناسخ الحكاية الشفوية المكتوبة كنص، علما أن من محددات النص نسبة القول إلى مؤلف معترف بقيمته، أي مؤلف يجوز أن تصدر عنه نصوص .. لكن هذا الكلام حسب المؤلف لا يمنع من الحديث عن نص شفهي، ينتشر بين الناس دون أن يستند إلى مؤلف معين، لأنه بالإضافة إلى مدلوله اللغوي يحمل مدلولا ثقافيا يمنحه قيمة داخل بيئته الثقافية، وهذا هو ما يجعله يتميز عن اللانص، فانطلاقا من هذا فالمؤلف يجعل محور حديثه حول مفهوم النص الشفوي عوضا عن السؤال عن الحكاية الشعبية هل هي نص أم لا، فالحكاية الشعبية حسبه نص أدبي وجنس أدبي يتميز مبنى ومعنى عن كل الأجناس الأدبية الأخرى بارتباطه المتجذر بالإنسانية منذ القدم، مذ كان الإنسان يكلم الأحجار والأطيار والأشجار والحيوانات .. ومن هنا يتساءل المؤلف هل يفقد
النص الشفوي شفافيته المتشربة بالحياة وبموقف الإنسان منها وفيها وإحساسه بها، حالما ينسخ إلى الورق؟ وهل يصبح نصا أكمد قاصرا عن الإشارة إلى امتداداته الخرافية والأسطورية والشعرية .. بكل ما تحمله من عبق روحي أزلي ؟
يقدم لنا الجوابا من خلال حكاية "الغولة" للاستدلال على أن للعبور من الشفهي العامي إلى المكتوب الفصيح لا يفقد النصوص الحكائية شفافيتها الشفوية، وليس هذا فحسب، بل يزودها بنفس جديد لتتفتح دائرة تأويلها على عوالم أخرى، فما دام الفن إذن والفكر يتداولان بعيدا عن التحنيط والقداسة، بحيث تبقى النصوص الكمداء هي النصوص التي تصيبها لعنة التقديس.

حروف الشفاه وحروف الورق :
يحدثنا المؤلف هنا عن لعبة المفارقة بين حروف الشفاه وحروف الورق، ويعطينا
الفرق بينهما، فالأولى كإشارة الموسيقى لا يكون لها أثرا في نفوسنا إلا وهي صائتة، حيث إن معناها في حياتها معزوفة، أما الثانية كإشارة الرسم، إذ يمكننا قراءة الصورة المرسومة بالعين، فينطبع في ذهننا ووجداننا ما ينطبع مغلفا بالصمت. وهاته اللعبة تتجلى أيضا في حالة الاستيلاب التي يعيشها جمهور الراوي أثناء الحكي، حيث تبقى الأذهان مشرئبة متطلعة إلى ما سيحدث، بخلاف حالة الاستلاب الفردي لقارئ الحكاية المكتوبة التي تخلو من كل احتفالية، لأنها حالة تفتقر للمشاركة، وهذا لا يعني الإشارة إلى العيوب وإنما هو إلحاح على الخصوصيات الدالة على الطابع الثنائي المفارق لحكاياتنا المدونة، لأنها نصوص كانت تحيا هائمة على شفاه الناس/الشعب. وعلى العكس من ذلك فإن النص
المكتوب له أب معلوم، ولا يعرض نفسه إلا على الذين ينتسبون إليه، فهو أرستوقراطي، بينما النص الشفوي ديموقراطي.
ليختم المؤلف هذا الشق بتساؤل فيه من المعنى ما فيه " هل ستغادر حكاياتنا حروف
الشفاه لتركب حروف الورق لمجرد أن تصير أرستقراطية ؟ أم لتعلم الأرستقراطيين عوالم رحبة عن الديمقراطية ؟ .

هوية النص / هوية الناس :
الذاكرة الموشومة :
يطرح المؤلف في هذا الشق مشكلة الهوية، هوية النص في علاقته بالناس، أي ما هي هوية النص الحكائي الشفهي المكتوب ؟ هل هو نص شعبي شفهي أم هو نص ينتمي إلى مجال الكتابة النخبوية لمجرد أنه دون واستنسخ وترجم إلى لغة الكتابة ؟
يجيبنا المؤلف بأن هوية النص لا تنفصل عن هوية الناسخ، لأن النصوص أنماط كما هم الناس أنماط، فكما يتشكل وجدان الناس وبنياتهم الذهنية أفرادا وجماعات في سيرورة الزمان وصيرورة التاريخ، تتشكل ذاكرة النصوص وبنياتها التركيبية والدلالية في تواشج مستمر مع حركة الإنسان في التاريخ والجغرافيا .. وعليه فالحديث عن هوية النص هو باختصار حديث عن ذاكرة الناس، أي تراثهم.


الذاكرة المثقوبة :
يشبه المؤلف عملية البحث في الحكايات الشعبية التي سقطت إلى النسيان وسالت من ثقوب الذاكرة بعملية تنميق الحرفي الهاوي الذي يجمع بين أجزاء تبدو للوهلة الأولى متنافرة وبعيدة عن أن تنسجم في عمل واحد، ولكنه بأناته وترويه، يتوصل إلى مكامن تلاقيها، فيمزج ويصهر دون أن تفقد الأجزاء طبيعتها، فكذلك الحكايات غالبا ما يكون لها أصل واحد ومنبع واحد، وهوية واحدة .
الهوية الشفوية كضرورة حقيقة من كلام
في هذا الشق يتحدث المؤلف عن الهوية الشفوية للنص كهوية للناس، وكحقيقة لهم،
ومن هنا يعطي الأهمية لأخد الحكايات من أفواه الرواة، لأنها الوسيلة الوحيدة لمرافقتها وهي تولد وتنمو وتكتمل عبر لغتها الأم، بمواطن جمالها وخشونتها، وسوقيتها أحيانا، وكثرة التكرار لبعض الصيغ والعبارات، وقد أعطى مثالين من خلال حكاية اللقلق والبومة.

صداق من كذب لبنت السلطان
مثنى بصيغة الجمع :
قام المؤلف بدراسة للحكاية السابقة من خلال المستوى الصوتي والصرفي والتركيبي والأسلوبي .. كل هذا ليقرب القارئ من قضية الترجمة من الشفوي العامي إلى الكتابة الفصيحة، والتركيز على ضرورة إيلاء العناية لظواهر الشفهية، لكي نعرف على ماذا ترتكز ذاكرة الحكاية المكتوبة المترجمة، وكيف تعبر الهوية الشفوية من الكلام المتلفظ إلى الكلام المدون ..

الباب الثاني : حكاية الحكايات أو لذة القص
البناء السردي:

طبق المؤلف في هذا الفصل النظرية السميائية الغريماصية على ثلاث حكايات، هن
على التوالي : مساعدة الأعمى، الخاتم السحري، مائة صاحب وصويحب. فقد قارب الأولى من خلال مقولة "حقيقة ضد زيف" بناء على تمفصلات المربع السميائي، ليؤسس الحقيقة الجوهرية للحكي، وقد وقف أيضا في هذه الحكاية على ثلاث برامج سردية هي : البرنامج السردي للعامل المساعد )الزوجة( وسماه ب"مساعدة الأعمى" والبرنامج السردي للعامل المعاكس (الأعمى) وسماه ب"الجحود" والبرنامج الخاص بالرجل وزوجته وسماه ب"زيارة الأهل" ولكي لا يسقط في التكرار فقد بنى برنامجا سرديا موحدا من خلاله بنى مكوناته الأربع التي هي (التحريك، الأهلية، الإنجاز، الجزاء.)
أما حكاية الخاتم السحري فقد قسمها إلى قسمين، قسم خاص بالإرث وقسم خاص
بالزواج، ولغنى هاته الحكاية بالبرامج السردية فقد وقف المؤلف عليها بالتدرج بدءا
ببرنامج المرسل (الوصية) ثم البرنامج المزدوج (ديك بمائة مثقال)، أيضا برنامج البطل (الزواج ببنت السلطان) وأخيرا برنامج العامل المعاكس (سرقة الخاتم) .
أما فيما يخص الحكاية الثالثة فبدورها لم تسلم من المقاربة السردية، إذ تحفل بمجموعة من البرامج السردية المهمة، كبرنامج العامل المعاكس وبرنامج البطل.
البناء الفكري هنا يعيد المؤلف بناء ما تم تفكيكه في المقاربة السردية، إذ ما بعد المستوى السردي يبدأ العالم، أي أنظمة أخرى (اجتماعية، اقتصادية، إيديولوجية) لم تعد مضامينها سرودا فقط، بل مادة أخرى (أحداث تاريخية، تعريفات، تصرفات، وهلم جرا ..)، وفي هذا البناء الفكري يترجم المؤلف مضمون كل حكاية في مثل شعبي والخلفية الايديولوجية الكامنة وراء كل واحدة، والتي اتحدت فيما بينها لتعطي الرجل صفة الحكمة والمرأة صفة العاطفة، فحكاية مساعدة الأعمى جعل لها مثل "ما تدير خير ما يطرا باس" وفي هذه الحكاية يستنبط المؤلف الايديولوجية المخفية وراء الحكاية، فالخط الإيديولوجي للحكاية لا يحيل على صراع بين الأعمى من جهة والزوجين من جهة أخرى، وإنما بين الزوج والزوجة، الرجل والمرأة، فترد للمرأة الشفقة وللرجل الحكمة .
أما الحكاية الثانية "مائة صاحب وصويحب" فقد جعل لها مثل " الرفيق قبل الطريق" وقد جعل لهذه الحكاية ثلاث محطات، محطة تغطي في النص ما قبل استضافة العطار، والثانية تمتد إلى لحضة خروج الزوجة عند الرجلين، وتغطي الأخيرة ما بقي، الأولى أطلق عليها المؤلف زمن الانسجام، والثانية زمن التنافر، والأخيرة زمن العودة إلى الانسجام، وإذا كانت المرأة في الحكاية الأولى تتصرف بدافع الشفقة ففي هذه الحكاية تتصرف بضعف إزاء العادة وما هو سائد، ولكن مع ذلك فتصرفها ليس بعيدا عن الشفقة، والشفقة هي التي تسبب في فقدان زمن الانسجام.
أما الحكاية الثالثة "الخاتم السحري" فقد جعل لها المؤلف مثل "ليس كل ما يلمع ذهبا"، فبدورها عاشت الحكاية ثلاث أزمنة هي : زمن الانسجام، زمن التنافر، زمن الرجوع للانسجام، وقد رد المؤلف سبب الانزلاق من زمن الانسجام إلى الزوجة = المرأة، فبالرغم من كون اليهودي السبب في زرع البلبلة في حياة الزوجين إلا أن المرأة هي السبب الرئيس فهي تفقد العقل حينما يتعلق الأمر بالحلي والذهب والحال أن ليس كل ما يلمع ذهب. ينهي المؤلف هذا الشق بتركيب جامع لما تقدم، ليستمع ويسمعنا من خلاله إلى الذاكرة الشعبية من جديد، من خلال قصة خلق آدم، وانخداع حواء بأوهام إبليس، فاليهودي والعطار والأعمى يمثلون بالنسبة لكل زوجين على التوالي ما يمثله إبليس لآدم وحواء.

الزمكان :
يستهل المؤلف هذا الفصل بالحديث عن مفهوما الزمان والمكان، عن الزمان في السردومستوياته الثلاثة ) الزمن المحكي، زمن المحكي، زمن الحكي(، وعن المكان وتجلياته المتخيلة والغريبة والمجهولة، حيث يحقق البطل المهمات الصعبة التي فرضت عليه، حيث تدور مغامراته وصراعاته مع العدو.

الزمان :
الزمن الدائري :
يعتبر المؤلف زمن الحكاية هو زمن استعادة، زمن استحضار أناس غائبين وعوالم
طواها الزمان في ثناياه فيأتي الحكي لينشرها، ويلغي بذلك الزمن التعاقبي لنعيش نحن مع أولئك الناس وفي تلك العوالم، فكما يمر البطل في دورته السردية من زمن الانسجام إلى زمن اللاانسجام ليعود إلى زمن الانسجام، ننطلق نحن من نقطتنا الزمانية ونسافر في زمن الحكاية لنعود إلى منطقتنا محققين بذلك دورة زمنية كاملة. فالحكاية تربطنا مع ماضي جماعتنا ليس معرفة لما مضى بل لمعرفة ما سيأتي .

زمن خارج الزمان :
المستمع للحكايات يعيش زمانا كما لو كان بين قوسين فهو من خلال عملية الحكي
يخرج من الزمن المعتاد الذي يقاس بالذهن، إلى زمن آخر، إذ أن الزمن في الحكايات يجري، والأيام تمر، ليس هناك قياس ولا حساب، يضاف إلى ذلك أن الأشخاص فيها يعيشون ولا يشيخون وتستغرق رحلاتهم ومغامراتهم زمنا لا يقاس.

المكان :
يقدم لنا المؤلف هذا المحور من خلال ربط الأمكنة بعناصر البرنامج السردي، فالسوق جعله فضاء للأهلية كما في حكاية مائة صاحب وصويحب وحكاية ابن الغني والخاتم السحري، أما القصر فجعله فضاء لإننجاز كما في حكاية الخاتم السحري، أما السجن فجعله فضاء للجزاء، وقدم من خلاله نموذج حكاية مساعدة الأعمى. هذا فضلا عن بعض الأمكنة الأخرى التي جعل لها ما يقابلها كالطريق التي جعلها فضاء للبحث وقدم من خلالها نموذج حكاية مساعدة الأعمى وبنت السلطان والخاتم السحري ومائة صاحب وصويحب. أيضا عنان السماء الذي جعله فضاء ممنوعا وقدم من خلاله نموذج حكاية الخاتم السحري وفسر أيضا ذلك المنع بآيات من القرآن الكريم، أما الغابة فقد عدها فضاء للطبيعة أو الأنثى كونها غدت مآلا بالنسبة للأنثى، وما هروبها إليها سوى شكل من أشكال البحث عن عدالة في
الطبيعة لتعويض عدالة مفقودة في المجتمع .. أما الفضاء الأخير فهو العين والتي جعلها فضاء للثقافة كونها في الثقافة التقليدية اعتبرت رمزا للحياة ورمزت بصفة عامة إلى ما يتعلق بالبدء والأصل والعبقرية ..

كان يا ما كان :
كما تمارس المجتمعات طقوسا تخفيفية كمظهر من مظاهر الاحتفال، كطقس ملازم
للحضات الانفصال لتلطيف ألم الفرقة ووطأتها، فكذلك الحكايات يسودها هذا النوع من الطقوس، فالانفصال عن الزمن المعتاد يتم بواسطة صيغ خاصة، مثل "كان يا ما كان" أو "حجيتكم" فالراوي يجعل من هذا الطقس كتنويم مغناطيسي يهيئ عبره الجمهور نفسيا ووجدانيا للسفر عبر أدغال عالم الحكاية، وللطقس الافتتاحي طقس يناظره هو الطقس الاختتامي، فهما يشتركان في الدلالة الوظيفية.
ويفرق المؤلف في قانون البداية والنهاية بين الرجال والنساء، إذ يجد أن الرجال يعلنون بداية السرد بعبارات من المجال الديني كالصلاة على النبي، بينما النساء ينطقن حكيت لكم، التباين نفسه في الختام أيضا، الرجال يقولون رواها لنا أهل الجود، أما النساء فيقلن هنا تركتها وعدت إلى حال سبيلي، وقد لاحظ المؤلف أن حكي النساء يفتتح بالزمان ويختتم بالفضاء، فالراوية باستعمالها لعبارة البدء تدعو مستمعيها لمغادرة الزمن المألوف ليرافقنها إلى زمن غرائبي، وفي الختام "وهنا تركتها ... وكأن التلفظ لا يعني سواها بمعنى أن الراوية وحدها هي التي تعود من سفرها الحكائي بينما بقي المستمعون مكانهم، مادام قانون الختام لم يثر فيهم ما يجعلهم يردون عليه كما فعلو مع قانون البداية كما لو أنهم عاشوه خارجيا فقط. فهكذا إذن يبدأ التنقل الخيالي في الزمن وينتهي في المكان.

الباب الثالث : حكاية الناس أو لذة المعرفة
الفصل الأول : الانسان ومسار التعلم
يستهل الكاتب هذا الفصل بمقولة مبتغاها التأكيد على غنى الأدب الشعبي بتجاربه عبره، لأنه من المسلمات التي يستعين بها الانسان في مساره نحو التعلم في هذا الكون .
تمهيد :
يتوخي الكاتب في التمهيد على التأكيد أن النصوص الحكائية الشفوية ماكرة ببساطتها وسذاجتها بكل ما تقدمه للجوانب التعليمية المسارية بواسطة الرمز الإنساني أو الحيواني وذلك غاية تكريس أخلاق إيجابية للفرد والجماعة، وذلك بانتصار الشجاعة والشهامة والقناعة والصدق والذكاء .. ضد الجبن والطمع والغرور والرياء .. وإن لغة هذا الأدب إنما هي تعبير ومعاني عن وعي ونظم فكرية شاملة .. إذ تشكل الألفاظ مفاتيح يستعين بها القارئ لانتشاء مدينة التخيل العجيبة واستكناه نظمها .
إبراز النظر إلى الحكايات الشعبية واعتبارها نظما تقوم على زرع حياة الناس بقيم الخير والحق والجمال والإخاء .. في قالب سلس يعتمد على حصيلة توفيقية لمختلف تفاعلات الحياة النفسية لتمرير الدرس الأخلاقي اعتمادا على وسائط جمالية.. لهذا حظيت بالعناية والدراسة من قبل اتجاهات مدارس علم النفس مع فرويد ويونغ .
يضاف إلى هذا عمل الحلم من خلال مسارات التحويل والتحريف في تفسير الحكاية الخرافية كاستعمال الأسطورة بكل تجلياتها والخرافات والسير قصد إرضاء الرغبات اللاشعورية التي ترتبط بالمكبوت والممنوع في منظور فرويد .
وتذهب فون فراتنز بحكم اشتغالها مع يونغ أن بعض الحكايات تهدف إلى دمج ظل البطل، تارة قد يرمز له بمناوئ لأخيه البطل.. وتارة أخرى يحمل البطل ظله في ذاته سلبا كنقص التجربة .. لكن هذا المفهوم ليس دائما سلبيا إذ له جانبه الايجابي المتمثل في العوامل المساعدة كالصديق و الجن .. وكل هذا لأجل الوصول إلى الاتساق والانسجام في الشخصية في فهم الواقع والاحاطة به .
أيضا نجد الكاتب يستدل بكتاب جدلية الخفاء والتجلي لكمال أبو ديب إلى ميل الفكر الانساني ورغبته في تكوين أنساق معينة في كل ما يبدعه ليقف بذلك عند مفهوم النسق وانحلاله في العمل الأدبي يجعل العدد ثلاثة وسبعة محور مسارات توقعية في مجموعة من الحكايات، وتغلغل الرقمين في الفكر البشري والثقافة الشعبية على الخصوص، ليس بالشكل البسيط الهين، فتكرر العدد سبعة مرتبط بأشياء واقعية في الحياة وبتصورات ومعتقدات الناس. وهذا ما سيحاول الوقوف عنده من خلال ذلك الظل الملازم للإنسان بالنظر إلى النسق الثلاثي المتكرر في الحكي الشعبي من خلال ثلاث حكايات هي ابن الغني والعنزة والذئب و احديدان الحرامي .
حكمة بمائة مثقال :
في هذه الحكاية يشتري البطل ثلاث حكم، كل حكمة بمائة مثقال لهذا فهي ترتكز على فكرة النسق الثلاثي ولكل حركة توافق إحدى الحكم حركة موازية لها .
يخرج ابن الغني بطل الحكاية ثلاث مرات إلى السوق بنية الاتجار، لكنه في كل مرة يختار أن يدفع كل ماله مقابل سماعه حكمة فهو لم يكن خبيرا بأمور الدنيا بعد أن ورث مالا من أبيه الذي كان غنيا، لكنه بذره و لم يحسن التصرف فيه كل همه هو المعرفة وليس المال ..ولهذا يمكن النظر إلى خرجات البطل الثلاث بمثابة خروج أول من سكون العائلة وحمايتها إلى هرج الحياة وخصمها .والخروج الثاني كما عبر عنه فرويد يؤكد أن الهو كفيل بتزويد الأنا بالطاقة اللازمة والاستفادة منها واستعمالها على نحو بناء.
إن الخروج إلى الحياة هو بمثابة فضاء وجودي يثير الإحساس بارتداد الزمن فالخروج الحقيقي خروج يطبعه المرء بطابعه الخاص كما يطبع النحات الخشب و الراوي لغة الحكاية وغايتها .
وفي مسار تحقيق الذات يحصل البطل على عمل بعد موت ابوه وبدد ما ورثه عنه وغادر بيته و موت صاحبه الذي كان ينوي مساعدته وهو يراقبه في مدخل القصر وعفوه على اليهودي الذي ضبطه في مدخل القصر متخفيا في الصندوق التي تحمله العجوز اقتداءا بالحكمة التي اشتراها من بائع الحكم التي تقول كن عفوا عن المقدرة وهو عفو بمثابة برنامج سردي استعمالي شكل نسقا ثلاثيا من الحكمة الأولى إلى الحكمة الثالثة.

الخاسر والرابح :
يستلهم الكاتب الحكاية الشعبية عملا أدبيا تخيليا تطلق العنان للغة وتستعير الأقنعة والطرق الملتوية والانزياحات الكلامية تعبيرا في تقويم الخلل في استعارة بائع الحكم في السوق مقام الاب وغياب الام كملاذ تنوب عنها الزوجة التي يطمسها الحكي في طريقه لجزاء البطل بابنة السلطان فالحكايات الخرافية و الشعبية ما هي إلا تجسيد لمحاولات عميقة لفهم الوجود وبناء الرمزية لاكتناهه واكتناه المعضلات الأّساسية التي تواجه الإنسان فيه .
لهذا نجد في حكاية ابن الغني تجسد تصور فكرة لفكرة مغادرة البيت للعبور إلى سن الرشد الحقيقي من خلال ابراز اكتساب التجارب ودروس الحياة للوصول لهذا المبتغى المتمثل في إدراك سر المبادرة والمغامرة لتحقيق الذات والانتصار عن الخوف والركون. و التخلص من رابط البيت والقفز عن سياج قانون الأب كفيل في بناء الذات و العبور إلى عالم الرجال والرقي في المراتب الاجتماعية بالأساس .

قرنان من طين :
يستهل المؤلف دائما بمقولة مبتغاها حاجتنا إلى الخرافات والجانب الغامض فيها التي تستنبط من التأويلات، وتنفلت عن كل الرمزيات .
تقسم حكاية العنزة والذئب إلى منوعتين تنبنيان على العناصر نفسها وتتفقان في نوعية الشخوص الرئيسة وعددها العنزة والذئب وثلاثة جديان والحداد وتختلفان في العامل المساعد للحصول على الأهلية للقيام بالانجاز بالنسبة للذئب في اعتماده على نفسه من خلال محاكاته لصوت العنزة قصد غاية الاحتيال على الجديان وافتراسهم ويلجأ في المنوعة الثانية إلى النمل كي يغير له صوته فيصير أرق.
يضاف إلى هذا أن العنزة تكون حاذقة وتسبق الذئب إلى الحداد وتطلب منه أن يصنع لها قرنين من حديد وأن يصنع للذئب قرنان من طين. وتحتال عليه أيضا في المنوعة الثانية وتخضعه لثلاثة اختبارات لتضعف من قوته وتفوقه، وتضع جميع وسائل الانتصار في جانبها.
إن لحكاية المنوعة الأولى نسق ثلاثي تمثل من خلال الجديان الثلاثة ينجو أصغرهم من الذئب، ويحاول الذئب الاحتيال على الجداء الثلاثة بتقليد صوت أمهم ولا ينجح حتى المرة الثالثة بعد أن تمكن من تقليد صوتها. وينجو الجدي الأصغر ويخبر أمه بفعلة الذئب الأمر الذي يجعلها تذهب إليه لافتداء ولديها ويتحجج الذئب في المرة الأولى والثانية ليخرج في الثالثة. ليبني بذلك الكاتب مفهوم النسق الثلاثي من خلال محاولات ثلاثة نسبة بما يسميه التحليل النفسي الهو والأنا والأنا الأعلى .

وصية الحذر :
تتمثلت وصية الحذر في الحكاية ذلك أن العنزة كانت كعادتها توصي الجديان بعدم فتح الباب لأحد واتفقت معهم على كلمة سر بينهم عبارة من أربعة أشطر مقفاة تغنى أثناء الحكي بنبرة موسيقية متساوية في الزمن .
الاحتيال :

يشكل عنوانا للحركات الثلاثة الموازية في محاولة تقليد الذئب صوت العنزة في ترديد الشفرة مرة أولى وثانية وثالثة، ينجح الحذر مرتين ويفشل في المرة الأخيرة، وحين يفشل الذئب في المرتين ينجح في الأخيرة وحين يتم السرط من طرف الذئب ينجو الجدي الأصغر الذي بقي متخفيا تحت الرماد وبهذا يكمل التوازي .
قانون الأم :
إن حضور قانون الأم في الحكاية بواصاياها وتحذيراتها وحنانها وعطفها طبعا، حتى وإن كانت صورتها مستعارة من عالم الحيوان يؤشر بوضوح على قصدية المنوعة وغايتها المسارية التعليمية في طاعة الوالدين وبالضبط الأم، نظرا لغياب الأب. وإذا كانت الحكاية محاكاة للحياة، فهي كالحياة تماما تترك للخيال مجالا واسعا لتصريف المواقف عبر الصدفة. وعليه يجب أن لا نسقط في الخطأ حول رسالة هذه الحكاية ويبقى قانون الأم مفتوحا على الحياة فاللوم لا يسقط على الصغار، لأنهم لم يخالفوا وصية أمهم، بل انخدعوا. وهكذا يمر الدرس ويتم تمرير عقدة الذنب الناتجة عن فكرة مخالفة تحذير الأم، حيث أن الطفل يتماهى مع الجديان ويحس بالذنب ويبقى للطفل مخرجا ويبقى له المختبئ تحت الرماد الذي لم ينخدع بحلية الذئب يجعل الطفل في مأمن من الضغط النفسي .

قانون الأب :
ظهرت صورة الذئب في هذه الحكاية تحيل إلى صورة الأب الغابرة في الأزمان، أي الأبوة المفترسة وما تركته في وجدان البشرية من خوف وهلع من الابتلاع والالتهام كصورة من صور الموت، فإن السرد يحل مأزق كراهية الأب من خلال ما سمي بالظل الملازم في بعده الايجابي أي حينما مثل عاملا مساعدا وليس كمعاكس الذي تمثل في الحداد في مساعدته للعنزة في صنع قرنين من حديد بشرط طلبه للفحم إنه حداد يحول المادة والمعرفة تحويل فطلبه هذا يقودنا إلى معرفة أشياء قبل الخروج من الظلمة إلى النور بقبر بطن الذئب الأب المانع للحياة وإخراج الجداء للحياة مرة أخرى وتستعد العنزة نجومها الصغار ويبقى الحذر غير كاف إذن ما دام الانخداع واردا ليبقى السؤال مطروحا كيف نتعلم ؟

نجوم في بطن الذئب :
إن لهذه الحكاية مرماها وغايتها كسابقتها، من خلال الرمز والاستعارة عبور الناشئ لقنطرة النضج للاتحاق بعالم الراشدين الكبار، ولعل موضوعة الصغير أو الشاب داخلا في بطن الحيوان، أو الوحش هو بالضبط لأجل تصوير الخروج من ذلك البطن من ذلك البطن المظلم أو الظل لاكتساب معرفة إضافية تؤهله لأن يصبح قادرا على مواجهتها حتى وهي تحمل له الموت والأفول .
إن تصور تصوير إمكانية الرجوع إلى الحياة يجعل من الحكاية محاكاة للروح الإنساني أي الواقع الخفي والباطني للإنسان، وظلنا الذي لا نتعرف إليه دائما ولكنه يراقبنا ويسكن قريبا منا في أحلامنا وأحلام اليقظة واستيهاماتنا ، إنه العجائبي والغرائبي فينا .يذكرنا بضعفنا وتناقضنا وازدواجيتنا .

بيت من حديد:
تتركب هذه الحكاية أيضا بدورها على ثلاث حركات وثلاث أخرى موازية لها .
تتمثل الحركة الأولى في بناء الأب بيت من قصب، حيث تعب الابن الاكبر ولم يعد يقوى على مواصلة الطريق والحركة الموازية لها هي مداهمة الغولة لبيته القصبي بالليل وافتراسه.
أما الحركة الثانية فهي بناء بيت من عيدان للابن الأوسط بعد أن أعياه المسير ليمكث في انتظار رجوع أبيه و أخيه الأصغر من الحج، ويمثل هجوم الغولة على بيته في الليل وافتراسه الحركة الموازية للحركة الثانية.
وتتمثل الحركة الثالثة في بناء بيت من حديد للابن الأصغر وتعبه في مواصلة الطريق إلى الحج مع والده فطلب منه أن يبنى له بيتا من حديد بقرع حجر بحجرا ومفتاح من حديد أيضا . الحركة الموازية كما هو متوقع طبعا هجوم الغولة على بيت احديدان في الليل بلطم رأسها عدة مرات في محاولة فتح بيته لكن بدون جدوى ليكتمل نسق الحركات الثلاثة بفشل الغولة في مسعاها .
لحكاية احديدان كغيرها من الحكايات منوعات كثيرة نتوفر منها على ثلاث منوعات لكننا سنقتصر على المنوعة المعتمدة لأنها تعطينا تواريا ثلاثيا آخر يماثل ما رآيناه مع حكاية العنزة والذئب في محاولة الغولة الامساك باحديدان وتبوء كل محاولاتها بالفشل فتنجح إلا في المرة الثالثة حين تعمد إلى حلية الصاق العلكة بظهر الحمار وتمسك به .بحيث تنجح الغولة مرتين وتفشل مرة، وينجح احديدان مرتين ويفشل مرة ليشكل هذا الضاد توازيا.

الأم الملتهمة :
يعرف الغول أو الغولة عادة كحيوان خرافي وقد تختلط صورته أحيانا بصورة الوحش، أو التنين وللقضاء عليه يجب الاجهاز عليه بضربة واحدة، لأنه إذا تكررت الضربة يعود إلى الحياة فتعود بنا صورة الغول إلى عصور ما قبل التاريخ .
والحكايات والأساطير صدى لأناس وأزمان من خلال تصوير الأحاسيس والمخاوف والممارسات البشرية وتمثل الناس لوجودهم في صدى لغة محكية في ارتباط بين شفافية الحاضر وشفافية الماضي.
إن الصراع بين احديدان مع الغولة إثباتا لتفوق العقل وفعالية الذكاء والحيل إلى جانب أن بيته من الحديد الذي هو في الثقافة الشعبية رمز للقوة ولعل اللجوء إلى الذكاء وتدبير العقل في القصة الشعبية فإن مسرح احديدان يجمعه في صراع مع أم ملتهمة للأبناء وعليه هو الابن الاصغر أن ينتصر عليها كما يريد ذلك قانون الحكاية، فحتى وإن كانت الحكاية قد انطلقت من الواقع العادي فإن انحباس العنصر الأسطوري أو المتمثل في الغولة يعطي للبطل أن يلبس شيئا من هذا المنحى الخرافي فيطلب بيتا من حديد خلافا مع أخويه ولكي يكتمل طبعه الخرافي أن يعرف كيف يتحصل الحديد إذ ببناء البيت الحديدي الذي استقى منه البطل اسمه احديدان تتكسر خطية السرد ويبدأ الصراع .
في قصة احديدان زاوية أخرى نظر منها المبدع الشعبي إلى النار هي موافقة تماما لصريح في القرآن فاحديدان بعدى أن تغلب على الغولة وفك أسره منها وجعلها تأكل وأهلها لحم ابنتها آوى إلى بيته الحديدي الذي أوقد النار حوله فكانت له حصنا منيعا من الغيلان بلهيبها، وهو ما يحث عليه القرآن في اتقاء النار وجعلها مخافة لا يقع فيها إلا الأشقى .
كذلك النار دلالة على الهدي إلى ضالة الانسان ودليله إلى طريقه ومعين له في حلك الظلام على تحديد الوجهة الصحيحة، لنلاحظ قوله تعالى :"وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال امكثوا إني أنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أوجد على النار هدى "
وعيه فإن اختلاط عناصر الخرافة بالواقع في هذه الحكاية ما هو إلا وسيلة لتغليف الهدف وتلطيف النقد تجاه الأم، فتستطيع بذلك الحكاية أن تشتغل في الاتجاهين المطلوبين في فهم الكون والتعامل معه، باعتباره واقعا لا تتفق نظرتها الأخلاقية للأشياء معه ثم اخيار عالم آخر يرضي مطالب الفكر الساذج.

خلاصة
إن الحكاية تقول كل شيء مختصر، لتحفظ برشاقتها، كما رأينا في حكايتنا في الفصل الأول إنها تقدم لنا أبطالها ( الابن ـ الجدي الأصغر ـ احديدان أصغر إخوته ) كنماذج وأنماط للبطل الذي يبادر للمغامرة ويبقى منتبها كي يغتنم فرصته ويحقق ذاته بالاعتماد نفسه، ليلتحق بعالم الراشدين ويرتقي في الحياة ويتمثل ذلك في المراحل الثلاث المعروفة : خروج الناشئ من محيطه، من بيت العائلة أو فقدانه له من شكل من الأشكال ثم موته الرمزي بحبسه في مكان مغلق أو تعذيبه .. ثم ولادته الرمزية من جديد وقد صار شخصا مؤهلا لولوج عالم الرجال .

الفصل الثاني : الإنسان و القيم :

يبدو الانسان في الحكاية الشعبية بظلال وثنايا عمقه في سائر أشكال السرد، فهو لا يعيش على الخام الحيوان، فهو يلجأ إلى تحويله إلى تصنيعه ليتوافق وحاجاته القريبة والبعيدة. بمعنى أن مبدأ اللذة والواقع يقترنان بالضرورة بالطبيعة والثقافة على التوالي.
المال والمعرفة :
اقترن هذا المحور بحكاية ابن الغني بطل الحكاية المتعلقة بالحكم الثلاثة بنية الاتجار وتحقيق ربح يخرجه من مأزقه، ولكنه ما أن يسمع شخصا يبيع الحكم أي معرفة حتى يناوله مائة مثقال التي كانت في راس ماله لكي يسمع منه الحكمة التي يبيع بتكرار المشهد ثلاث مرات، فالبطل في هذه الحكاية يؤجل مبدأ اللذة ليتعلم كيف يحصل على لذة أرقى أبقى، ذلك ما أكدته خوات الحكاية حيث تنتهي بزواجه من ابنة السلطان والحصول على المملكة .
الحديد والخشب والقصب :
يمكن أن نقول الشيء نفسه عن بطلنا احديدان الذي لم يكتفى ببيت من قصب أو من خشب على غرار أخويه، بل طلب بيتا من حديد بمقارعة حجر بحجر، والبيت الحديدي على الرغم من خرافيته هو لاكتساب القوة والمناعة للدفاع عن النفس وصرح القرآن الكريم يقول فيه الحق في سورة الحديد :" وأنزلنا الحديد في بأس شديد ومنافع للناس" الآية 25
يقول تعالى أيضا في سورة الاسراء " وقل كونوا حجارة أو حديدا " الآية 50 وحديد احديدان ناري لكنه بيته من حديد وحديده من حجر وهو ما جعله ملمحا تصعيديا مؤشرا على مبدأ الواقع الصلب كالحديد والحجر.
ماء في الغربال:
في حكاية الغربال نجد البطلة تظهر توافقها ونكرانها لما تميل إليه النفس جعلها تربح كل شيء في النهاية، فقمع اللذة يقود إلى أبعد مما كانت تنتظره، ذلك أن عندما تعود من رحلتها محملة من كل شيء نفيس تستقبل بالأفراح والترحاب والزغاريد وفرحة الكلب بنباحه رمز شعري في الحكاية جعلها صورة جميلة للجزاء.

تركيب :
تقول لنا هذه الأمثلة كلها في الآخير إن العبور من مبدأ اللذة إلى مبدأ القوة لايكون دوم ألم، ولكنه ضروري للحصول على بديل للإشباع الغريزي الذي نقمعه ونكبته ونتخلى عنه لكي نسمو ونرتقى. وهذا ما نجده مفصلا عند فرويد حيث يدخل في صراع بين الأنا والأنا الأعلى، الأنا بآلياته الدفاعية المعروفة والأنا الأعلى وأحكامه ورقابته، ولتجنب هذا الاصطدام ينحو المرء بغريزته منحى آخر يمنعها أو يسقطها .. إنه تأجيل للمتعة العاجلة وكبت لها لتحقيق اللذة الآجلة الأسمى، وذلك عن طريق تسليط الضوء على الرغبة بكل ما فيها من لذة رهيبة.
الخير والشر:
تتناول هذه الحكايات هذه المسألة بشكل أساس وتؤكد استحالة التعايش بينهما، كما تؤكد حتمية انتصار الخير على الشر ‏والعدالة على الظلم ء وبالقوة والحكمة ويشكل العملاق والأمير الظالم أبرز رموز الشر
وعلى أي حال فالخير والشر ثنائية كونية يفسرها الكثير من الموجودات كالنار التي تلمع في الجنة وتحرق في جهنم، فهي رقة وعذاب يمكنها أن تتناقض ما يجعلها واحدا من مبادئ التفسير الكوني، وإذا كان من معاني الشر أن كالنار تحت الرماد كالحسد والكراهية ورغبة الانتقام .. فالخير هو الغالب دائما، والنية تغلب الحيلة، وكل مشاعر الشر سرعان ما تنهزم وتنكسر فجأة أمام سيف الحق القاطع..
وفي الموروث القصصي الشعبي نجد الحيوانات ونجد الغولة كرمز للحكاية لأن هذه الشخصية أي الغولة كانت تستخدم كشيء نخيف به الأطفال.. ولكن بالمقابل نجد بين أحداث الحكاية الشعبية مشاهد لا يصدقها العقل حيث تجول الحكاية بمن يسمعها في أجواء خيالية كلها سحر وجاذبية وأعمال شرّ تقوم بها الساحرات، والأشرار من أبطال تلك القصص، كما أن الحكاية الشعبية تبرز جانبا هاما من شجاعة البطل الذي يتصف بالدهاء والحيلة لتجاوز الصعاب وهو في نفس الوقت يحمل قيم الخير والعمل الطيب.
والبطل في الحكاية الشعبية يمتاز بالقوة والشباب والحكمة والجمال الذي لا حدود له، وكذلك الشجاعة التي تجعل منه بطلا بكل المعايير ونقف عند كل هذه الحقيقة من خلال أبطال قصص عديدة يدفعهم الفضول، والشجاعة ورباطة الجأش وحب الخير إلى التقدم إلى الأمام، وسط المصاعب والمتاعب ومشاهد الخوف رحلة في الخيال.
ونخلص هنا إلى أن الحكاية الشعبية كانت ولا تزال فضاء يذهب فيه الخيال بعيدا، وتبرز فيه رغبة الإنسان الجامحة في اختراق آفاق بعيدة، ومادام البشر بشرا والخير خيرا والشر شرا، سيبقى الحكي ويعيش في شتى أشكاله، ليقوم بوظيفته التي وجدت من أجلها: ابتكار الأساليب الفنية والجمالية لتقويم الخلل وخلق التوازن النفسي.
برومثيوس سارق النور :
يجرنا الحديث عن برومثيوس إلى الحديث عن النار وجرنا هذا الأخير إلى الحديث عن النور الذي يقودنا إلى الشمس، إن الشمس هي مصدر للنور، فهل النور مصدرا للنار ؟ والنار عند باشلار كائن اجتماعي أكثر مما هو هي كائن طبيعي فهي تؤكد المنع الاجتماعي فإذا اقترب منها الطفل يتلقى ضربة من والده، النار تضرب دون حاجة لأنها تحرق.
والوقوف عند كل الأمثلة في المتن الحكائي كسفر احديدان وابن الغني وبطل الحكاية الخاتم السحري وحكاية الابن الوحيد درس برومثي ينصهر في ثنايا كل حكاية، حيث يؤدي السفر إلى اكتشاف القدرات الذاتية، وكيف تأتي المعرفة من الخطأ. والخروج من سياج العائلة والسعي بالذات دائما إلى التعلم والاكتشاف كي تنساب ذات الطفل إلى ذات البطل ويتحقق التماهي .
4 - قيم العالم وعالم القيم :
إن الوظيفة التي تؤديها القصة الشعبية في صورتها العامة هي التأسيس لاندماج الفرد في الجماعة و تفعيل التجاوب بينهما من خلال بناء قيم المسؤولية، و تكرار القصة يرسب هذه القيم، حيث يلقي بالمسؤولية الاجتماعية في بروزها على شخوص الحكاية الوهمية، لكي تحدث في نفس المتلقي التنفس المطلوب، و يؤدي الإحساس بالمسؤولية و نتائجها إلى بناء الشخص الاجتماعي الفاعل في إطار الواجب و الحق، لنقول بكل راحة إن الفعل التربوي المولود من المجتمع الداخلي للقصة فعال جدا بمرجعيته في توجيه السلوك و تحديده للقيم الفاصلة بين الموجب و السالب، والمسؤولية بعد ذلك فعل تطبيقي لمعرفة نظرية سابقة عرفها الطفل المتلقي من خلال القصة.
هكذا تبقى الحكاية الشعبية لغة كونية لإرتباطها بالنزوع الإنساني العميق، لكونها تصور القيم الإيجابية رابحة والقيم السلبية خاسرة، يثاب الشجاع والكريم والوفي والعادل، وينال العقاب أو يهزأ الجبان والبخيل والغادر والجائر ..
فتتأسس بذلك كناظم معياري يهندس مختلف مظاهر السلوك الإنساني في المجتمع الإنسان إلى خياله ويخلق تصاميم من نوع آخر، هذه النماذج التلقائية للكون هي الحكايات بطبيعتها السحرية، حيث يأتي العجائبي ليملأ الفراغ الذي تتركه المعرفة ومعرفة الحكاية بالأساس هي معرفة القيم وفي عالم القيم وفي عالم القيم الحكايتي نتعلم قيم العالم، نعلم أخبار الماضي ومتطلبات المستقبل.

الفصل الثالث : الانسان والطبيعة
1 ــ كلام الحيوان :
ليس غريبا أن نرى الحكاية الشعبية تتخذ أبطالھا في كثير من الأحيان من الحيوان والحشرات والطيور، ومن الجن والعفاريت والشياطين، فتحركھم كما تريد وتنطقهم كما تريد، وتتخد الحكاية من هذه الشخصيات وسيلة للرمز والتخفى وراء هذه الشخوص المستعارة، فقد تكون الحكاية نقدا لحاكم مسلط أو تحقير لعدو غاشم أو تندير وسخرية بحاله .. وهذا اللون من الحكايات يكثر ويروج في عهود الظلم والطغيان .
ويبدو أن الانسان استخدم الحيوانات كأبطال في حكايته بعد أن درس طبيعتها بالتجربة والمشاهدة فنراه يستخدم الحيوان في الحكاية استخدام الخبير العارف ويقدمه لأداء الدور الذي يلائم طبيعته والصفة التي اشتهر بها، فالأسد للافتراس والذئب للغدر والكلب للوفاء والثعلب للمكر.
فعالم الحكاية الشعبية عالم خاص، هو عالم خيال الانسان وإدراكه في آن واحد، حينها يخرج الانسان بافتراضاته الذهنية من مجال التجربة إلى مجال الافتراضات الخيالية لينأي بفكره من عالم الواقع المحسوس إلى عالم يفوق الواقع إلى عالم آخر يغايره، لهذا فكلام الحيوان ليس سوى كلام الانسان بحيث يغدو لبث نظام الأخلاق والقيم من خلال تعليق المواقف على الحيوان المستعار للغرض المطلوب .
تركيب :
عالم الحكاية الشعبية عالم متعدد تختلط فيه العوالم وتتعد فيه عوالم الأنس وعالم الجن والحيوان وعالم الطيور والأسماك جميعا داخل الحكاية الشعبية.
بواسطة هذا الاستعمال الرمزي في توظيف الحيوان لإنتاج المعنى، من خلال زرع القيم وتدريب النفس وتصريف أزمتها وصراعاتها، فيكون لإنتاج المعنى أحيانا أثر بليغ في النفس حتى إن عيون الأطفال تغرورق دموعا أو تكسو محياهم ابتسامة أو ضحكة النشوة، ومنها فإن لذة المعرفة في حكايات الحيوان كما في سائر الحكايات نتقبلها وننتظر وقوعها كأنها أحداث طبيعية .

كلام الشجر والحجر والقمر :
الكلمات ظلال من مفاهيم، والمفاهيم على هذا الأساس أرواح للكلمات .. وصدق من قال إن الطبيعة رمز كبير، ولعل هذا المنحى الحيوي في الطبيعة مرتبط بما ينعث بمرحلة الوعي الأسطوري لحياة الإنسان الانفعالية فأصبحت مجمل الظواهر ككائنات تزخر بالحياة والحيوية، وللكلمات المنطوقة في حد ذاتها قوة سحرية وحيوية وتأثير في نفوس الناس أحيانا وهو ما يوصف عادة بالعجائبي.
حديث الشجر يختلف عن حديث الحيوان، فإذا كان الانسان يكلم الحيوان والحيوان يجيبه أو العكس، بواسطة اللغة، فإن كلام الشجر مع الإنسان من نوع آخر الشجر يستجيب لإرادة الانسان دون أن يقول فعل ذلك، الشجرة إذن مرتبطة بحياة الانسان تسير حياتهما جنبا إلى جنب ينبع بينبوعها ويذبل بذبولها.
إن هذا المنحى العجائبي داخل الحكاية الأسطوري في كلام الأشياء داخل الحكايات يجعلنا نقول إن العالم يكلم الانسان ولفهم هذا الكلام يكفى أن نعرف الأساطير ونفك الرموز سواء كان الكلام كلام حجر أو قمر وبالاجمال فكائنات الحكايات معبرة سواء تحدثت أم لا .

الانسجام أو الحلم الأبدي :
إن عالم الحكي الشعبي عالم خيالي نعرف أنه غير واقعي ولا يمكنه أن يكون كذلك يوما، لكنه يعجبنا لأنه يعبر عن مرامينا الحلمية التي تحبب لنا كل شيء شيء جميل فكلام الحيوان والجماد والنبات وركوب ظهور الطير ومصاهرة الجن واشتعال العشق لامرأة لمجرد رؤية شعرة من شعر رأسها، إنما هي رغبة في الاقبال على الحياة دون تحفظ ودون توجس، لأنه مرتبط ارتباطا بموجودات محيطه في تناغم خارج محدودية الزمان والمكان، والحكايات على الرغم من تأصلها في سراديب اللاشعور قالت ولا زالت تقول الحقيقة وحقيقتها هي أن حلم الإنسان الأبدي هو إدراك الانسجام وتلك هي لذة المعرفة فيها .لتظل الأسطورة ملاذ البشرية للبحث عن التوازن من خلال تشغيل اللاشعور.

خلاصة :
إن استمرار القصة الشعبية عبر الأجيال لم يكن هدية من الجماعة أو الفرد، وكذلك لم يكن بقرار اتخذه حزب أو دائرة في السلطة، إنما كان لها هذا الخلود لقوة فيها، في فكرتها وصياغتها، في حياتها بين ضلوع الشخصية الجماعية، وهي ليست ظاهرة ثقافية محدودة الوجود، بل إنها عالمية مشتركة بين كلّ الشعوب و الأمم، و متنها ثري مغري ومنها لا ينضب، فهي تشمل القصص الشعرية الحماسية للأبطال، والأناشيد والأغاني، والأساطير القديمة، وحكايات الحيوان، وهي تشمل كذلك الحكايات العائلية المنزلية والعاطفية في كثير من البلاد، وهي قد تكون كذلك جزءا من التراث الشعبي القصصي العالمي، لذلك اتجه إليها المبدعون أخذَا عنها لثقتهم في تقويتها لإبداعاتهم.
وبهذا المعنى فالأدب الشعبي كشكل من أشكال الأدب الشفوي، يلعب دور المدرسة في مجتمع لا مدرسة فيه. في مدرسة الحكاية الشعبية نتعلم بدءا من طفولتنا وطوال الحياة، لأن الأدب الشفوي يحمل هويتنا وذاكرتنا.
وخلاصة كلامنا هي أن الحكاية الشعبية صوت الناس وحقيقة الشعب، إنها الصوت النابض في أعماقنا والحقيقة المتخيلة لواقعنا. وهما تناسلت فيها عناصر السحر والخوارق والعجائب والغوارب .. فإنها مجرد استعارات وانزياحات فنية .. ومهما كانت الحكاية الشعبية أسطورة أم خرافة أم حكاية جن أم حكاية حيوان.. فمحمرها هو الإنسان يخلقها ليرتاد عوالمها بحثا عن نفسه .

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 26 شعبان 1439هـ الموافق لـ : 2018-05-12



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com