أصوات الشمال
السبت 28 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  صابر حجازي يحاور الشاعرة المغربية البتول العلوي   * ناشطات إفريقيات يطالبن بمحاربة ظاهرة العنف القائم على الجندر و تفعيل مفهوم العدالة العقابية   *  نموذجية منجز الشاعر الجزائري محمد جربوعة    * بورتريه    *  رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.   * بخليليات   * برقية عاجلة إلى حفيظ دراجي   * سيكولوجيات نساء تحت السّوط    * طَهَ .. كَمَالُ الذِّكْرِ والسِّيَرِ ..   * لقاء بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في موضوع أي دور للمؤسسة التعليمية في الإرتقاء باللغة العربية بالمغرب؟    * كانون الأول   * أمّة تخصي فحلَها وتهين عقلها !   * إنَّ مهري بندقية   * قراءة في كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين و هكذا تحررت القدس"   * جزائري مستقل   * لا ضوت إلا القدس    * عندما فتح محمد بغداد الملفات الإعلامية للمؤسسة الدينية   * القرار الامريكي ، أبعاده وتداعياته    * القدس_عاصمة_فلسطين_الأبدية   * المطبعة الثعالبية بالجزائر معلم تاريخي مجهول     أرسل مشاركتك
الصنوبرة الجوفاء
بقلم : سميرة بولمية
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 800 مرة ]
سميرة بولمية

(( لم يفقد الموت رونقه أمام فصل المحبة القصير!! ))
(( .. وكانت الغريبة الوحيدة التي عاشت أكثر مما توقع نطار مزارع البلايا ، ولم تغير نظرتها اتجاه معمعة الحرب ، و ثرثرة القش ، و القيظ والزبد ، و غلول العطش ، و جعجعة أرحاء الخواء ، ولدغات رقط الحر في الرمضاء ، و ضجيج شوارع الصمت ، وحياء الأرض قبل بزوغ الفجر ، و وقار مشكاوات حيطان زمن الزيتونة المباركة ، وسرج الأقبية المنسية ، وعادات أسنان المنشار ، و فدامة المسمار، وآثام الأجراس المعلقة في رقاب قرابين ولائم الذئاب .. لم يكن لها في ملكوت الأمس سوى حافة مساء مبرقشة بفرشاة التراب ، و فازة أمنية من البلور، و تذكار أصابعه الهزيلة ، و أغاني الفلامنكو الحزينة ، و بعض الأسئلة الغامقة ، وعلبة نحاسية مفضضة صغيرة مملوءة برحيق فريسيا الرماد ..))

في شرفة ذلك المساء الأحدب راحت تتأمل مخالب الدخان المعقوفة وهي تلهو بشال أحلامها المرمية فوق أرصفة العتمة ، تعرت من أسوجة الأكاذيب التي كانت تحوط خواص أقفاص ريبها فشعرت برغبة كبيرة في حرق فسح الرجاء ، وتمزيق حبال الخيال التي تشد قارب أوجاعها إلى مرسى الكلام المتجمد ، وقطع لسان طاحونة الوقت الحامض ، وتكسير صدفة الذاكرة المحنطة ، وجرار الصبر المالح ، و سيقان عناكيب التردد ، وفتح نوافذ دائرة المنفى ، وخنق أوتار عاصفة القلق و ضحكات بنات الليل على لون كسوة التينة الكئيبة وعلى ماضي الجديلة البليدة .
توقفت عن محاولة سد ثغرات صورتها المفككة وترتيب تفاصيل ملامحها المبعثرة وتغطية تجاعيد جبين ألغاز الغسق الداكنة ببعض الحيل البيضاء ، وربط جسور نظراتها المتجهمة بشريط نبرات صوتها المذبوح فسلمت لأراعيل السحاب غيمة ذنوبها ، ولحداة الندامة هوادج خيباتها واستسلمت لأنياب هاجرة الصحراء الجائعة ..
حين راحت تفتش في خزائن روحها عن عباءة عمرها وعمامة ظلها اكتشفت خيانة الأقحوان لظهر عهود حدائق أنبائها ، وخداع النرجس لسرادقات أسرارها ، وحين تعبت من الركض خلف أحصنة اللاجدوى توقفت لتروي عطش بحيرات دموعها فلمحت أسراب النمل طالعة من حجرات جثتها الخاوية وسمعت عويل الرياح المنبعث من أزقتها المقفرة ونعيق البوم الحفار الواقف على أوتاد خيام مرارتها ونواح الدجنة في كل ركن من أركان حسرتها .
وهي تقلب أوراق كتاب حرائقها أيقنت أنها مجرد عربة هرمة تجر جيادا عليلة مسافرة في أهباء زمن الكلس والصديد والدفلى بحثا عن مدينة الفخارالغابرة .
بارد قلب زنزانة الدهشة ..
ولاذع لسان الغربة ..
وطويل ليل الوحدة ..
لم يغريها شرشف اللوتس فوق تخت الأحدوثة ، ولا طعم العسل في ظهيرات اللهاب ، ولا همس عبير أريس و ميليا ، ولاغزل السنونو المهاجر في حب رغيف الديار.. ولم تكن الشقية الوحيدة التي اشتهت شفاه التفاح و خدود الكمثرى و دلال توت شلق .. وكانت الغريبة الوحيدة التي عاشت أكثر مما توقع نطار مزارع البلايا ، ولم تغير نظرتها اتجاه معمعة الحرب ، و ثرثرة القش ، و القيظ والزبد ، و غلول العطش ، و جعجعة أرحاء الخواء ، ولدغات رقط الحر في الرمضاء ، و ضجيج شوارع الصمت ، وحياء الأرض قبل بزوغ الفجر ، و وقار مشكاوات حيطان زمن الزيتونة المباركة ، وسرج الأقبية المنسية ، وعادات أسنان المنشار ، و فدامة المسمار، وآثام الأجراس المعلقة في رقاب قرابين ولائم الذئاب .. لم يكن لها في ملكوت الأمس سوى حافة مساء مبرقشة بفرشاة التراب ، و فازة أمنية من البلور، و تذكار أصابعه الهزيلة ، و أغاني الفلامنكو الحزينة ، و بعض الأسئلة الغامقة ، وعلبة نحاسية مفضضة صغيرة مملوءة برحيق فريسيا الرماد .. وكانت تريد أن تهدأ في فكرة " توماس فولر " (( الرؤية هي الايمان .. أما الشعور فهو الحقيقة )) كي لا تبحث عن ذيلها في بحار غيرها .. وحتى لا تصدق كل ما قيل لها عن جبروت تلك النخلة الأملودة الممشوقة القد .. وحتى لا تفكر في تكسير أغلال خطيئتها القديمة بضلعه الأعوج .. لعلها كانت قريبة جدا من خندق النهاية أو لأنها ألفت مقاس ثوب الكرب و بذلة الكفن .. كانت تنجو من براثن الحياة ليتخذها الموت خليلته .. ترحل معه على متن ناقة من رمال بدون أرجوزة وجهها وبدون بنفسج ابتسامتها وقرنفلات سكينتها وحناجر بلابل حكيها ، و بدون أساور أمها وخلاخيل رقصتها وحرير قصتها ودمقس هوسها و قوس عنادها وكنانة مزاجها وموقد سمرها وغليون صبرها وأباجورة حنينها ، وبدون حذاء ظلها وخطوط كف يدها و درج طفولتها ومفتاح دهليز تكهناتها و منديل وعودها ومخطوط وصيتها و أرجوحة أهوائها و صور مدينتها قبل أن تغير تاريخ ميلاد اسمها ، وبدون وسادة الميموزة وترياقات الميدوزة وملحمة السهم المسموم .. و لم تكن تترك خلفها سوى خيط حصى طويل يوصل إلى منحدر الخلاء .. وكانت تعود مع قطار الشتاء مدفونة في أمعاء دودة شرهة لم تشبع من أكل أوراق صفصاف الفصل الخامس ، و على هوامش عودتها كانت تعيد كتابة رواية فجيعتها بمداد الكوابيس كي تخلد مشهد اقتحام جيوش الحريق أديرة القلب وسفكها لدماء أوردة الورد بسيوف الحقد ..
كانت تملأ سلال المغيب بجذوات " توماس فولر " كي تتعود على جلدات سياط غير الدهر .. وكي لا تضجر من عجعجة الزحام / القاحل / وحشرجة العشيات الجرداء ..
(( لم تكن علاقتي بالعالم طيبة
في البداية لم يكن لدي شيء مما يريده العالم
ثم لم يكن لدى العالم شيء مما أريده ))
كانت على علاقة غامضة بقنوب سفائن الوهم ، وبخرافات القلاع المهجورة وبشموع جنيات المليساء وبأسطورة البطل " عوليس " و الحورية " كاليپسو" ، وببخور طقس الخلود ، وبعرينها الصخري ، ومرجها المزهر وغياهب كهوفها المحتجبة ، وبتراتيل النصب الجنائزي و بمرآة السراب المكسورة .. وكانت قوافله على علاقة بسلطان الهزار، وبلهجات الغواية وبإكسير الظن و النسيان .. وحين كانت تسألها مجامر المجاز عن أبونة الخباء و قفل الباب وعن حجر الوادي .. كانت ترد عليها مجانيق المسافة المستحيلة ..
بعد فوات الأوان اكتشفت أن الرائحة المنبعثة من بئر أنفاسها هي رائحة فراستها المتعفنة .. و أن سارق الحطب من مقابس حكايتها مازال يحوم حول مدافن نايات هواجسها السردابية ..
لا أحد كان يعلم كم أتعبها سفر العودة إلى موطن رمادها الأول .. ولا أحد استطاع أن يفهم سر هبوب ذاريات الخراب !!..
وحدها كانت تعلم أن حقيبة روحها خاوية من أهازيج سنابل الحقول المرفوعة الرأس .. ومن مواويل الزيزفون و السنديان .. ومن تراتيل صافات الأوركيد والبيلسان ، ومن دفء أحاديث عباد الشمس و تصوف السرو و تهجد النار في محارب الصوان ، ومن خرير جداول اللهفة ، ومن أغاني الغجر و البحارة ، ومن مزامير القمر و ربابات المطر و قياثيرعاشقات السفر ، ومن جنون أمواج بحارالشعر ، ومن غنج قصائد الشهد ، ومن سحر ضفيرة الدرر ومبتغى المرجان، ومن سليل غزلان الدهشة ، ومن هسيس فراشات الضوء والروعة ومن مواء هررة الذكريات ، ومن هدهدة حمائم المحبة ، ومن أنوال الندى وسجاجيد الشذى ودانتيل المدى و فرو الأمنيات ومخمل الآمال ، ومن مكحلة الحبر وزهو البنفسجي و الكاميل والكريمي والزهري ، ومن مواسم الفانيلا والغاردوشكا والأرجوان .. ومن أعراس الكرز و الرمان ، ومن قناديل الفرقدين ، ومن دندنة السريالية ، ومن هفهفة التجريدية ، و من دردشة شبابيك الرومانسية ، ومن تباريج ورود الفرح ، ومن هالات المرح ومن تيجان بشائر المسرة .. ومن فيروزج الأمان.. ومن تمائم الماء، ومن سدوم أناشيد السماء، و من رسائل الحنان ، ومن أرمونيكا الربيع ، ومن هدايا المرابيع ، ومن مهر الحرية ، ومن أقراط النجمة القطبية ، ومن قلادة الحظ ، ومن صهيل الدروب الملتوية القرون ..
وحدها كانت تعلم أن الزنابق البيضاء التي ذبلت بحدائق روحها زرعتها حارسات نضارة الدردار بفناء روحه .. وأنها لن تقوى على
" حمل فوق جرح القلب جرحين " ، لهذا لم يفقد الموت رونقه أمام فصل المحبةالقصير !! .


الجزائرية /
سميرة بولمية /

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 17 محرم 1439هـ الموافق لـ : 2017-10-07



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
طَهَ .. كَمَالُ الذِّكْرِ والسِّيَرِ ..
بقلم : الزبير دردوخ / الجزائر
طَهَ .. كَمَالُ الذِّكْرِ والسِّيَرِ ..


لقاء بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في موضوع أي دور للمؤسسة التعليمية في الإرتقاء باللغة العربية بالمغرب؟
بقلم : عزيز العرباوي
لقاء بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية  في موضوع أي دور للمؤسسة التعليمية في الإرتقاء باللغة العربية بالمغرب؟


كانون الأول
شعر : سعدية حلوة / عبير البحر
كانون الأول


أمّة تخصي فحلَها وتهين عقلها !
بقلم : البشير بوكثير
أمّة تخصي فحلَها وتهين عقلها !


إنَّ مهري بندقية
بقلم : الشاعر/ صلاح الدين باوية (المغير)
إنَّ مهري بندقية


قراءة في كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين و هكذا تحررت القدس"
بقلم : مراد بوفولة
قراءة في كتاب


جزائري مستقل
الشاعر : الطاهر عمري
جزائري مستقل


لا ضوت إلا القدس
شعر : نقموش معمر
لا ضوت إلا القدس


عندما فتح محمد بغداد الملفات الإعلامية للمؤسسة الدينية
بقلم : الدكتورة راضية أحمد الطاهر
عندما فتح محمد بغداد الملفات الإعلامية للمؤسسة الدينية


القرار الامريكي ، أبعاده وتداعياته
بقلم : شاكر فريد حسن
القرار الامريكي ، أبعاده وتداعياته




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2017م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com