أصوات الشمال
السبت 28 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  صابر حجازي يحاور الشاعرة المغربية البتول العلوي   * ناشطات إفريقيات يطالبن بمحاربة ظاهرة العنف القائم على الجندر و تفعيل مفهوم العدالة العقابية   *  نموذجية منجز الشاعر الجزائري محمد جربوعة    * بورتريه    *  رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.   * بخليليات   * برقية عاجلة إلى حفيظ دراجي   * سيكولوجيات نساء تحت السّوط    * طَهَ .. كَمَالُ الذِّكْرِ والسِّيَرِ ..   * لقاء بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في موضوع أي دور للمؤسسة التعليمية في الإرتقاء باللغة العربية بالمغرب؟    * كانون الأول   * أمّة تخصي فحلَها وتهين عقلها !   * إنَّ مهري بندقية   * قراءة في كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين و هكذا تحررت القدس"   * جزائري مستقل   * لا ضوت إلا القدس    * عندما فتح محمد بغداد الملفات الإعلامية للمؤسسة الدينية   * القرار الامريكي ، أبعاده وتداعياته    * القدس_عاصمة_فلسطين_الأبدية   * المطبعة الثعالبية بالجزائر معلم تاريخي مجهول     أرسل مشاركتك
خيْرَة بِنْت الرَّاعِي..! الحَلقة:06
بقلم : محمد الصغير داسه
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 447 مرة ]

يجْتاحُ المَكانَ صمْتٌ رهيبٌ، نداءٌ يطرُقُ بداخِلها نبَضَات قلبٍ يعْتصرُ، تنفُضُ رَأسَها بسُرْعة، لتَتخلّص من كابُوس الأوْهَام، تُغادرُ مَخْفرَ الشُّرْطة، لاتَزَال صُورَتَه محْفُوظة فِي عَيْنيْهَا، وذِكْريَاتهُ مَحْفُورَة بِدَاخلِهَا، عَواصفُ الشك تجْتاحُها في كلِّ لحْظه، ريَّاحُ الخْوْفِ تُلاحِقُها فِي حَلِّهَا وفِي ترْحَالِهَا، نَسَائِمَ تهبُّ مُثقلة بغُبَار الحَسْرَة، مَا كَانَت لتخْشَى عليْه لوْلا وجُودُ تابُوتٍ قُرْبَ الحَمّام بداخلهِ كفن، تُرَى مَنْ جَاءَ به إلَى هُنا؟ الامْرُ غريبٌ، والفعْل شَنِيعٌ ومُسْتغَرَبٌ، هيّ التِي اطعْمَت ألأفوَاه الْجَائعة، وكسَت الأجْسادَ العاريّة، تَنْظرُ بحُزْنٍ وشَفَقة إلى الارَامِل والبَاكِين والمَنْكُوبِين..وتِلك القطْعَان التِي كَانَ يبْتلعُها الضّبَابُ..والعُيُون المُتْعَبة التي يقدحُ منْها الشّرَرُ، أدْخلت الفرْحَة ذاتَ يوْم عَلى اشْلاَءٍ باكيّةٍّ مُكتظةٍ بالتهَاوِيل والأشباَح، ينْبعِثُ شُعَاعُ الامَل من نُور الْحَيَاة


14- تَعَالَتْ النِّدَاءَاتُ، وكثرَت التسَاؤُلات، وَلَمْ تَتَوَقّف الْهَوَاتِفُ، يشْتَدّ الهَرَجُ وَالمَرَجُ، وكلُّ الاحْتمَالاتِ كانَت وَاردَة، خيْرَة بِنْت الرّاعِي، تريدُ من جَمِيع الاصْوَاتِ أنْ تتعَانقَ، ومن الرِّيح الصّرْص أنْ تهْدأ لتذُوبَ الذكْرَيَات في رَغْوَة الفرَاغ، وتريدُ من الصّمْت المُحَمّل بالأسْئلة أنْ ينْفجرَ، ترمُقك بنظرَة اسْتِعْطافٍ عفْويّة، ولمْ تلبَثْ أنْ تمتلئ عُيُونُها بالدّمُوع، تقرَأ في وجْهِهَا مَاتُعَانِيه، رَغْم أنّها نظيفة الثيّاب، حَسَنة الهنْدَام، مُتوَرِّدَة الخَدّيْن، إنْ تطلعْتَ إلى وَجْهها الآسِر، وتمعّنت فيه، لمحْت مسْحَة من الحُزن تكسُو مَلامِحَها، وفي صَوْتِها الهادِئ الخجُول ارْتِعَاشَة، وفِي حَدِيثهَا الْحَافل بالذكرَيَات والْمَعَانِي ارْتَبَاك، تهْمِسُ إليْك وكأنّها تترَجّاك أنْ تفْعَل شيْئا، رأيْتُ عيْنيْها تُغْروْرِقان، وقدْ شَاخَتْ الدُّمُوعُ وَنَأتْ، ترْفعُ مِنْديلهَا، تُجففُ سْيلا احْتَشَدَ عَلى خديْها، ترْشُفُ أحْزانها في صمْتٍ، تُحَاول التغلب على كل مَاتُعَانِيه، تسْتمرّ ألمُعَاناة، مُضْطربَة مُتعثرَة كئِيبَة، جَفّتِ الكلمَاتُ وَضَاعَ عَبِيرُها، أخَذَت تَتزحْلقُ فوْق شفتيْها ومِن نَظرَاتِ عَيْنيْها، تتسَاءل بمَرارَة، ويَتَرَدّدُ السُّؤَالُ فِي خَلجَاتِ صَدْرِهَا، ويَبْقَى الْوَجَعُ دَفِينًا: ايْنَ اخْتفَى زوْجُها؟ هَلْ أصَابَهُ مَكرُوهٌ؟ اوْغَرَت تِلك الكلمَاتُ صدْرَها، حَتّى صَارحَدِيثُها بَاهِتا ثقيلا، يَخْتفى زوْجُها ولا تعْلم ! ياإلهي. أيْنَ ذهب؟ هذا أمْرٌ يُؤلمُها كثيرًا، ويُثيي من عزيمَتها، ظلت تَنْتظرُ عوْدَته وهل تَكْتَفِي بِالانْتِظَار؟ تُرَاقِبُ اطْلاَلتَهُ بعَيْنين أسِيرَتيْن، على دَقّات قلبها المُنكِسرارْتِعَاشَة، وفِي خَجَلِ الْمَسَافَاتِ تمْتَطِي وحْشة غُرْبَتهَا، تفتحُ سَمْعَها على مَايترَدّدُ، تقول مُتألمَة{ فلمْ ارَ كالأقدَار كيْف تُصِيبُني** ولا مِثل هَذا الدَّهْر كيْف رَمَانِي} الانْتظارُ موْقفٌ إنْسَاني لكنه أحْيانا مُؤلم، هُوَحَالةٌ من التوَتُر والهَذيَان، الغيَّابُ زاد في غلقِها واسْتيائها، وكل الاحْتمَالات تبْقَى واردَة، هل خَطفُوه؟ أمْ قتلوه؟ احْتمال الهَرب غيْرُ واردٍ، يَصْفرُّ وجْهُها، تجْحظ عيْناها، تقومُ بتحْرير بلاغ لدَى الشّرْطة، واللحظاتٌ تمرُّسَريعَة، تحُسُّ أنّ الأرْض تهْوى تحْت قدميْها، يَجْتاحُها اهْتيّاجٌ، يلفُّها شعُورٌ غريبٌ يشلّ حرَكتَها، تشعُرُ بالخوْف مِن لا شيْئ، خوفٌ مِن المجْهول، يجْتاحُ المَكانَ صمْتٌ رهيبٌ، نداءٌ يطرُقُ بداخِلها نبَضَات قلبٍ يعْتصرُ، تنفُضُ رَأسَها بسُرْعة، لتَتخلّص من كابُوس الأوْهَام، تُغادرُ مَخْفرَ الشُّرْطة، لاتَزَال صُورَتَه محْفُوظة فِي عَيْنيْهَا، وذِكْريَاتهُ مَحْفُورَة بِدَاخلِهَا، عَواصفُ الشك تجْتاحُها في كلِّ لحْظه، ريَّاحُ الخْوْفِ تُلاحِقُها فِي حَلِّهَا وفِي ترْحَالِهَا، نَسَائِمَ تهبُّ مُثقلة بغُبَار الحَسْرَة، مَا كَانَت لتخْشَى عليْه لوْلا وجُودُ تابُوتٍ قُرْبَ الحَمّام بداخلهِ كفن، تُرَى مَنْ جَاءَ به إلَى هُنا؟ الامْرُ غريبٌ، والفعْل شَنِيعٌ ومُسْتغَرَبٌ، هيّ التِي اطعْمَت ألأفوَاه الْجَائعة، وكسَت الأجْسادَ العاريّة، تَنْظرُ بحُزْنٍ وشَفَقة إلى الارَامِل والبَاكِين والمَنْكُوبِين..وتِلك القطْعَان التِي كَانَ يبْتلعُها الضّبَابُ..والعُيُون المُتْعَبة التي يقدحُ منْها الشّرَرُ، أدْخلت الفرْحَة ذاتَ يوْم عَلى اشْلاَءٍ باكيّةٍّ مُكتظةٍ بالتهَاوِيل والأشباَح، ينْبعِثُ شُعَاعُ الامَل من نُور الْحَيَاة..لَمْ يَعُد مَنْ كان يَخافُ من بُؤْس ألحَياة أنْ يَسْأل، فالكل اخْتفَى، وظلمُ ذوِي القربى اشدّ مضَاضَة..يسْحبُ المَسَاء عَسَسَهُ..لتبْدأ حَياةُ الليْل الصّاخِبَة، والعُنْف الكاسِحُ والغَلبَة، وصَخَبُ الازقّة ورَذاذُ القِططِ المُتشابِكةِ ونُباحُ الكِلاب، هَلْ السّماءُ الدّاكنة تحْنُو عَلى أبْنائها؟ هِيّ خلفَ الاسْوَار تتوسّدُ جِدَارَ الْحَدِيقة، تحْتَضِنُ كلَّ الجرَاح، عَلى صْوْت طرَقَاتِ البَاب، تنْهضُ من مَكانِها كالمَفزُوع، تجْلسُ في رَدَهَاتِ الْحَمّام مَعَ جَارتِهَا، تُراقبُ الْعَائِدين إلى بُيوتِهم، ويُحْزنُها أنْ يَغيبَ مَن تُحِبّ على ألمَكان، يَطُول الغيّابُ وفِي دَاخِلها انْتفاضةٌ..وا سَفَاه..! همْهَمةُ الرّيحُ المُزَمْجِرُ خَلْفَ الشَّبَابِيك، ونبْضُ الوسَادَة يَرنُّ في الأذُن، الاحَاسِيسُ مُرْخاةُ العِنَان..تَتنفسُ زَفيرَ حَسْرَتِهَا، تتألمُ..تصْرُخُ : يا أيُّها الغائبُ.. عُد إلى بيْتك، وإنْ شِئْت خُذْنِي إلى مرَافئك المجْهُولةِ.


15- ذاتَ رحْلة لنفرٌ مِن المُهرّبِين في ادْغَال الصّحْرَاء، وفِي طريقِ طوِيل شّاقٍ يلفُّهُ الصَّمْتُ، كانُوا يخْتفُون بيْن ثنايا كُثبَان الرّمَل، يَرْكنُون مَرَاكبَهم في اوْديّة بيْن أحْضَانِ التِّلال، عِصَاباتُ التهْريب، تجُوب القفار والوهَادَ، تظهْر وتغيبُ خلْفَ الرّوَابي، يصْعْدُون على اكْوام الرّمْل يَتمَدّدُون ينْتظِرُون ألإشَارَة، فَجْأة وعَلى بضْعة أمْتار يَلمْحُون رجُلا قرْبَ خيْمة مُلْتَصِقَةٍ مَع الأرْضِ يتملمَلُ.. يتدَحْرجُ.. يَزحْفُ فِي مُنحدرَاتِ الرّمل..وأحْيَانا يمْشِي على اطرَافِ أصَابِعه، لم يَعدْ يُفكر في الحَياة، فالموْتُ عِندَهُ هيّ الأهمُّ، إنّهُ يسْتغِيثُ..يتودّدُ.. يَتقدّمُون نحْوهُ، إنهُ يَعْرفهُم ويَعْرفُونه، الامْر غَريبٌ، لكن مَابه بَطِيءُ الحَرَكة؟ مُقيّدُ الأرْجُل، يزْحَفُ عَلى بَطنِه المُنْفوخ، يَسْألونهُ: من اتَى بِك إلَى هُنا ياعمُّ ؟ تغمُرهُ موْجَةٌ من ألحُزْن..يسْكبُ فيْضًا من الدُّمُوع، يَقُول: إنّ صَوْتهُ ليْسَ قويًا ولا عَاليًا..هُو شبحٌ كالحٌ فِي صَحْراءَ قاحِلة، مُقفرّةٌ ملِيئةٌ بالعُزْلة، يصْعُب البحْث عَن الآخَر فِيهَا..يَقول: وقدْ اخَذ مِنهُ التّعَبُ مُنْتَهَاهُ، أولائك النّسْوَةُ اللوَاتِي توَاريْن في الخرَاب..ويلتزمُ الصّمْت بعْضَ الوَقت.. لينْخَرِطَ في بُكاءٍ مَرير، دَفققٌ من الدّمْع الهَطُول يُلجمُهُ، مَابك يارَجُل..افْصحْ..؟! يَقول: خطفُونِي انْتقامًا مِنْ زوْجَتي التِي أكرَمتْهُم، بعْضُ نسَاء الْمَدِينة بِخَنَاجِرَ الهَمْزِوَاللّمْزِ يَطْعَنَ الظّهْرَ، يفْعَلن الفِعْلة ويتوَاريْن..هنّ كالأفاعِي سُمُومُهُن قاتِلة..اتفقْن مَع السُّرّاق قطاعُ الطرُق، وفَعْلن فعلتَهُن الشّنيعَة، طلبُوا فِدْيَة مَاليّة، وَلمْ يَلبَثُوا أنْ جَاؤُوا بي إلى هُنا مُقيدًا..شِرْذمَة من الاشْرَار توَلوْا المُهمّة، سَلّمُونِي لامْرأة زِنْجيّة سوْدَاءَ لأأعْرفُها ولاتعْرفُني..تلبِسُ اسْوَارأً وحِلقًا وأحْزِمَة ..تُرصِّعُ انْحاءَ جَسَدِها المَليءِ بالوَشْم..تُشبهُ الطائفة {الكرْكاريّة}فِي مَلابِسِهَا الْمُزَرْكَشَةِ، تحْبسُه مُنذ سَنة، في مَكان مُقْفر مَأوَى للصُوص، تكثرُ فيهِ الافاعِي والعَقاربَ.. معْزولا عَن الْحَياة.. الصّمْتُ مُنتشِرٌ في كل الارْجَاء..تُحاول أنْ تلتقط صوْتَ انْسَانٍ أوْ حَيَوانٍ فَلا تسْتطِيع..كانَت حَرَارةُ الشّمْس تهْمِسُ إليْه كلّ يَوْمٍ بشيْءٍ آخَر، وفِي اللْيْل يَسْمعُ أصْواتا حَزِينَة مُزْعِجَة كأنّهَا نَواحٌ، يَتهامَسُون يَتلقَوْن اشَارَات بإخْلاَء الْمَكان، يُسَارعُون إلى فكِّ قيْودِه، بعْدَ أنْ حَطمُوا الأغْلال، ودُون أنْ تعلم تِلك المَرْأة التِي تُفصحُ عَنْ صرَامَة فِي هيْئتِها، وَلاَ تَدْرِي مَاذَا تَفْعَلُ؟ وَتفْعَلُ مَايُمْلَى عَليْهَا، تُلقِي برَأسِهَا عِن يَمين الخيْمَة، تُرْسلُ شَريطًا من الصّخَب، تلفُّ نفْسَها بثوْبٍ يُشْبِهُها سَوَادًا، تُحرِّكُ مِصْبَاحًا فِي يَدِهَا، أخْفوْنِي بيْنَ السّلع بضَاعَة مُهَرّبة. انطلقت المَرْكباتُ سَريعَة خَارج الحُقول الرّمليّة، كانَ الطريقُ مُتعَرِّجًا، عَلى جَنبَاتِه شُجَيْرات من السِّدْر والنباتاتُ الشّوْكيّة، أخَذَت التْلال الرّمْلية تنآى، بعْضُ الأفَارقة المنبُوذِين يُلوذُون بالفرَار، يَتخنْدَقُون في الاوْديّةِ كالذِئاب، هُم يُشْبِهُون الخنافيس لاينْشطون إلاّ فِي الظّلام، ترَاءَت لهُ تحْت السَّمَاء المَفتُوحَة بُقعٌ مُحَاصَرةٌ بالرَّوَابي والأوديّة، إنّها واحَاتُ النّخيل، قُرَى نائِمَة في العَرَاء، خَلفَ الغِطاءِ السّمِيكِ للمَرْكبَةِ، ومِن تِلك الثُقوب والْمَنافذ الصّغيرة، يَسْترقُ الحَاج لعْبيْدِي النّظرَ، ثمّ يَسْتسلمُ لنوْمٍ عَميق بيْن اكْدَاسِ السِّلع، توَقفَت القافِلة بالقُرْب من حُدُودِ ولاية الجلفة، فيَسْتعِيدُ عَافِيّتهُ، يهْتفُ إلَى زوْجَتهِ يُخْبرُها بأنّهُ كانَ مَخْطوفا، هُو فِي الطريق إليْها، يترجّاها أنْ تُخِبر رجَال الدّرْك فِي سِريّة تامّةٍ وتُعْطِيهم الأسْمَاء ارْبَعة رجَال وامْرأتان، اجْهَشت خيْرة بالبُكاء، صَاحَت بصوْتٍ جَهُور..ارَاذِل اكرَمْتُهُم وَبَعْضُ النِّسَاء السَّخِيفَات"..اذ أنْتَ اكرمْت الكرِيم مَلكتهُ ** وإنْ أنْت اكْرَمْت اللئِيم تمرّدَا."




16- اثرَ تلقِيهِم بلاغًا، قامَ رجَالُ الدّرك بِتطوِيق العِصَابة، وجدُوا في بُيوتِهم مَخابِئ للسُّمُوم والأسْلحَة، اعْترَفُوا بجَريمَتهم النّكرَاءَ، اعْترفَت تِلك المرْأة المُتصابيّة {حليمة} ورفيقتها {السّعْدية}بأنّهُما ورَاء الخَطْف، حَسَداً حَمَلُوهُ مِنْ أجْل خيْرَة، وانْتقامًا من اسْتِحْوَاذِهَا عَلى عُقُول نسْوَةِ الْمَدِينَةِ {وقديمًا كانَ فِي النّاسِ الْحَسدُ..} .قال المُحَقِّقُ: خيْرَة قامَت بعَمَل خيْري رَائع تُشكرُ عليْه، اليْسَ كَذلِك؟ زوّجَت الأرَامِل وأكرَمَت الفُقرَاء، فمَاذَا قَدّمَت بَعْضُ النِّسَاءِ مِمّن تَعْرِفْنَ؟ قالتْ تِلك المُتصَابيّة: هَذا هُو مَرْبطُ الفرَس الْعَنيد، كنّا نَتّخذُ من بُيُوتِنا اخْدَانًا، نسْتعْمِل المُطلقاتِ والأرَامِل لأغْرَاضٍ دَنِيئَةٍ..للأسَف كسَدَت تِجاَرَتُنا وأخَذَتْ منّا كلّ شَيْءٍ، وضَاعَ الحُلم الْجَميلُ..حلمُ مَاذَا يَا أنْتِ ؟ حُلم المُتاجَرة بالنّسَاء ايّتُهَا الْحَقِيرة! ألا تخْجَلين من هَذا العمل الشّنِيع يا قلِيلة الْحيّاء؟! خسِئْت وخَابَ مسْعَاكِ ولسَوْف تنْدمِين، فجْأةً ..دَخل الزّوْجَان مُتأبِّطيْن ذرَاعَيْ بعْضِهِمَا، نظرَتْ خيْرْة حوْلهَا بانْدِهَاشٍ، يتقدّمُهما المُحَامِي الأشيَبُ، يَسْتهلّ مُرافَعَتهُ فيَقول: خيْرة بنْت الرّاعِي امْرأةٌ مُحْترَمَة مُسَالمَةٌ، لم تعْرف المَهانة، بَنَتْ ذاتَهَا بصدْقٍ، تمْلك الرُّؤى وقوّة العَزيمَة، أحْسَنت لهؤُلاء الاوْبَاش، فاسَاؤوا إليْها ولزوْجِها نظِيرَ احْسَانِها إليْهم، يقولُ المُحقّق: من الأفْضل أنْ نسْمَعَ القصّة كآمِلة من الضّحْيّة، يقفُ الْحَاج لعْبيدي يَتحدّثُ بِصوْتٍ غَدَا مبْحُوحًا، يقول: كنتُ عائدًا من صَلاةِ الفجْر، عِنْدمَا اعْترَضَ سَبيلي ارْبَعة مُلثمِين، امْسَكُونِي بقوّة، هدّدُونِي بسِكين إنْ ابدَيْت مُقاوَمَة، حَاوَلْتُ أنْ اخلِّص يديَّ من أيْدِيهم القذرَة ولمْ أفلحْ، رمَونِي في الشّاحِنَة مُقيدًا، معْصُوبَ العيْنيْن، تهيّأتِ المَرْكَبَة للإقْلاع، فاسْكتُوا انْفاسِي بقوّة، لما قطعُوا نصْفَ المَسَافة، تنبهُوا إلى امْرٍ قدْ غابَ عَنْهم، فهتفُوا إلى امْرأة، هِيّ هُنا مَعنا يَسْألونَها، ما الْعَمل الذِي يؤدُّونَهُ؟ فقالت بتبجُّح: يُرمَى في مَكانٍ لايحْلمُ فِيه ابدًا بالعوْدَة، تريدُ أن تَضْربَ خيْرَة في العُمْق، وتُنْهِي صحْوَتها، تكوّرْتُ وأنا اترنّحُ بيْن درُوبٍ تناثرَت شعَابُها، وقد تهشَّمَت قِلاعَ صبْري، وعَرَفت أنّي مُسْتلبً العقل، مَسْلوبُ الارَادَة والحَرَكة، فكّرتُ في الانْتحَار، وأنا اشْعُربوجَع في رَأسي، وغَبَشٍ فِي عيْني، وطنينٍ في أذُني، أهْذِي وأبْكي وما عَسَاني أفْعل، بعْد رحْلة مُؤلمَة دامَتْ يوْميْن نزَلوا في مُنخَفضٍ، اقبل رجَال من البدْو مُتنكّرينَ، فتعَانقوا معَهم، عوَى أحدُهُم كالذّئب تمامًا، فاقبلت امْرأةٌ زنْجيّة فارعَةُ الطُّول، ذَلِيلَة مَقْهُورَة، فَسَأل هذا النّكرَةُ الذي يجْلسُ أمَامي، هل اعْجَبكِ؟ قالتْ أيْوَا..تمَامًا..قال: إنْ أبْدَى مُقاوَمة فتَخلصِي مِنْه، ثمّ التفتَ نحْوي مُسْتهْزئا وَقال: لسوْفَ تعِيشُ هُنا مدَى الدّهْر، وسَتبْكِيك خيْرَة بُكاء مُرًا، تركُونِي وسَط هذهِ الكَائناتِ الشرِّيرَة وانْصَرَفُوا، قال المُحَققُ: سَمعْتم القصّة من بدايَتها، هل لديْكم اعْترَاضٌ، نكّسُوا رءُوسَهُم، قال الأصْلعُ الخبِيث ذُو الوجْهِ الشّاحِب الذِي يُشبهُ وجْه كلْبِ الصّيْد، مَاقاله الْحَاج لعْبيدِي حَقيقة لاغُبَار عَليْها "..فلسَانُ الْحَال ابْلغُ مِن لِسَان الْمَقال.." هَذهِ المَرأة الشرِّيرَة هِيّ السبَبُ، انْتابَ حَليمة المُتصابِيّة ذاتُ الجُفُون المُجعّدةِ فزعٌ وذُعْرٌ، وسَرَت الرّجْفَة في جَسَدِ مُرَافِقتِهَا وهِيّ امْرَأةٌ هَزِيلَة عَصبِيّة المَزاج، لاتعِي مَاتقُول، التفتَ إليْها المُحققُ وقال: مارأيُك؟ قالت: هذهِ عِصَابة اشْرار مُبتزّةُ اسْتدْرجُوني، طلبُوا مِنّي امْوَالا لتنْفيذِ جرَائمَهم، ذَهبُوا به بعيدًا، لم نَتفِق عَلى ذَلِك الفِعْل المُتوحّش الشّنِيع، الحاج لعبيْدي رجُل طيّب، فزِعَ الأرْبعة يشْتمُونَها، يمُدّون أيْديّهم يُهدّدُونهَا، فاسْكت المُحققُ اصْوَاتَهُم، وقال: اعْرفُكم، تعَرّضَت حَلِيمَة للوْم والتقرِيع ولعُيُون خيْرة الغاضبة، فتكتفِي حَلِيمَة باخْتِلاس النّظرإليْها، أمَرالمُحَققُ إيداعَهُم الْحَبسَ، انْفرَجَت اسَاريرُ وجْهِ خيْرَة، علا صوْتُها كجَمالها، قالت:غيْر مأسُوف عليْكِ أيَّتها اللعِينة..أنْتِ كذّابة، مُنافِقةٌ..لئِيمَة الطبْع..خَشِينة النّفْس، وللتو انْصرَفت مَع زوْجِها فِي موْكِب الأفرَاح، يكبُر بَال خيْرَة، تسْتوي جَالسَة في بَاحَة إقامَتِها، عَلى جُدُرَانِ قلبِهَا تكتبُ شهَادَة مِيلادِها الْجَدِيدة بمِدَادِ دُمُوعِها، يكتظُّ البيْتُ بالمُهَنّئين، تسْتقبَلهُم بابْتِسَامَة صَافِيّةٍ، وحضْن دَافِئٌ، وضَحْكَة لاتَخلُو مِنْ وَقَارٍ، فجْأةً اقبَلتْ أمْرَأةٌ جنْزيّة مُرَحّلَة، يُرافِقُها زوْجُها وَعَنَاصِرَ مِنَ الأَمْنِ، ارتجّ الْحَاج لعْبَيْدِي وفَزِعَ مَذْعُورًا، أخَذَ يَصْرخُ، تقُولُ الْجِنْزيّة: وبِصَوْتٍ خَافِتٍ مُخْضَلٍ يَخْتلِطُ فِيهِ الاعْتذِارُ بِالْغبْطَةِ، والْمَرْأَةُ الافريقية بَارِعَة فِي اخْفَاءِ أحْزَانِهَا، تقُول: كأنّتْ مُكْرَهَة مَخْطُوفَة مِثلَهُ، وَليْسَ عَلَى الْمَخْطُوفِ حَرَجٌ، الذِي انْقذنا جَمِيعًا وانْتَشَلنَا مِنْ مَخَالِبِ الوُحُوش، هُم رِجَال الجَيْش الْجَزَائِري، اسُودُ الصَّحْرَاء المَغَاوِير، أفْرَدَتْ خَيْرَة أشْرِعَتهَا، وَانْفتَحَتْ لدَيْهَا نَوَافِذَ الشّوْقُ، وَقَالَت: سَنَطْوِي هَذِهِ الصَّفْحَة الْحَزِينَة مِنْ حَياتِنا وإلى الأبد، ونَفْتَحَ كِتابَ الْحَيَاةِ المُضِيء مِنْ جَدِيدِ.

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 26 ذو الحجة 1438هـ الموافق لـ : 2017-09-17



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
طَهَ .. كَمَالُ الذِّكْرِ والسِّيَرِ ..
بقلم : الزبير دردوخ / الجزائر
طَهَ .. كَمَالُ الذِّكْرِ والسِّيَرِ ..


لقاء بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في موضوع أي دور للمؤسسة التعليمية في الإرتقاء باللغة العربية بالمغرب؟
بقلم : عزيز العرباوي
لقاء بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية  في موضوع أي دور للمؤسسة التعليمية في الإرتقاء باللغة العربية بالمغرب؟


كانون الأول
شعر : سعدية حلوة / عبير البحر
كانون الأول


أمّة تخصي فحلَها وتهين عقلها !
بقلم : البشير بوكثير
أمّة تخصي فحلَها وتهين عقلها !


إنَّ مهري بندقية
بقلم : الشاعر/ صلاح الدين باوية (المغير)
إنَّ مهري بندقية


قراءة في كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين و هكذا تحررت القدس"
بقلم : مراد بوفولة
قراءة في كتاب


جزائري مستقل
الشاعر : الطاهر عمري
جزائري مستقل


لا ضوت إلا القدس
شعر : نقموش معمر
لا ضوت إلا القدس


عندما فتح محمد بغداد الملفات الإعلامية للمؤسسة الدينية
بقلم : الدكتورة راضية أحمد الطاهر
عندما فتح محمد بغداد الملفات الإعلامية للمؤسسة الدينية


القرار الامريكي ، أبعاده وتداعياته
بقلم : شاكر فريد حسن
القرار الامريكي ، أبعاده وتداعياته




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2017م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com