أصوات الشمال
الأحد 1 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * انتهت الحملة الانتخابية في الجزائر و الكُلُّ غَنّى ليْلاَهُ   * الـــعمل التــــطوعي عـــنـــد المرأة / البليدة    * في ذكرى المولد النبوي الشريف   * صابر حجازي يحاور الشاعرة الإيرانية سانازداودزاده فر    * رمَت جِداري   *  تحذير مسؤول "متواطئ".   * قراءة في ديوان : ( قدر حبّه ) للشاعر محمّد جربوعة   * مع المؤرخ فرنان برودل عاشق الجزائر   * (ارجو وضعه فى اهم الاخبار) العنوان:لتطور القصة القصيرة العربية اقدم اليوم : الصحراء فى عيون إسرائيل   * العجوزوالوحش   * تحت سمائها   * متى يستثمر الجزائريون في الوقت؟   * ألفْتُكَ حُبٍّا   * بوح محاصر   * فــــراق   * زلزال أم تفجير نووي باطني   * يا وارف الظلال   * الحابل والنابل وما بينهما   * لو صفقت اليدان في القدس   * إغتيال النهضة الحسينية بأسم الدفاع عنها    أرسل مشاركتك
وذابت شمعتي في المطر
بقلم : سعدي صبّاح
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 408 مرة ]


في صمت الطّبيعة الحانية وقلب حواشي مدينتي.. جستان الظلّ والمتعة، وتنزل كالمزنة على الأرض العطشى كلّما تنفّس صباح جديد وأشرقت شمس جديدة.. وانتشاء النّسمات إذا سرت، يحتوينا واد سقاه وابل أيلول وتتيه كالبكرة الفتيّة بقامتها الشّامية، لا هودج ولا شكام، تعطّر نواوير ربيع البحتري الذي حلّ هذا العام بكمأته ونعمانه الذي كاد يغنّي مواويل العشّاق.. الذي لم يدبّرها العقل، تحرّرت هناك.. وانعتقت من هول مدينتي النّائمة وامرأة بيت تعشق الثّرثرة والأفلام المصرية.. وتطلب السّرير ككلّ ليلة.. دون ضحك ودون طرائف أو حكاية تنتشلني من خلالها أنياب اللّيل الضّاري في حضرتها وهذا ليس أصل الرّواية

فالأصل والأهم أنا جنب ملهمة ظفرت بها بصدق النّاسكين وبراءة الطّفولة التي كنتها وسأبقى عليها وسأظل، فبفضلها نلت المعجزة.. أعود من حيث بدأت، راحت تركض بكرة ضامرة، هناك على مد البصر.. تحجبها حشائش أيار، ربّما تجني الكمأة لأنّها تهواها ولا تحبّ اقتناءها من السّوق، كي تستنشق عطور الثّرى التي تتضوّع من إنجاز عطّار السّماء.. سبحانه خالق الورى والجمال، ويهمّني حين أتمشّى بالتّؤدة على حافّة حقول السّنابل التي تراقصها هفهفة النّسيم الغادية الرّائحة.. بمفردي، وتؤسفني قدماي حين تدوس بعض العشيبات الفتيّة الغضّة التي بلّلتها أسراب النّدى ليلة البارحة، وتارة ألوي إلى الخميلة الحزينة وأقف وقفة عاشق متيّم إزاء زهرة ذاوية باتت تئنّ من قطيع الجليد.. التي باتت تنهشها طوال الليّل وأيار في الحمى، وكنت أنتظرها وأترقّبها وألوّح لها من بعيد، وتلوّح لي بمنديلها البنفسجي الذي أهديته لها حين رجعت من تونس الحبيبة، وبالتّحديد من ملتقى شعر الحرّية، وها أنا هنا والحرّية المطلقة، بأرض أجدادي ومضاربي.. هنا وهي والهوى، انتحلت شخص ابن الحمير، وكانت الأخيلية في البرّية.. ورحنا نطلق عصافير العفّة على بعضنا من بعيد.. تحرسني وأحرسها من جنون بعضنا، وتحرسنا في الخلاء ملائكة السّماء، وجدت في النّوى بعض الطّمأنينة والرّاحة، نظرت هناك على المدى فإذا بشارة الفيافي تتراءى في السّراب الذي تلاشى... أملي هي وتنّورتها المغربية.. التي أضافت لحسنها وجمالها سحر خاص تغري به عنترتي التي كنتها، صمت الطّبيعة الباسمة ترغمني على التفكير في التّعالي على الخطايا التي ولجت مرتعها في كنف الظّهيرة.. والتي حانت في لمح البصر، وأعلم لماذا وكيف دارت عقارب السّاعة دورتها الرّعناء، أراها وراء الرّبوة الزّاهية.. أدنى من فراشة حائمة حانية، فأعود لأزكي اللحظات الهاربة في الممرّات الطّاعنة وزعيق السّيارت، كانت فراشة العمر نائمة في سباتها واستيقظت لتوّها.. يغريها الهواء والبنيّة والغناء، ابتلعها السّراب بكرتي الشّاردة وتلاشت أطياف البلاء والهوى.. وبقيت مع وحدتي متلذّذا بالبعاد، تمنيّت أن يؤخّرها سراب البرّية.. أنتصر على ما تنتوي.. بعدما قرأت في محيّاها امرأة العزيز مصوّرة، شاعري ليس ملائكة ولا رسولا.. ولكن يخشى العواقب ويخاف الحضيض، أنبأتني فراستي هذا النّهار بأنّها تحلم بتشييد خيمة كما شيّدتها أجمل شاردة متمرّدة.. هيمانة في العراء.. فيه تقاطع بيننا في بناء الخيمة.. لكنّني أنتويها أنا بالحسب والنّسب لأسكن إليها وتحميني وغير ذلك.. ذلك ليس يرضيني ،حطّت على شفير المغدر نوارس أتى بها الرّبيع وخطاطيف هاوية تبشّر بهطول المطر، تذكرت بثينة العفّة وأجمل مبيت في أوتيل شفّة، وأيام كنت معها بهيئة عريس في شواطئ مطاريس، ورحلة البحر معها.. تذكرت كلّ ضحكة ضحكناها وكلّ قهقهة وكلّ قهوة ارتشفناها بلجّة البحر، والأمواج المتلاطمة تشاطر ولهنا وتبخّنا عنوة لتبلّل ملابسنا، وتتوسّد صدري وتحتمي بي غير مبالية بالرّبان .. ذلك الشّاب الذي لا يعير لزبائنه أيّ اهتمام، من شمائله أو لحاجة تجارية في نفسه لا يضايقه عبثها.. حتى وإن وصل بها الانتشاء حد العناق والقبل، منظر الملاحة أضاف لولعنا، أنا وهي والرّبان كنّا سكارى وما نحن بسكارى.. أبوح بأنّني انتويت في النّجوى أن تترك القارب وتنزل كالمجنونة تحت الماء وتغرق لأغرق معها وأحلم بمن يتكرّم من أصدقائي الكتّاب والشعراء أن يكتب قصّة عاشقين ويضمّنا التاريخ إلى طغمة العشّاق العرب معها أو داخل قصيدة عصماء يفوز بها في شاعر الجزائر وشاعر العرب ويطرق باب النّجوم من ورائنا دون هراء.. ودون مستحيل ودون خيال ولا معجزة، لكنّني خشيت الله وأقلعت عن فكرتي التي دارت في خلدي بأن أهمس لها لتقفز من صحن السّفينة وترتمي وتتحوّل إلى أعرابية أو غجرية مغرورة لا تحسن السّباحة كي تموت هناك وأموت موتة تخلّدني أفضل بكثير ممّا تخلّدني قصصي وقصائدي، الحمد الله لم نغرق لكنّني اللحظة في البادية الرّحبة وهي سارحة وأنا أغرق بمفردي في الدّموع المالحة التي دخّرتها في المدينة مكرها، الهرج والمرج والزّعيق.. تحظر المسرّات والمدينة مهما تزيّنت.. تقتل البسمات وتعكّر على الباكي حتى لذة العبرات، في لحظة نأيها غرقت في الدّموع أذرفها بلهفة قبل أن تؤوب، وأخشى أنّها تبكي هي الأخرى ،الحقيقة سئمت البكاء الصّامت.. إنّه أرذل وأبشع البكاء.. فالصّمت يصلح لحديث النّجوى لا للبكاء، ها أنا تنثني بي خلوتي وعدّت عودة الضمآن إلى سنين العمر معها وهي كعادتها تعبث بأعشاش الطّيور، الحرفة التي جبلت عليها وأنّبتها عنها كم من مرّة.. توعدني مجاملة لكنّها سرعان ما تعود للعبة الصّغار.. لاحت لي الآن كلّ ربوة ارتمينا في كنفها وارتمينا على خمائلها نومة العصافير.. وكل نعمانة قطفناها سويا وكلّ فراشة أمسكناها ترقص ودسناها بنزقنا.. وأشعلت سيجارة الويسطو.. التي حظرتها على نفسي من أمد وبالتّحديد من اليوم الذي أنبأتني بمرضها وأنا في تاغيت، وبكيت في الخيمة الحمراء وبكت أوردتي ..وتوهمّت برحلة الخلود وتمنيت لحظتها الرّحيل قبل أن تزف إلى قبرها.. الذي صنعته بهواجسي، هيهات فالعمر محدود والأعمار عند ربّها وتنفست الصّعداء حين رجعت من خبلي الذي أصابني من خوفي عليها وخشيتي المفرطة، كانت من محبّة ابن الحمير للأخيلية.. حمّدت الله في خلوتي على عودتها إلى جنوني فحلّ الرّبيع بأوبتها وتكلّلت الأرجاء والأنحاء بالنّواوير.. وهاهي تغرب عنّي في العراقيب وأمرح لأني أدرك معنى التغريب.. وأعلم أيضا بأنّها تقدّر فيّ خلوتي وتجلّ قصائدي.. ومن جهة أنا غير مستاء من تركها وأني أعرف روحها واعتبرتها غزالة ككل الغزلان السّارحة أو زهرة بريّة لم تكن إلا هبة لي منّ بها ربّ السّماء، لؤلؤة تبعثرت في أرجاء مرابعي ومضاربي فأنصفتها وعذرتها على شرودها ولم ألمها بداخلي، بل لمت نفسي التي جبلت على الخلوة وهي أدرى، رأيت ثلاثة كلاب وكلبة وابلة يمكن أن تكون قد أصابها شبق الرّبيع ككلّ مخلوقات الله، فرحت أنهر الكلاب الضّالة وأنهرها من بعيد خشية إيذائها، جلجلت لها من مكاني البعيد وناشدتها بالحيطة والحذر من عدم نبش التراب بأناملها المخضّبة أو تقليب الصّفيح حتى لا تلسعها عقارب جستان القاتلة في الخلاء الذي اخترته بمرضيّتي وتهوري وتهورها أيضا وجنونها وجنوني، ورأيت هناك في لجّة الشّيح راعيا يهشّ على شياهه ليبعدنا.. علّه قرأ قراءة خبيثة ووسوست له أفكار الأعرابي الّذي لا يظنّ ولا يفكّر إلا بنصفه السّفلي.. ودار في خلده بأنّا نزلنا هنا ومكثنا نزولا لأمر ما، والكل يعلم أن البدوي في جل تشيطنه لم يفكر إلا في الفراش، وطالت ساحرتي في شغبها مع فراخ القوبعة مخطّطة قاصدة حتى لا تشغلني قنص الهواء وحديث الرّوح، لكنّي تمنيّت في النّجوى أن تعود ترقص كعادتها من حولي مهرة ملاط لا مخلاة ولا رباط وتتوارد الأفكار.. فتلوّح لي وتلوّح ثم تتوارى في ضباب عابر يبشر بالمطر.. تتقرّب من الرّجوع حياة الرّوح وأقراص مواجعي، سكنتها وسكنتني والخاتمة للقدر.. حتّى وإن تمرّدت لن ترحل من حياتي وترفرف في دمي.. لأنني أحببت روحها وحب الجوارح عندي في آخر المقام، أنا اشتهيت روحها ولا علاقة في اشتهاء الجسد.. وإذا جاء يكون الفرع لا الأصل، ولا يهمّني بعدها ولو في جزيرة الأحلام.. وإن هجرت إلى الخرطوم.. فهي بين أضلعي وإن افترقنا لقدّر الله.. حاشا من جعل الأرواح جنود مجنّدة، إنّما تصير من نصيب آخر بتصرفات الأعراف والتّقاليد.. التي دمّرت جيلا بجهلها، الذي تكرّس لنصيب هذا يتوجب أن يكون لتلك والعكس.. وعلى حين غرة أطلّ من باطن الوادي يرتدي طاغية حمراء.. ولتعودي به لم أرتجف.. وسألته من باب التّأكد من أنت ؟ أنا شيطان القصيد وكتبت بفضله مقاطع عصماء أمدح فيها هيفائي التي اقتنصتها واقتنصتني في عرس القرية والنّاس سكارى، واحدة بالجعات الخفية وأخرى بالأغنية " يا رجال الشّارف ما نيش موالف **راه قلبي تالف ردّوه علي " لكنّني كنت مع لخضر ديديا لحد لا بأس به.. ومع نفسي لحد كبير إيمانا بقول ابن عربي " لا خير في حبّ يدبره العقل " كإيماني بقصائدي التي أحبّكها من البراري وبساحرتي.. وسارقة قلبي ومهجتي.. والعقل قد صرّح للعالم وبكلّ اللّهجات واللغات بأنّه بعيد كل البعد في مسألة احتار الحكماء في أمرها وتكلّم الشعر والشّعراء بأنها حياة لا حياة بدونها وأنّها خمرة التّائب وقبلة النّاسكين، أو ما قال ابن آمنة ( حبّب الله إلي من دنياكم الطّيب والنّساء وجعل غرة عيني الصلاة ).. وازددت لهفة وتعلّقا في الرّحاب، لا دخّان ولا ضباب.. ولا من أراد لي ذلك، لا لشيء إلا لأنّها فهمتني وأعطتني مكانتي وقدّرت فيّ جمال خواطري وأشعاري والإنسانية التي رضعتها بالفطرة في بيدائي وصفاء مداشري.. وها هي إلى جانبي تحبّك النّعمان وذيل الخروف.. تراشقني بتلافيفه الحمراء ..التي تحاكي وجنتيها، عثرت على هيكل عقرب ميتة يلتهمها النّمل الكبير فلويت أناملي على ما تبقى منها بغية أن أمازحها وأسرعت وقرّبتها منها فصرخت صرخة عالية تقشعر لها الأبدان، ندمت واكتشفت أنّها تخاف حتى أن ترى العقرب ميتة، سامحتني ودمع العين يسبقها بتعبير فيروز.. عرفت عنها كلّ شيئ فالسّفر سفور وأصبحت تشكّل لي ذكريات طفولتي الحالمة وإبداعي الذي كان من ورائها، تلاشى وجل العقرب الميّتة وراحت تعبث بمناكبي ببتلات النّعمان وتلعب بالعيدان الذّاوية، تشكّل منها أشكالا لها رموزها وأصبت بالوساوس بعدما أيقنتها بأنها صديقة ذكية فتية بدوية بتعبير فهد بلان.. وأنّها من صنعتها بخيال الطّفولة في مدرسة الدّشرة.. لكنّي أخشى من انفلاتها كما يقال لا تنفلت امرأة إلا من غفلة رجل، وأنا لست غافلا لكن القصيدة تشغلني وتلهيني عن ملهمتي وتذوب في التيهان وذلك ما بدأ يؤرقني.. لكنّها مع أنّه مجرّد أثغاث ولا يخرج عن أحلام اليقظة.. وصرت إزاء بحيرة رغم ثقافتي وجولاتي التي لا تعد.. ولكنّها بارعة في الفلسفة والشريعة وعلم الكلام وفنّه، فصيحة اللسان تكتب القصائد النّثرية والرّواية والمقالة، اللحظة افتكرت عودتنا من أقصى الجنوب نخترق الحلفاء ونقتنص الصور بالرّوابي ونستريح ككل مرة ونرمض فراش الوعثاء بنومة العصافير.. ونستمتع بأشعة شمس الجنوب الغربي العزيز وهي تسحبها على شجيرات الشويحات الخضلة تمتص طراوتها وماءها الذي يشبه التّرياق، وكانت مكحلتي الرّوسية وكنت لا أخشى الدّورية.. لأني معها على ظهر الرّخ.. كلّت مرافقتي قلع الأعشاش ولملمة المحار البرّي وسئمت لحد ما خلوتي، أنا وهي في حاجة إلى مناجاة واسترجاع رحلة العمر معها لكن شغلتنا تلك السّحابة الدّاكنة التي حلقت بالسّماء على حين غرّة، الرّوابي عطشى والرّبيع شبه يحتضر لم تفتح ولم تفصح في البداية، أشارت بسبّابتها تجاه السّماء وغيومه المتلبّدة وقالت شبه وجلة : سحابة ضخمة سوداويّة علّها تنذر بالمطر وتحمل ضاية الرّاية ووادي بو سدراية.. وصدق قولها وفتحت نوافذها السّماوية وبدأت تسبل ما بها من عبرات مباركة على عشيبات البحتري وزهور بريّة عطشى وشبه ذاوية وآيار في الحمى، التفتّ إليها وكانت ترتجف كالخطّيفة الشّريفة عند العاصفة.. كاد البلل يتسرّب إلى خاصرتها وأعرف أنا كيف تشعر الغزالة بالبلاء، معطفي لا يكفي ولا يكفي شالها ولم يكن لديها ما يحمي جسدها إلا من تنورة بحرية تصلح للنّسيم.. فاحتمينا بأطلال قديمة وفي كنفها دار مهجورة تعبق برائحة الأولين، من عرش رحمان، في لمح البصر تكوّنت بركا عميقة ولاحت لنا من باب الدّار الأودية الهادرة والحفر المعجّة بالغدير ،ولم تدثرّني ولم أدثّرها.. وراحت تقلّب كومات الطّوب لتجعل منها وسادة وعلّقت مازحة : الطّوب في أصله أحنى من البشر.. وراحت أنامل الحنّاء لتنتشلها من كانون المدخنة المتهالكة والطّاعنة في القدم ، قرأتها بأنّها تنتوي أن تقبع داخل معطفي وتستشعر بالدفء يسري بكامل أنحاء جسدها وتتمتم : نحن في الطّريق إلى الشّرع لا علينا.. ولما أنهتها باسمة بخجل، قدّر الله ما شاء فعل وتلسعها عقرب كبيرة لا رحمة عندها، صرخت صرخة مؤثرة وهوت صريعة على جدار الطّين ففزعت وارتعدت فرائصي، هرعت رغم المطر الشّلال وأتيتها ببعض الحشائش التي تطرد السّم، والتي تعلّمتها من والدتي زمن الطّفولة في رحاب البوادي، لكن دون جدوى ودون تحسّن يظهر.. تشجّعت رغم ارتعاش مفاصلي وحملتها على كتفي أترنّح في الوحل كجرو الكلاب.. أرفس الماء رفسا بحذاء ارتوى من المطر، رميتها في السّيارة والعرق يتصبب رغم الجو البارد نوعا ما من تواصل الزّخات.. وانثنيت بها بسرعة غير معتادة وأدخلتها الى العيادة في الدّشرة النّائية، طبيبها عبزوزي قرأت معه في الإعدادية الحرّة للنّجاح، الحقيقة راق لحالتي ورأفة بي وبالملدوغة صرّح بأنّه يعمل المستحيل.. وضعها تئن على البياض.. حقنها بحقنة لا تجدها إلا بالوشائج.. لم تحتمل وأغمي عليها.. لوى بي صديقي الطّبيب إلى زاوية هناك وسألني عنها أجبت بصدق وبطريقة لبقة : هاته مقلتاي وأم أطفالي.. إذا كتب الله، فنصحني بالعودة، عدّت باكيا وتركتها مع الحقن والسيروم.. لا أنيس لها يسمعه الشّكوى إلا العلي وبعض أفعالها، أبكي صارخا في سيّارتي.. أندب حظّي التّعيس وسوء الخاتمة.. وصوت الدّاخل يؤنّبني بقوّة : لماذا تدخلان البيت المهجور ولماذا لا تهربان إلى المدينة قبل هطول المطر و.. و..،بتّ ساعات الليل الطّوال أتجرع حنظل النّدم وفي أحلامي أعاد الشّريط كلّ نهاري معها في البراري إلى أن لسعتهاالعدوّة، نحن من اقتحمنا وكرها المعجّ بكل أنواع الحشرات وأشكالها وفي الصّباح المظلم أيقظت على رحيلها الأبدي.. إنا لله وإنا إليه راجعون، انطلقت بسيّارتي صوب المنحى.. لم أصدّق ولم أطمئن.. وأخشى أن يفتح تحقيقا في الموضوع دون أن أدري بأنّها تركت رسالة موقّعة بأنامل ستصبح ملكا للثّرى تبرّئ نفسها وتبرّئني وختمتها.. كنت مع من تعرفونه وتجلّونه فلا تحرجونه، دعوه يبكي فهذا ما وعد الرّحمان، سبحان الله.. طيّبة وتخاف على من أحبّها بلطف وصدق.. حتى بعد الرّحيل، عرّجت في الأوبة على مضاربنا ورأيت الهربي الذي جمعنا تحت المطر ليفرّقنا القدر.. الذي هو كفيل بأن يجمعنا ثانية في الجنّة إن شاء الله ربّ العرش العظيم، استنجدت قليلا بالهروب إلى الآية (كلّ نفس ذائقة الموت إنّما توّفون أجوركم يوم القيّامة، فمن زحزح عن النّار ودخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلى متاع الغرور) ، أوقفت سيّارتي على مد البصر من مكان الفجيعة ، وأخذت أبكي بمفردي إيمانا منّي في هذا الزّمن بأن لا أحد يبكيك إلا مقلتيك أو والديك ووالدي ابتلعهما الثّرى من أمد ودون بقايا عقرب شاعثة مثل راحلتي.. وقلت والله نحن قبور تتمشّى، فلماذا لا أنصف نفسي أو ألومها إذا كانت مخطئة حقا، الصّدق حنظل لكنّه عسل في آن واحد والصّراحة مرّة لكنّها في النّهاية تفّاحة، وأخيرا عنّفت نفسي أشد تعنيف لأني تخلّيت وتراجعت عن تلك البدوية المسالمة من بنات دشرتي، بعدما أحبّتني الحب العفوي.. وانتظرتني طويلا بطمع.. تخلّيت عنها فقط لأني أكره جدّها الذي كان عميلا خلال حرب التّحرير.. وأقر وأعترف بكل لغات العالم بأني أبكيتها الدّم والدّموع.. وها هي حلّت الصّاعقة التي أبكتني وخلخلت ما تبقى من العمر.. أو ما قالت فنّانة البادية (أنا لي بكيت الكل **أجا مين إبكّينا ) إن أجاد الفنان لا ينطق عبثا.. وعدت لمواصلة البكاء رغم أن دموع الرّجال غالية، انثنيت بهيكلي المتعب إلى جستان.. حيث نزهتنا ومضاربنا.. يماشيني الشّجى.. وكتبت مقطعا أحاول الانفلات من الوزن والقافية (عودي انكسر.. دمعي انهمر.. وذابت شمعتي في المطر .

الكاتب سعدي صبّاح

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 1 ذو القعدة 1438هـ الموافق لـ : 2017-07-24



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
(ارجو وضعه فى اهم الاخبار) العنوان:لتطور القصة القصيرة العربية اقدم اليوم : الصحراء فى عيون إسرائيل
قصة : ‏ابراهيم امين مؤمن
(ارجو وضعه فى اهم الاخبار) العنوان:لتطور القصة القصيرة العربية اقدم اليوم : الصحراء فى عيون إسرائيل


العجوزوالوحش
بقلم : نصيرة عمارة
العجوزوالوحش


تحت سمائها
بقلم : بــوطي محمد
تحت سمائها


متى يستثمر الجزائريون في الوقت؟
بقلم : علجية عيش
متى يستثمر الجزائريون في الوقت؟


ألفْتُكَ حُبٍّا
بقلم : وردةأيوب عزيزي
ألفْتُكَ حُبٍّا


بوح محاصر
بقلم : ياسمينة وردة
بوح محاصر


فــــراق
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
فــــراق


زلزال أم تفجير نووي باطني
بقلم : ا.د. عبد الكاظم العبودي
زلزال أم تفجير نووي باطني


يا وارف الظلال
بقلم : فاطمة الزهراء بولعراس
يا وارف الظلال


الحابل والنابل وما بينهما
بقلم : فاطمة الزهراء بولعراس
الحابل والنابل وما بينهما




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2017م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com