أصوات الشمال
الثلاثاء 30 ذو القعدة 1438هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * عذرا أيها الفيلسوف والشاعرالوسيم    * صدور رواية "اليد اليمنى للكولونيل" للاعلامية بوخلاط نادية   * حتى يتعلم القوم بأن هذه الأمة تمرض لكن لا تموت   * في الخمسين يصير الشاعر ذهبيا   * ما تفتقده المدرسة الجزائرية اليوم حقا / العمر العقلي   * ....سبق الرواية في واقع "صدكة"   * الدَّعْوَة الإسْلاميَّة" بَيْنَ "التـّرْغـِيبِ و التَّرْهِيبِ"   * التفسير الموضوعي المفهوم و المنهج   * الشّاعر السّوريّ "محمّد طكّو" يطلق يصدر ديوانا إلكترونيّا خاصّا بالإسراء والمعراج.   *  أبحث عن وطن   * الموت بين أوراق الزهور   * أحبولة حواء    * مساء الزجل يحتضن شعراء مبدعين: بقلم: عزيز العرباوي   * حفيد القهر    * دراسة حديثة حول" توظيف القائم بالاتصال في القنوات الإقليمية المصرية لتطبيقات الإعلام الجديد وعلاقته بأداء مُمارستهُ الإعلامية".   * لست أنا من يتكلم   * أسطرٌ من الواقع الثقافي ببوسعادة فترة الحرب العالمية الثانية.   * بقس   * ومضة ...   * (( قصيدة النثر والقضايا الكلية )) قراءة في ديوان " نزيف الأنبياء" للشاعر عصام عبد المحسن    أرسل مشاركتك
قراءة في كتاب الإعلامي خليفة بن قارة ( الإذاعة الجزائرية كما رأيتها وأراها)
بقلم : الأديبة ..فاكية صباحي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 4479 مرة ]

بعض جماليات هذا الكتاب القيم

(بقلم الأديبة : فاكية صباحي)
قبل البدء يطيب لي أن أنوه بهذه الطبعة الأنيقة الراقية التي وقعت بين يدي صدفة فلست إعلامية ولا أنا من هواة الإذاعة ولكن عندما طلبت مني الأخت سودة مديرة المكتبة أن أقدم هذه القراءة نزولا عند طلب الكاتب المتمكن الأستاذ خليفة بن قارة استحسنت الفكرة واعتبرتها تجديدا لملامح هذه الأمسيات المتواترة تباعا بعد هذا الربيع الأدبي الذي ازدهرت به مدينة بسكرة الطاعنة في الأصالة والتاريخ لتتزين رفـُوفها بما يروي ظمأ القراء ..و يسرّ الناظرين من نتاج أدبي زاخر لا أوقف الله له سيلا


ومما لا شك فيه أنني لم أتناول الكتاب حتى أمدح صاحبهَ أو أثني على مضمون هذه الوريقات المثقلة بثرائها ..فالأعمال الأدبية هي التي تزكي صاحبها لدى قرائه ..وموضوع الكتاب وحده من يترك أثره في الذاكرة فإما أن يبقى ألِقا ما بقي الدهر ...ليجعل القارىء يعود له من حين لأخر ..وإما أن يمضي مع القراءة الأولى

وللأمانة الأدبية من أول حرف هنا وجدتني أتذوق رطبا جنيا من نخيل بسكرة الباسقات فليس من السهل أن نجد كتابا - يتحدث عن الإعلام - يزخر بمثل هذه اللغة الشفيفة لتدخل القلب من أوسع الأبواب مستقرة بوهاد الذاكرة التي لا أظن أنها قد تنسى جملة ، أو عبارة زفرها الكاتبُ صادقةً من صدر يعج بالذكريات التي ترفض أن تشيخ ، أو تبلى وهي تتحدث صارخة في صمتها عن هذا الوله الذي ملأ قلبه للإذاعة الجزائرية حتى يرسمها لنا من منظوره الخاص كلوحة خالدة ..لنراها نحن كذلك بعينيه ..ونحبَّها كما أحبها قلبُه ..ونقفو أثرها كما تتبعتها خطاه لسنين عددا ..ليبقى – هذا الكتاب – كوثيقة تاريخية ..ومرجعية لكل الطلاب والمختصين الذين ما زالوا في أمس الحاجة لمثل هذه الإضافات التي رصدها الكاتب بعيني خبير،وهو يؤرخ للإذاعة الجزائرية من نقطة البدء إلى غاية معظم الدروب التي سلكها صوتُها سلبا ..وإيجابا متحديا كل الصعاب..وبطبيعة الحال لا توجد السلبية إلا حيث توجد الإيجابية فهما ضدان لا يفترقان كالليل والنهار


ولقد تجلى الكتاب في طبعة أنيقة عن منشورات السائحي ( الجزائر) تجمّلتْ كلُّ صفحة من صفحاته بذكرى عصية على النسيان قطفتها يد الكاتب – ذات وصال- كزهرة من روض الإذاعة الجزائرية لتغرينا اليوم بالتوغل أكثر بين كواليس مؤرقتِه( الإذاعة) لنستمع إلى حديثه المسهب عن جنود الخفاء ..وما واجهوه منذ أمد من مصاعب معتمدا على عدة عناوين رئيسة ، تفرعت إلى أخرى جزئية حاول من خلالها أن يصور لنا عالم الإذاعة الجزائرية كما رآها كخبير تربع على عرشها لحقبة طويلة من الزمن متقلدا عدة مناصب في مجال الإعلام ..وبذلك نكون قد شددنا الرحال لنمضي معه في رحلته الممتعة نحو ماض غفا منطبقا على أسرار شكلت ملامحها الانتصرات ..والاكسارات

ولقد استهل الأديب كتابه بمقدمة أنيقة تنم عن مستمع جيد أو محترف في توظيف المساحة الصوتية التي دون شك كانت تعني له الكثير .. فالصوت له بعده الدلالي ..وله مكانته في ذهن كلّ من يتتبع وقع تلك النبرات وهي تقرع طبل سمعه صباح مساء

فهو بطبيعة الحال لم ينس تلك الأصوات التي رسخت بالذاكرة ..ولم يستطع تعاقبُ السنين أن يمحوَها بشكل أو بآخر ، ليرخي لها سمعه مطرقا قبل أن يوقعها ناطقة على الورق..

ثم أتاح الكاتب الكلمة لعَلمين في مجال الإعلام وقد أدلى كل واحد منهما بدلوه على استحياء أمام انهمارغيث البوح رقراقا من جعبة قلم متمرس يعرف كيف يوشوش سمع المتلقي جيدا ليغريه بحسن الإصغاء .. والمتابعة بلغة ساحرة تدل على فنية الكاتب ومهارته في اقتناص الصور المناسبة لرسم ملامح مضمون كتابه هذا

ثم ولج موضوعه بمقدمة أنيقة رُصفت حباتها كفسيفساء وكأننا أمام نوتة ساحرة انفلتت من وتر شجي راح يفرش الأرض زهرا نديا لقلائد حرفه حتى يثبتَ بجدارة قدرته على استيعاب ذلك الكم الهائل من الأحداث التي لم يغيبها الزمن بذهنه المتقد مسهبا في اختصار.. ومختصرا في إسهاب وهو يرسم بالحرف ملامح ظهور الإذاعة كإحدى أهم المحطات التي صارت صديق العام والخاص مرورا بكونها محطةً حربية خلال الحرب العالمية الثانية حيث كانت بمثابة الطلقة التي يستحيل أن تخطئ هدفها

ثم يعرجُ بالذاكرة على الإذاعة الجزائرية إبان الثورة التحريرية عندما كانت تستحث المجاهدين بعبارة (حي على الجهاد )، ... مصرة على إخراج الثورة إلى الرأي العام ..وإدراجها ضمن خانة كفاح الشعوب من أجل تحقيق مصيرها لتصير بمثابة الشبهة في منظور العدو.. والمذياع هو أداة الجريمة
مقرا بذلك إقرارا صريحا بولعه الشديد بمملكته التي لم يستطع التملص من قبضتها في قوله ( الإذاعة مرض جميل لا يمكن لأحد أصيب به أن يشفى منه بسهولة )
كما أضاف بتواضع العظماء أن مولوده الأنيق هذا لا يزال ناقصا في نظره لأنه يتطلع للأجمل دائما.. رغم كوني رأيت أن هذه الطبعة هي بمثابة المدماك المهم الذي سوف يضاف لصرح مكتبتنا الوطنية ..والمكاتب العالمية لمَ لا

ثم يمهد وُلُوجَه للموضوع الرئيس بحديثه عن الإذاعة كقوة عظمى يستحيل دحرها..فهي كالسيل الذي سوف يترك أثره على الصخر وإن بدا لنا صلبا..لأن المستمع الوفي صار يفرُّ للإذاعة بطريقة آلية نظرا للألفة التي ترقرقت أنهارها بينهما


ثم يحمل الكاتب قلمه السخي ليبدأ في التشريح المفصلي للإذاعة مع الفصل الأول الذي تطرق فيه لظهورها مع عناوين جزئية أسهب فيها وهو يتحدث عن الأشواط التي قطعهتـْا مقربة المسافات.. مرورا ببقية التعرجات بين التألق والضمور ..وبين استغلالها سلبا ..وإيجابا مثلها مثل الصحافة المكتوبة وما تركته من عميق الأثر سواء على المستوى الفردي الضيق..أو الدولي الواسع رغم كونها لم تـُدرك إلا القليل من غاياته..معتمدا في تشريحه على ذاكرة المتلقي فهو لم يكن يتكلم كإعلامي فحسب وإنما كان يعيش الدورين معا ليبدو كسهم دؤوب من جهة.. وكقوس متزن من عدة جهات متكئا على الرصيد الجماعي في اقتناص تلك الحقائق التي ما نكاد نقرؤها حتى نسترسل في جمع شتات صورها من ذهنٍ أرهقه توالي أحداثٍ ما تكاد تنطفئ حتى تتأجج من جديد لأن الإذاعة كانت رفيق الجميع وليس هو من تعلق بها فحسب
فممّا أذكره أنني عندما كنت طفلة كنا نسكن قرية نائية وحدث أن عاد أبي من سفره ذات مساء وهو يحمل لنا هدية غير متوقعة تمثلت في مذياع أنيق لا تزال ملامحه عالقة بالذاكرة حتى الآن وكم سعد الجيران قبلنا ليلتفوا حوله كل ليلة كعائلة واحدة ..ألف بين قلوب أفرادها صوت المذياع على غير ذات رحم ..من هنا فحتى وإن لم أكن من متتبعات الإذاعة فهناك بالذاكرة ما يستقيم رصيدا لا ينفد مع تعاقب السنين يجعلني أستمع لتداعيات الكاتب با نتباه شديد

ثم يفتح أديبنا أبواب فصل آخر- بلغة موجعة أنيقة تشد إليها القارئ شدا وهو يحاول أن يفتح صفحات لا تغفو بكتاب السنين حتى تلبس ثوب الصدارة من جديد - عن ملامح الإذاعة إبان الثورة التحريرية عندما كانت الفتيلَ الذي نفخ في تلك الجذوة التي ظن الجميع أنها قد انطفأت تحت رماد المستعمر.. بجهد محرريها الذين تنكّبوا ذلك العمل طواعية ..مذكرا القارئ ببعض شهداء الإذاعة الجزائرية حينها ..

بعدها مباشرة يستسلم إلى ذكرياته مسترسلا بتداعيات حرة في رصد الأحداث التي مرت بها الإذاعة الجزائرية حيث كانت تتنقل على ظهر شاحنة بمنطقة الناظور المغربية خوفا من القصف الذي استهدفها لعدة مرات لتنجو منه بأعجوبة.. ورغم قلة الكفاءات حينها - كانت تناضل في تحدٍ وثبات بين يدي هواة ينقصهم الكثير من المراس والتدريب ولكن للضرورة أحكام-

لتبقى بمثابة الصرخة الحرّى التي أعطت المجاهدين دفعا قويا مستقيمة كدرع منيع يقيهم مغباتِ الخوف والاستسلام..

وما يكاد يخرج من الفصل الثاني حتى يرفع ستائر فصله الثالث
ليتطرق للإذاعة بعد استرجاع الدولة ويندرج تحت هذا العنوان عدة عناوين فرعية ذكر فيها تعرج مسار الإذاعة فمن كونها صوت الثورة والحث على الجهاد ،إلى صفحة جديدة بدأت بنور العلم وبذلك يتوجب عليها أن تختار برامجها وفقا لطلب الشعب الذي كان حينها ينفض عنه غبار حرب تركت في نفسه عدة مخلفات أهمها الجهل ..
ومن هنا تمكنت من حمل أهم سلاح يحتاجه الفرد ..والمجتمع وهو سلاح العلم بالتعليم عن بعد مع الحث على الثورات السلمية التي يمكنها أن تنهض بالبلاد في شتى المجالات..و بذلك احتكرت الدولة الإذاعة لتبسط سلطتها بقوانين موروثة عليها وتعتبرها إحدى أذرعها في غزو المدن والأرياف كنور يمتد بين الجفون ويغسل عنها غبشها لانعدام وسائل الإعلام الأخرى التي انتشرت كالفطريات فيما بعد - على حد قول الكاتب - عبورا بأهم الإعلاميين الذين صنعوا الحدث الاذاعي في ذلك الوقت بإخلاصهم وتفانيهم معتمدة على أهم تكنولوجيات الاتصال ..

كما أن الكاتب لم يغُض الطرف عن بعض ذكرياته عن فورة الشباب.. والتي كانت كمحطات مهمة في حياتة مستأنسا بالعلاقة الوطيدة التي كانت بين الإعلامي والجمهور ذاك الذي كم شغف به سماعيا فقط ..وأحبه بقلبه ..(والأذن تعشق قبل العين أحيانا)
تلك الذكريات التي تركت في نفسه انطباعا خاصا جعله يغوص في ملامح الزمن الجميل الذي ولىّ وانبرى ..ولم يبق منه سوى بعضِ شميمه يؤرج لغته وهو يقطفها كزهرة ندية من حدائق الماضي



ثم يواصل الكاتب في الفصل الرابع حديثه عن الإذاعة بعد الانفتاح الإعلامي باستقلالها عن التلفزيون ، وبعض ما اعترض مسيرتها الحثيثة حتى ترتقي أعلى المنابر وبالتالي تصير تلك القوة التي يمكن أن تزعزع كل جدار استقام على الفراغ .. بدون قاعدة صلبة خصوصا وأنها قد صارت تمثل سلاحا قويا كجهاز إعلامي تراه السلطات ُمصدرَ قلقٍ بين توهج الزمن وصمت الأمكنة ..ثم ما تلبث أن تستغلها السلطة كسلاح إديولوجي في يدها يمكن أن تحوله إلى مساحة تكنولوجية محروسة يكون فيها الزرع والقطاف بذات اليد..معززا هذا الجزء بأسماء بعض الإذاعات المحلية وتواريخ بداية الإرسال بها مرورا بمهامها المختلفة بعدما صارت ذلك الجليس -الذي قل من يستطيع الاستغناء عنه - وذلك المنبر اليومي الذي يطل المستمع من خلاله على مجتمعه الكبير مترصدا أخبار العالم التي صارت تطرق بابه في عجالة دون أدنى عناء ..

مع تلبية بعض حاجياته بفتح المجال لتلاقح الأفكار بين الإعلامي والمواطن على هامش بعض البرامج المباشرة التي يتقاطع فيها المستمعون بأفكارهم وآرائهم ..

بعد هذا تطرق الكاتب إلى بعض ما يطفئ ألق الإذاعة وهي تسيء اختيار برامجها مما يدل على أن الرسالة السامية هي الأبقى دائما ..فمهما أحب الناسُ تلك الشعلة التي تعطر صباحاتهم.. وتنير مساءاتهم فإنهم لن يتخلوا على مبادئهم وقيمهم، ليتقبلوا كل ما يقدَّمَ لهم من فنون قد لا ترقى لأذواقهم ..

كما نلاحظ أن الكاتب لم يهمل العشرية السوداء التي تطرق لها على استحياء ببعض الإشاررات البسيطة ..وهو يتحدث عن إذاعة القرآن التي على حد قوله قد اتُّهمت بالتطرف الديني من بعض الحساسيات في المجتمع المدني لتبقى مجرد نافذة ضيقة ما لبثت أن فتحت دفتيها لتثبتَ قدرتها على التأثير ليُفك عنها الحصار لاحقا ، وتثبت دورها الفعال في التأثير على تلك الفئة التي اختارت رؤوس الجبال ..

ثم انتقل للإذاعة الثقافية التي اعتبرها وصمة سوداء على جبين الإذاعة الجزائرية ومرجع ذلك إلى مكانة الثقافة البائسة في فكر المنظومة السياسية الوطنية سواء بين أوساط السلطة أو بين أوساط من ادّعى المعارضة خارجها

لتتحول كل القنوات إلى نسخ يكرر بعضُها بعضا.. مع نقد بعض المحطات التي آلت إليها الإذاعة لانعدام الرقابة نظرا لتسليم مقاليدها لمن لا يملكون النضج المهني ، لتغريهم الأضواء في اعتمادهم على اجترار ما سبق من برامج مما وضع ماضي الإذاعة الجزائرية العريق في مهب الريح..

- ويبدو لنا جليا أن الأستاذ الكريم خليفة بن قارة لم يستطع أن يخرج من شرنقة الإعلامي – صاحب الرسالة- وهو ينضّدُ لنا جمله الخبرية كعقد من حقب السنين التي مرت بها الإذاعة بين الصمود.. والتحدي..إلى النكوص والتردي ليعرج على الإذاعة الجزائرية وسط زحام السماء ..متحدثا عن تمزيق أواصر الإذاعة بعدما انفصلت عن التلفزيون وهي التي ستبقى قلعة الإعلام والتنمية السليمة وتهذيب الأذواق متسائلا في أسى واستنكار على لسان أحد أكبر إعلامييها ..وكأنه يريد أن يشرك القارىء في تساؤلات مريرة تأججت بكلا الصدرين ( ما الذي يجبر الإذاعة على الرداءة)

- أخيرا لخص الكاتب مضمون كتابه هذا في خاتمته بكلمات تحمل معانٍ أكبر من أن يغفل عنها القراء كرسالة تحمل الكثير من الدلالات التي لن تعجز الأجيال عن فك شفراتها .. بذهن يثقله الكثيرُ من الأسى لذلك الجرح الغائر بين الضلوع والمتمثل في تقصير الإعلام العربي الذي لم يسعَ لإظهار الوجه الحقيقي للأمة ..وبعثها من جديد بعدما غيبها الإعلام الغربي وهو يرسمها للأجيال هناك بأبشع الصور ..
وإيقاف ذلك المد الجارف الذي أحدثته تكنولوجيا الإعلام والاتصال ثم يدعونا ألا نعادي التكنولوجيا وإنما علينا أن نلبس ثوب الحذر ونحن نتكئ عليها حتى لا نكون ضحايا غفلتنا ..وما من شيء يساعدنا على ذلك سوى الإذاعة إذاما حاولنا جاهدين لإعادة وجهها الحقيقي الذي غطته مساحيق الحداثة الزائفة ..والرداءة المتفشية بشكل أو بآخر .

**********
********

- مجمل القول أن الكاتب يدعو القارئ لأن يشاطره ولعه بالإذاعة بلغة أنيقة خالية من الصعوبة والغموض لأنها تخاطب كل الشرائح وهي تتحدث عن واقع عايشه الكاتب دون اللجوء لتزييف حقائقه بالتنميق وهذا ما يُظهر مدى انفتاحه على الإبداع القصصي والروائي العربي ..والعالمي كيف لا وهو ذلك الكاتب.. المتحدث ..والمستمع الذي يلبس عدة أدوار على مدارج دور واحد وهو دور الإعلامي المتمكن الذي يحمل رسالة ماناء بها كاهلُه رغم ثقلها

ولقد اتكأ الكاتب على أنماط سردية مع الإنفتاح على النص الإعلامي الهادف معبدا الطريق بينه وبين قرائه بعبق الصدق والوفاء ليتأرجح سردُه بين فضاء تُغطيه سحب الذكريات العصية على النسيان ،وواقع معاش يتأبّى على الانحناء ..لتتلألأ تفاصيله نابضة على بساط تلك المرحلة التي قطع أشواطـَها بين أحضان مملكته التي لا يريد لعاديات الزمن أن تمحو معالمها..معتمدا في ذلك على وصف دقيق يكتنفه التصويرالواقعي الجميل الذي رصدته قريحته ،و نمقته مثل كاميرا تتعقب الأحداث لتدعم التفاصيل بالصور الوصفية المعبرة ..
ورغم كون الكتابة هنا من صلب الواقع إلا أن الكاتب قلما يعتمد على الوصف الإستقصائي بل اعتمد على الوصف الشاعري المقتضب الموحي بأحداثه وأفعاله المتوترة


ثم ما يلبث أن يتصاعد بين جمله ، وتراكيبه إيقاع ُالوصف بطاقاته السردية التي وظفها الكاتب كبنية فاعلة من بنى النص الأساسية التي رصدت لنا ملامح الإذاعة الجزائرية ..تلك الملامح التي ظلت تفاصيلها متراكمة بذهن القارئ ، وبمجرد ما يستدرجها الكاتب باستدعاء الذاكرة المعرفية تستقيم من جديد كمرآة عاكسة لملامح الوضع المضمر بذهن الكاتب والذي اختـُزلت فيه مسيرة الإذاعة الجزائرية عبر الحقب..ليشد القارئ رحاله مع أحداثٍ استدلالية اقتنصها الكاتب من عمق الواقع عبر تشغيل أفعال نفسية ، وحركية عرجت بالقارئ إلى ذات الحدث ليستكشف بنفسه تلك التفاصيل التي أدخله الكاتب بوتقتَـها ليشعر وكأنها جزء لا يتجزأ من ذاته

- ثم يحرك وصف الإذاعة الجزائرية بالأحداث المتراكمة في وعاء الذاكرة التي تبدو وكأنها تريد أن تنفلت جملة واحدة من ذهن الكاتب وهو بالكاد يمسك بمتنها حتى يرصفها لنا بالتسلسل الذي يترقرق كماء زلال دون تجهيز مسبق

- ونلاحظ أن البنية السردية قد اعتمدت على بعض التجهيزات التي لم يعرها الكاتب اهتماما وهو يعتمد على مخزون الذاكرة الجماعية التي لا تجهل رحلة الإذاعة الجزائرية ولو شكليا.. موثقا بذلك تفاصيله بالتواريخ الدقيقة و الثابتة



- أما اللغة فلقد كانت مفعمة بالحركية وانسيابية العبارة التي تنزلق من قلمة متسمة بحسن التشخيص .. مع روعة التصوير الواقعي ..كيف لا وهو الإعلامي الذي تعوّد على مخاطبة المستمع من وراء الكواليس وعليه أن يكون دقيق الوصف حتى تصل صورُه كاملةً لا يشوبُها أيُّ غموض


- ومن هنا ندرك أن الإذاعة الجزائرية من منظور الكاتب ما زالت تحتفظ بالصدارة مما يجعل القارئ يستشف ضمنيا مركزية الإذاعة أمام غيرها من و سائل الإعلام التي لم تستطع أن تحني هامتها لتبقى تصارع أعاصير الحداثة التكنولوجية بتحدٍ وإصرار..فليس من السهل أن تُغيِّبَ وسائل ُالإعلام الحديثة بريق الإذاعة مهما تجملت أنوارُها لأنها كانت وستبقى منهل العام قبل الخاص فهي ليست مرجعية المثقف فحسب.. وإنما كانت وستبقى زاد الشوارع ..وزواد البيوت ..إذ يسحيل أن يُستغنى عنها كجليس وأنيس يومي أثبت وفاءه على مر الأجيال
وهي بمنظوره الخاص بمثابة الزهرة التي ما يكاد يغطيها الشتاء بصقيعه حتى تطل مع الربيع بوجه أكثر نضارة لترسخ بالذاكرة ..وتخلـُد بالنفس .. وبذلك يكون قد قدم لنا دعوة ضمنية منه كإعلامي لحب الإذاعة الجزائرية التي شغف بها وظللته أفياؤها منذ أن بدأ بزرع أفكاره النيرة بتربة خصبة ما يلبثُ أن يجمع قطافها حبا خالدا بين صدور جمهوره من المستمعين

في الأخير أقول أنه من الصعب أن يقتنص القارئ لآلئ هذا الكتاب في ظرف قياسي ..فلقد استلمته مساء الخميس ..وكان عليّ أن أقرأه حرفا حرفا ..وتسنى لي ذلك فعلا ولكن على عجل..
فليس من السهل أن أختزل في هذه الوريقات البسيطة مسيرة قامة إعلامية فارهة في سماء العطاء مثل أستاذنا الكريم خليفة بن قارة -أمد الله في عمره-

وعدة أيام لا تكفي أبدا لإستخراج ما عج بصدر الكلمات من درر الذكريات التي لا أظن أن بريقها سينطفئ يوما بين جنبات الكاتب ..والقارئ الوفي..

فطوبى لخيوط رفيعة سوف تبقى تربط الماضي بالحاضر وهي توطد العلاقة بين الأجيال في مثل هذه الإصدار القيم الذي رأيته كدوالٍ تدلت عناقيدُها ولكل طريقته في القطاف
لن أبيح لنفسي بأكثر من هذا لأدعو أديبنا الجليل حتى يطفئ لهيب هذه اللحظات بما ترقرق على ضفاف الذاكرة



نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 5 صفر 1436هـ الموافق لـ : 2014-11-27

التعليقات
أحمد جلال
  - نِعم الإطلالة المثقلة بنفائس هذا الإصدار القيّم، ونفائس الزّاد الادبي المشرق صدقاً وصفا وجمالاً، وبسيل حروفك المتدفّق في سهولة وعذوبة.
-علينا أن نزفّ آيات الشكر والعرفان إلى هذه الدّارة الضّوئيّة الثّلاثيّة الأبعاد، والتي جمعت الاخ الفاضل الإعلامي الكبير الذي يمثّل في نظري مدرسة إعلاميّة عزّ نظيره و نظيرها أيّامنا هذه، خاصّة وانّه جاء من عمق الإمارة الإعلاميّة، ولم يزل فيها عضواً فاعلاً فعّالا، والأخت الفاضلة السّيدة سودة، صاحبة الصّدر الرّحب والفضاء الجامع، والاخت الفاضلة ثالثة الاثافي، الاديبة البارعة والهادئة بطبعها، الممطرة غيثا يشقّ أديم الارض ويخرج الزرع، ويملأ الضرع ويُورق الفرع.
- لقد وُفّقت أختنا في الكشف والإيصال بصدق وبراعةوحضور أدبيّ ومعرفيّ كبير، خاصّة إلى مَن كان مثلي غائبا جسديّا عن اللّقاء الدّافئ المفيد.
- شكراً أديبتنا المميّزة، أفدتنا معرفيًّا، أمتعتنا أدبيًّا، شوّقتنا إلى احتضان هذا المولود الجديد.
- جزاك الله عنّا كلّ الخير.

 


فاكية صباحي
 مرحبا بك أديبنا القدير أحمد جلال ..وبما أضفته من در نضيد ..لقد كانت أمسية راقية بالفعل ..رقي صاحبها الذي أعطى فأجزل العطاء لحقل من حقول الإعلام الجزائري الذي ما زال يناضل أمام هذا التطور الرقمي الهائل
وكم تمنيت حضور الجميع احتفاءً بضيف لا يزال يحمل الكثير من الوفاء الذي تندّر في مثل هذه الأيام ..فالكتاب وثيقة تاريخية حريٌ بنا أن نتتبع تفاصيلها عن كثب وهي تؤرخ لنضال رجل ..وتاريخ أمة ما أحنت هامتها سيول النوائب
بوركت أستاذنا الكريم ودمت نبعا لا يغيض من ينابيع هذه المدينة الطاعنة في الأصالة والتاريخ
تقبل مني مفردات التقدير والشكر
 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

بقلم : عباس بومامي

لا مراء في ان تقترن مناسبة عيد الاستقلال بعيد الشباب ، ذلك ان عنفوان الثورة المجيدة كان من عنفوان القادة و المجاهدين الشباب الذين كانوا صغارا في السن و لكنهم كبار كالجبال الشامخات .و كبر هؤلاء الثوار و عزتهم لم تأت من العدم بل جاءت من تربية على حب الوطن و ايمان عميق بضرورة التضحية من اجله . و الفرق شاسع اليوم بين جيل الامس و جيل اليوم حتى و ان كنا نعرف ان لكل زمان رجاله و لكل حال مقاله . لكن الذي حدث هو ان من بقي حيا و خالط الجيل الاول والثاني لم يوصل الامانة و لم ينجح في ترتيب اولويات الوطن حتى صارت الوطنية مظلة تحمي الكثير من المندسين و المفسدين و باعةالريح و حتى من كانوا اعداء للثورة بالامس . و اذا كان شهداء الامس ضحوا بانفسهم و بأغلى ما يملكون فالواجب ان يضحي امثالهم اليوم لحماية الوطن و للذود عن حياضه ضد المفسدين و حملة معاول هدمه .

.
مواضيع سابقة
الشّاعر السّوريّ "محمّد طكّو" يطلق يصدر ديوانا إلكترونيّا خاصّا بالإسراء والمعراج.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
الشّاعر السّوريّ


 أبحث عن وطن
شعر : عبدالله ناصر بجنف
 أبحث عن وطن


الموت بين أوراق الزهور
الشاعرة : فاطمة الزهراء فلا
الموت بين أوراق الزهور


أحبولة حواء
بقلم : كريم حطراف
أحبولة حواء


مساء الزجل يحتضن شعراء مبدعين: بقلم: عزيز العرباوي
بقلم : عزيز العرباوي
مساء الزجل يحتضن شعراء مبدعين:  بقلم: عزيز العرباوي


حفيد القهر
شعر : صابر حجازي
حفيد القهر


دراسة حديثة حول" توظيف القائم بالاتصال في القنوات الإقليمية المصرية لتطبيقات الإعلام الجديد وعلاقته بأداء مُمارستهُ الإعلامية".
بقلم : إيمان محمد أحمد
دراسة حديثة حول


لست أنا من يتكلم
بقلم : أ/عبد لقادر صيد
لست أنا من يتكلم


أسطرٌ من الواقع الثقافي ببوسعادة فترة الحرب العالمية الثانية.
بقلم : محمد بسكر
أسطرٌ من الواقع الثقافي ببوسعادة فترة الحرب العالمية الثانية.


بقس
بقلم : شعر: محمد جربوعة
بقس




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1438هـ - 2017م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com